Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
مجالسة الترابي ... وشهادات رأي العين (2) - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

مجالسة الترابي ... وشهادات رأي العين (2)

Hanan Maran frontفي أبجديات الصحافة تعلمنا " أن كلباً عض رجلاً " ليس بخبر، وإنما الخبر أن "عض الرجل الكلب"، ومن ثم، فإن لقاء مع علمٌ كالترابي تتهافت عليه مئات المحطات الإخبارية والتلفزيونية وإلتقاه مئات الصحفيين التابعين لمئات المؤسسات الإعلامية المعروفة لهو شيء عادي وطبيعي ومتكرر، وإنما لقائي كونه الشخصي الودي دون واجهة إعلامية معينة أو خلفية فكرية مصطحبة ولا كل ما جرت عليه العادة لهو الجديد والمكسب الشخصي لي وممتنة للأقدار التي ساقتني إليه، فالترابي شخص فوق العادة، وفوق الرتابة ، خارجٌ عن الإجماع، حائد عن المألوف، شاذ الأفق والرؤي، مترفع عن المكاسب السريعة، متوائم مع المقاصد الرفيعة، وإفراده لي هذه المساحة من وقته لهو سجل تاريخي أعتز وأفتخر به.

غادرتنا السيدة قبل البدء في الحديث عن الجانب الفكري الديني وقضايا د. الترابي مع فكر التجديد، "السيدة" هكذا دأب الترابي علي مناداتها وبالتالي كل من في الدار، والسيدة وصال المهدي الزوجة الأولي والوحيدة للدكتور الترابي في بلاد دأب الإسلاميون فيه وأبناء "الحركة" علي إعتناق فكر التعدد وإنتقائه دوناً عن السُنن مخالفين بذلك الأب الروحي للحركة،

غادرتنا السيدة فيما بقي في الجلسة إبنه وحفيدته ورجل صديق للعائلة كان يفصلني عن الجلوس المباشر للدكتور.

كان د. الترابي مسهب في العطاء أحياناً ومختصر للحديث أحياناً أخري، فأنا لم ألتقيه لألقي عليه الأسئلة وأنتظر الردود التي سمعناها مئات المرات عبر اللقاءات والبرامج، إطلاقاً، كانت فرصتي العظيمة لأقرأ الرجل العملاق وأغوص في بحره العميق مع محاولة رصد تعابير وجهه، و تتبع ردود أفعاله، ومحاولة فهم سر تداخل قهقهاته المتقطعة مع حديثه مهما بلغت جدية الحوار وخاصية الموضوع المتناول ومهما بدا محور الحديث عميقاً ومثيراً للشجن سواء في السياسة أو الدين، والحق انه فاق كل تصوراتي في الأريحية والبساطة والتواضع، عقد جبينه وتحدث بقليل إنزعاج في موضعين فقط خلال اللقاء ، أحتفظ بهما لنفسي إلي حين إشعار آخر، وأما قهقهته المعهودة وقع لها في نفسي عدة تفاسير من خلال حديثنا وإستحضار أحاديثه السابقة الكثيرة سواء التلفزيونية أو الجماهيرية، فكانت مرة للإستهزاء وتصغير أمر سواء عظيم أو حقير، ومرة ثقة مفرطة وهذه الغالبه في معظم أحاديثه، وأخري غرور يستند لعلم ومعرفة، ومن ذَا يناطح الترابي في أمور السياسة والقانون و الدين في تاريخ السودان الحديث (!).

كان إختصار الأسئلة السياسية لأسباب، منها مخافة ضياع الوقت في أمر كان ومضي فالترابي منذ وقت بعيد رجَّح كفة الدين علي السياسة، ما يعني أن رجل الدين الذي أمامي قد غلب علي رجل السياسة القابع هناك، وحضور رجل الدين كان أطغي وأشمل من رجل السياسة في السنوات الأخيرة من عمره، وبالتالي فإن الحديث عن السياسة سيكون حديث ذكريات وإجترار للماضي وبعض شوائب الحاضر وأما الدين فقضاياه مستمرة ومؤثرة في الحياة اليومية الآن وحتي قيام الساعة.

