الرئيسية / Gash Barka / Writers Column / محمد نور أحمد / سبب تمسك المسلمين الارتريين باللغة العربية الجزء الأول
mohammed nur ahmed part one

سبب تمسك المسلمين الارتريين باللغة العربية الجزء الأول

سبب تمسك المسلمين الارتريين باللغة العربية) الجزء الأول(

بقلم محمد نور احمد 2012-11-26

mohammed nur ahmed part oneينقسم المسلمون في ارتريا الي عدة مجموعات اثنية لكل منها لغتها الخاصة فهناك لغة التجري وهي ذات اصول  سامية ,لأنها  تفرعت عن لغة (الجئز) التي اتت من اليمن ويتحدث  بها سكان اقليم سمهر والساحل الشمالي وبعض من سكان اقليم عنسبا وغالبية سكان بركا وبعض من سكان القاش– سيتيت.  هنا لغتي الكناما والنارا والايليت في اقليم القاش سيتيت كما تتحدث مجموعات اخري في بعض مناطق بركا والقاش لغة (بداوييت) وهي اللغة التي يتحدث بها معظم سكان شرق السودان.

هناك لغة البلين في منطقة عنسبا ولغتي الساهو والعفر في اكلي قوزاي ودنكاليا وتعود اصول اللغات الاربع  الاخيرة الي الكوشية في حين تعود اصول كل من النارا والكناما الي الكوشية والنيلية  اخيرا تأتي لغة الدهالكة اي سكان جزر دهلك  وهي مزيج من التجري والعربي والعفرية , تعتنق هذه  المجموعات إضافة الي الجبرتا في غالبيتهم الدين الإسلامي, ونقول في غالبيتها لان من بين كل من البلين والتجري من يعتنق الديانة المسيحية ويتمسك بالمعتقدات المتوارثة لكن الجزء الاكبر يعتنق الإسلام حسب تقديري . تتعامل هذه المجموعات الإسلامية في امور دينها باللغة العربية وتستمد الجزء الاكبر  من قانون  الاحوال الشخصية من قواعد الدين الإسلامي مع وجود بعض الأعراف المتوارثة والتي لا تتعارض مع قواعد الإسلام  في الكتاب والسنة المحمدية . 

يرسل المسلمون كما هو معروف ابنائهم الي الخلاوي لتحفيظ القرآن ومحو الامية الابجدية , ومنهم من يوفق في حفظ الاجزاء الثلاثين .يقوم بهذه المهمة رجال نالو قسطا من المعرفة بامور الدين الاسلامي علي يد فقهاء  في داخل البلاد وان كان ذالك في نطاق ضيق او في السودان او في الأزهر الشريف في القاهرة او المملكة العربية السعودية او (زُبيد) في اليمن , اما المواطن العادي فإن حدود معرفته بالدين لا تتجاوز قِراءة القرآن اذا كان اُتيح له الإلتحاق بالخلوة واداء فريضة  الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان واداء فريضة الحج ( لِمن إستطاع اليها سبيلاً)  والإمتناع عن المحرمات . وهذه المعلومات متوفرة في كل بيت  ومتوارثة بين الأجيال اما المسيحيين المتحدثين بالتجري  والتجرنيا فان الكتاب المقدس مترجم بكلتا اللغتين وإذا اضفنا الي هؤلاء  مسيحي الِبلين والسَاهو والكُناما فإنهم يشكلون نصف المجتمع الارتري. بيد ان هذا مجرد تقدير درجت عليه الحكومة الارترية  في عهد الإتحاد الفدرالي والحكومة الحالية لأنه لا يوجد إحصاء رسمي ودقيق للمجتمع الارتري والرقم الوحيد ذو الدلالة علي ذلك هو أعداد أعضاء البرلمان الارتري الذي كان مكونا من 34 عضوا مسلما و 34 عضوا مسيحيا ولا نستطيع التحدث عن دقة هذا التقدير او نقيضه . اما المعلومات التي وردت في بعض المواقع الاخبارية الارترية , بان عدد المسلمين في ارتريا يشكل نسبة 75%من سكان البلاد فإنها مجرد أحلام ودعنا لا نقول أوهام لمن لا يعرفون الواقع الارتري ولا تاريخه وكنت اتمني ان يتوخى قائلوه الدقة في مُخاطبة المسلمين الإرتريين الذين قد تصعقهم الحقيقة المغايرة لمثل هذه المعلومات عندما تتاح الفرصة لإجراء إحصاء دقيق لسكان ارتريا , وهذا غير بعيد لأن عمر نظام اسياس بدأ عدِه التنازلي  بالرغم من ضِعف المُعارضة , وحين زوالِه سيحِل محله  نِظام ديمقراطي, قطعاً  سيقوم بإجراء إحصاء للسكان تمهيدا لتقسيم البلاد الي دوائر انتخابية حينئذ فقط يظهر الرقم الحقيق الذي يحدد النسبة المئوية لمعتنقي الديانتين .