والأهم من كل هذا أنني ذهبت لرجل الدين بإعتبار أن الدين والشرع والتجديد فيهما رسالته الحالية المنكب عليها أكثر من السياسة ولكن ما في نفس يعقوب كان أكثر.

Shek Al Hassen and Hananعندما بدأنا الحديث عن فكر التجديد في الشريعة والدين تغيرت جلسة الدكتور، رفع رجله اليسري وإستوي علي الكرسي تماماً كالشيوخ وعلماء الدين في المنبر، توجه بكامله نحوي و تلاشي الفراغ بيننا وكان الحوار مباشراً وكأن لا أحد غيرنا في الجلسة.

في هذا الشق ، توجهت للدكتور بالأسئلة المباشرة ، فالشريعة والدين الأصل فيهما الوضوح والصدق ، دوناً عن السياسة التي تحتاج الي بعض إلتفافات وتورية ، قلت له : هل لي أن أبدأ بفتاويك الخارجة عن المألوف أو لنقل " الشاذة" ، تبسم الدكتور ضاحكاً وكأنه كان بإنتظار اللحظة وقال : أَيُّهُم فهم كُثر(!) تبسمتُ أيضاً سعيدة بهذا الإعتراف المفعم بالإعتزاز بفلذات العقل والذات وإن أجمع الكون علي ردّها _ حتي نشاذ الرؤي والإنبعاثات الفكرية تحتاج لإيمان عميق بها وإعتزاز جذري داخلي لينعكس أثرها المرجو علي الآخرين وتؤتي أُكُلها_ فقلت له لنبدأ بأكثرها إثارة للجدل من فتاوي النساء "إمامة المرأة" مثلاً ، وكان رده الأول أن ليس في القرآن آية تمنع ذلك وما لم يمنعه القرآن قد يكون جائزاً، وعليه تكون إمامة المرأة جائزة وإستدل الدكتوربحديث رسول الله "ص" لأم ورقة بالصلاة بأهل دارها عند مروره عليها _الحق أنني لم أسمع بهذا الحديث من قبل _ وقد فهمت أن الدار هو فناء البيت ، ولكن الدكتورإستدل بكلمة دار وعليه قال أنها تصح من المرأة إذا توافرت فيها شروط الإمامة لعموم كلمة دار وخروجها عن إطار البيت إلي المدن كدارفور مثالاً و الدار البيضاء وهكذا. قلت: لكن يا دكتور ليس كل تشريع نزل به القرآن فقط، هناك أمور كثيرة لم ينزل بها القرآن وشرعتها السنة سواء بوحي، قال: السنة تكمل ما ابتدأه القرآن. قلت: وهناك ما لم ينزل به القرآن إبتداء وأقرته السنة، وما جد به الزمان شرَّع له علماء الإجماع والمذاهب الأربعة. هنا سألني الدكتور إن كان أتبع مذهب بعينه؟ قلت نعم، قال أيهم؟ قلت الحنفي، قال لم تتبعين مذهباً ولم الحنفية بالذات، قلت إن مذهب الإمام أبو حنيفة مذهباً وسطاً وهو المذهب المتبع في دراستي بالأزهر ولكننا أحناف قبل دخول الأزهر، قال: لقد أعطاك الله عقلاً خاصاً بك لما تلغينه وتتبعين آخرين؟ قلت يا سيدي العقول متفاوتة واتباع المذاهب والعلماء الثقات رحمة ليشرعوا لنا مستجدات العصور وعقول البعض منا قاصرة والحكمة ليست متساوية، قال: كُلُّ يحاسب علي قدر عقله، قلت يا سيدي لو تركت أمور الحياة لتدار علي قدر العقول لأصبحت فوضي والكل قد يدعي قصور عقله أو إكتماله وفيه إتباع للهوي، قال: إن القرآن ففيه كل شيء(!).

ولازال الحديث عن فتاوي النساء في فقه الدكتور فيما يخص زواج المسلمة من كتابي، قال الدكتور: أجزتها لأهل الكتاب فقط والأصل في الفتوي للنساء في الغرب الآئي يدخلن الإسلام وأزواجهن علي دينهم _ أي أنه خاص بالمتزوجين إبتداء علي دينهم ثم دخلت الزوجة الإسلام_ يقول الدكتور أنه أفتي لهن بعدم فسخ العقد والإنفصال عن الزوج لضرورة الزمان والمكان وقال لي تعلمين بحكم معشيتك بينهم كم هو مهم للمرأة وجود رجل في حياتها وقد يكلفها ذلك دينها لذلك وحفاظاً عليها وعلي دينها قلت ببقائها مع زوجها الكتابي إبتداء، الكتابي فقط.

إنتقلنا للحديث عن عذاب القبر وما يقال في إنكاره له؛ قال: ليس هناك ما يثبت عذاب القبر من القرآن، هممت بذكر الآية عن آلِ فرعون فقاطعني يقرأها " النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيا ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" قال: نعم هذا عرض للعذاب فقط ولكن العذاب الفعلي يوم القيامة بعد الحساب. قلت نعم يا شيخ لكن ما كيفية العرض، قال: كما يعرض علي شاشات التلفاز مثلاً والنَّاس ينظرون، قلت: لكن عرض النار غير عرض الأشياء الأخري وضربت له مثلاً أن عرض الدجاج المعلق في الأسياخ علي النار لفترة ما ينضجها فما بالك لو بقيت معرضه للنار سنوات!!. قال: هذا لو كان العذاب للجسد لكن عذاب ونعيم القبر للروح وليس للجسد وحيث الروح تذهب لمكان لا علم لنا به ولا يبقي في القبر سوي جثة فقط فليس هناك عذاب ومعروف أن جسم الإنسان ٦٠٪ ماء وسيتحلل وينتهي مع الوقت. قلت: لكن عذاب القبر ثابت بالأحاديث النبوية أيضاً وهي كثيرة وليست فقط لنبينا بل ثبتت عن أحاديث لسيدنا المسيح أيضاً. سألني وهو مفعم بضحكته المعهودة هل حدث وذهبتِ للمقابر يا حنان؟ قلت: لا. قال: هل رأيتي ضيق مساحة اللحد؟ قال هذا الضيق لا يتصور معه أن يلتفت الميت لا أن يقعد ويعذب ويحاسب أو ينعم ولكن الأرواح نعم فهي في براح البرزخ تنعم أوتعذب فمثلاً الهندوس يحرقون جثثهم حتي تصير رماداً تزروه الرياح ومن تأكله السباع ولا يوجد له قبر كيف يتصور عذابه (؟)، قال دعكِ من كل هذا، هل يبقي في القبور شيء بعد عشرات السنين سوي عظام؟ قلت: نعم يا دكتور حتي أنه لا يبقي سوي العجز وهو عظمة صغيرة كحبة الخردل، هنا وللحق أنني توقفت للحظات وفقدت بعض توازني وكدت أن أتفق مع الدكتور أن الاجساد تبلي وتنعم الأرواح أو تعذب عذاب العرض إلا أنني تداركت الموقف وقلت له: لكن يا دكتور هناك غيبيات مسلم بها وفي علم الله ما لا يمكن لبشر تصوره وذكرت في نفسي موقف سيدنا إبراهيم عندما سال الله كيف يحيي الموتي فأمره أن يأتي بأربعة طير ويصر إلي كل جبل منهن جزأً ثم دعاهم فأتينه سعياً في رمشة عين رغم أن خلطهم في صرة ثم تفريقهم في أربعة جبال مجهود خارق قد يأخذ عدة أيام " فأسررت ذلك في نفسي ولم أعترض الدكتور وتابعت بسؤاله عن رأيه في أن أجساد الأنبياء والشهداء والحفظة لا تبلي رغم أنها نفس التركيبة البشرية. قال : الأنبياء بشر يسري عليهم ما يسري علي البشر وقد تتحلل جثة صحابي ويتحول بعضها لسماد تربة خصبة تزرع فيها شجرة تطرح تفاحاً يأكله "خواجي " ملحد (!!)غالبتُ دهشة كادت تصبغ وجهي بإبتسامات عريضة تبدد الوجوم اللحظي ، وطبعاً وكما هو معتاد أن حديثاً مع د. الترابي لابد أن تعتليه الدهشة تلو الدهشة و بحسب مغزي الأسئلة وكنه الإجابات يكون للإندهاش معانيه المختلفة فهناك دهشة العقل وأثرها الإنبهار والإعجاب، ودهشة القلب وأثرها الصدمة والإحباط ، ودهشة النفس وأثرها الحيرة والقلق والحق أن كل أنواع الإندهاش داهمني منذ رؤية الرجل حتي آخر لحظة قبل مغادرتي.