لا يثير موضوع اللغة العربية  اهتمام كبير لدي المسيحيين وغالبيتهم العُظمي من المتحدثين باللغة التجرينية , لان الأخيرة مكتوبة وتوسعت مفرداتها بحكم الاستعمال لفترة طويلة  ولها قواعد تضبط استخدامها, وفي الآونة الأخيرة وضع لها قاموس  لشرح مفرداتها كما أفرزت مصطلحات عِلمية بحيث لا يضطر الدارسين بها الي استعارة مصطلحات علمية أجنبية إلا في حدود المعقول . لهذا فان المسلمين وحدهم الذين يتمسكون باللغة العربية . فما هو سبب تمسكهم هذا بينما هم لا يتحدثونها إلا من تعلم منهم أو ولد او اغترب في بيئة عربية .

يقول البعض ان اللغة العربية  في ارتريا قديمة قدم (الجئز ) فيها , والمعروف ان الجيئز أتت الي ارتريا في عام 700 ق م عندما انهار سد مأرب وانقطعت عن سكان مملكة سبأ وسيلة المعيشة الوحيدة التي كانوا يعتمدون عليها  وهي مياه السد الذي كانت  تقوم عليه  الزراعة المروية  وعبر فريق منهم مياه البحر الاحمر وبلغ السواحل الارترية وبما ان مناخاها  لا يختلف  كثيرا في درجة جفافه واضطروا الي التقدم الي ان وصلوا الي  (مَطَر وقُوحِيتو) وجدوا مُناخاً ملائماً وأمطارً موسمية بدؤوا حياتهم وحسب  بعض الروايات  أنهم أول من ادخل نظام زراعة المُدرجات  في المرتفعات الارترية والذي تتوارثُه الأجيال وكذلك  الحَرث بالثيران  ولكن إطلاق الرُعاة وهم السكان الأصليين في المنطقة , مواشيهم في المزارع وعجزهم الدفاع عنها أضرهم الي التقدم بحثاً عن مكان آمِن حتى وصلوا الي (أكسوم) وهناك اقاموا اول دولة (مدنية ) في المنطقة , تطورت مع الايام لتكون مملكة .

حمل هؤلاء المهاجرين  معهم لغتهم المكتوبة الي جانب حِرفتهم الزراعية  وهي لغة (الجئز) وفي بعض الروايات لغة (الاغعازيان) وهذا اسم لقبيلة ,أما القبيلة الثانية  فهي  قبيلة الحبشات او الحبشان ولستُ  علي بينة من أي التسميتين أصَح .من هنا جاءت تسمية الحبشة  إلا ان رواية أُخري تقول ان كلمة الحبشة تعني الخليط  لان  سكان الحبشة  مزيج من الساميين والكوشيين  والعرق النيلي  لكني شخصيا أميلُ الي التفصيل الاول  لان كلمة حبشي  او حبيشي متواترة في جنوب اليمن وفلسطين وحتى سوريا ولو انها ليست شائعة كما هو الحال في اليمن .

عن لغة الجئز تفرعت التجرنيا والامهرنيا . فالجئز في هذا شبيهة باللغة اللاتينية  التي تفرعت عنها اللغات الاوربية وفي مقدمتها الايطالية والاسبانية  والبرتقالية  والفرنسية ايضا.وكما هو الحال مع هذه اللغات الاوربية  هناك اشتراك او لِنقُل تشابه في الكلمات بين اللغات الثلاثة اللاتي تفرعن عن الجئز.

انقرضت الجئز في اليمن ولم يبقي منها إلا بعض  الشواهد التاريخية علي مخلفات سد مأرب المكتوبة  بالحروف الجئزية الاصلية , اما الحروف الجئزية المستخدمة اليوم في كل من ارتريا وإثيوبيا فقد ادخلت فيها بعض التعديلات بما يتناسب والنطق الذي ادخل في بعض الكلمات في اللغات التي تفرعت عنها . هناك من قال بان الجئز لغة عربية واستدل بالكلمات المشتركة بينهما وذلك  للتأكيد علي عراقة اللغة العربية في إرتريا، وكلنا قرانا مقال  المناضل محمد سعيد ناود قبل وفاته بفترة قصيرة  تحت عنوان (تاريخية اللغة العربية  في ارتريا ). ان هذا التماثل لا يدل علي ان الجئز لغة عربية انما هي  اخت للغة العربية  فهي احدي اللغات  السامية واللغة العربية هي الاخرى سامية. وهناك اخوات اُخريات  مثل العبرية والآرامية والسريانية وغيرها. ومن البديهي ان يكون هناك ما هو مشترك بينهما في الكلمات مثلها في ذلك مثل تشابه  الاخوان والأخوات  في الملامح  في الاسرة الواحدة وهذا لا يدل علي انهم شي واحد وإنما يدل علي الاصل الواحد،  ويقول البعض الآخر ان اللغة العربية دخلت عن طريق هجرات عربية , دون تحديد لحجم هذه الهجرات وتاريخها وبغض النظر عن صحة وعدم صحة إدعاءات بعض القبائل مثل قبيلة الماريا التي تَدَعي انحدارها من سُلالة(معاوية بن ابي سُفيان) . المعروف في التاريخ الارتري ان الامويين احتلوا جزيرة  دهلك في عام 661 م وأداروها حتى عام 750 م وخلال هذه الفترة جعلوا منها مرفقا ناجحا لتجارة المرور بين مصر والهند وبلاد فارس وبين شاطي البحر الاحمر المتقابلين . والسؤال هنا هو هل تجاوزوا جزر دهلك الي عمق الاراضي الارترية ؟لو حدث ذلك لتركوا دون ادني شك اثرا ملحوظا للغة العربية في المناطق التي وصلوا اليها وبما ان ذلك لم يحدث ,فان وجودهم لم يتجاوز جزر دهلك وحتى هذه لم يتركوا فيها موروثا لغويا لان اهل دهلك لغتهم الخاصة بهم هي نتاج لتفاعل اللغات العربية والعفرية والتجري فهي تحمل كلمات من هذه اللغات الثلاث , الا ان ذلك لا يستبعد وصول افراد الي الشاطئ الارتري والتزاوج  مع السكان المحليين وهناك قبائل اخري تحاول العودة بجزورها الي الجزيرة العربية وقد ظهرت هذه الظاهرة في الأربعينيات عند تفكك النظام الاقطاعي  في منطقتي الساحل الشمالي وبركا, ولا تسند هذه الإدعاءات اي شواهد تاريخية وحتي لو إفترضنا جدلاً انها صحيحة فان المسالة لا تخرج عن هجرات فردية سرعان ما يذوب اصحابها في المجتمع الجديد. لهذا لا يتحدث الشعب الارتري اللغة العربية انما لغاته الخاصة وحتى ميناء مصوع او (باضِع) كما كان يُطلق عليه عند تأسيسه, تحرفت مع الايام وصارت (باظع) والذي اسسها وأدارها لفترة ليست بالقصيرة مهاجرون من اليمن والحِجاز ولم يستطيعوا الحِفاظ علي اللغة التي أتوا بها إذا ذابوا في المجتمع الجديد واخذوا لغته ولكن بلهجتهم التي صارت إضافة الي لهجات التجري الاخرى . المجوعة الوحيدة التي تتحدث اللغة العربية هي مجموعة الرشايدة التي وصلت ارتريا في القرن التاسع عشر ولم تستطع نشرها وسط السكان اذ علي العكس من ذلك تعلم افرادها لغة التجري للتواصل مع محيطهم في منطقتي سَمهر والساحِل الشمالِي .

إن الشعب الارتري برمته لا يتحدث اللغة العربية او يستخدمها في حياته اليومية وحتي اعرافه المتوارثة أجيالاً بعد اجيال منقولة شفهياً باستثناء بعض اعراف سكان المرتفعات المكتوبة باللغة التجرينية وبالحروف الجيئزية ومع ذلك فقد طالبت واجهات اسلامية حسب بعض الروايات الادارة الإيطالية بِفتح مَدارس تُدرس باللغة العربية لكن الايطاليين تعللوا بعدم توفر المدرسين غير انهم بدأوا تدريس اللغة العربية والتجرنية كمادتين في مدارسهم الداخلية لتخريج كوادر  ادارية.

فمن اين جاء تمسك المسلمين باللغة العربية ؟

ان تمسك المسلمين باللغة العربية نابع من عقيدتهم الدينية فالقرآن الكريم مكتوب باللغة العربية فهو (قرآن عربي غير ذي عوج )صدق الله العظيم. فلكي يفهموا اُمور دينهم لابد لهم من تعلم اللغة العربية لان القرآن  ليس مترجم الي لغاتهم  التي لم ترتق إلى ذلك في حين أن المسيحين المتحدثين بالتجرنية والتجري لان الكتاب المقدس تمت ترجمته إلى لغتهم منذ القرن التاسع عشر  بفضل البعثات التبشيرية الاوربية التي اجاد بعض افرادها اللغتين .من هنا يأتي تمسك المسلمين باللغة العربية.

يتبع

mohamednoor1237@yahoo.com.au

 

| الحلقة الأولى | الحلقة الثانية |

 

شاهد أيضاً

Gash Barka Ahmed Mohammed Nor new letter

نعم قراءة جديدة للتاريخ ِ الجزء الثاني

نعم قراءة جديدة للتاريخ  الجزء الثاني دور القاعدة الأمريكية محمد نور أحمد ـ ملبورن اتفق …