قلت له في معرض الحديث عن عذاب القبر، ماذا عن الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف والمرور عليه إذاً؟ قال: لا تهتمي لكل هذا؟ قلت إذاً لا صراط أيضاً(!) هل نذهب للجنة "عِدِل" ؟ قال: هذا كله من التخويف والإثباط وعودة المسيح وخروج الدجال كلها أشياء أقعدت الأمة عن العمل فالكل ينتظر المسيح ليحرر القدس ويعيد قوة الإسلام وعليه نامت الأمة قرون وهبطت همتها _ ورغم أن حديثه وقع في عمق الفؤاد كالصاعقة إلا أن ظاهره كان معقولاً نوعاً ما والكثير منه يشكل صراعات فكرية شخصية علي الأقل وقد كنت لسنوات طويلة مغمورة في طيات الخوف ، معلقة كبندول الساعة في جدار الأزهر ، ومدهوسة بين سندان العرف والتقاليد الإرترية ومطرقة الحساب والعقاب الدينية، وكانت فرصة عقلي العظيمة لأن يكشف عن لثامه ويسرح في براح الأمان الذي سمعه للتو من الدكتور "لا عذاب ولا صراط " "والدنيا ربيع والجو بديع "، لكن نفسي الأمارة لا أدري بماذا(!) غالبتني وأفاقت مستفهمة فقلت : لكن يا دكتور هناك أحاديث صحيحة ثابتة ومعروفة والاحاديث الضعيفة والمردودة أيضاً معروفة، وعودة المسيح في آخر الزمان معلومة بالضرورة ومثبته بالقرآن ، سألني هل المسيح عايش؟ قلت: حسب ما تعلمنا نعم، قال: أين، قلت رفعه الله عنده؟ سألني أين بالضبط؟ قلت في مكان يعلمه الله، قال وقد رفع إدريس أيضاً وذكر الآية " ورفعناه مكاناً علياً " هل يعني أن إدريس أيضاً حي؟، الحق أنني إرتبكت كثيراً فالدكتور يتبع سياسة المباغتة والصعق في المحاججة ولم أكن في تمام جاهزيتي فكان البَله المباغت وتسمر العقل المفاجيء كثيراً ما يداهمني، ولكنني كنت دائماً أرد قدر الإستطاعة محاولة إستحضار دروس الثانوية الأزهرية فقلت بأن مكاناً لسيدنا إدريس قد تعني المكانة في العالمين وليس المكان بمعني الحيز من الفراغ، "طبعاً مجرد محاولات".

وفي معرض الحديث عن الأحاديث النبوية ومدي صدقها وصحتها قال: إن معظم الأحاديث لأبي هُريرة وقد عاشر النبي _ صلي الله عليه وسلم _ أربعة عشر شهراً فقط وإن كان من رواة لأحاديث كثيرة لكان أبوبكر وعمر أولي لملازمتهم له طوال حياته، قلت: لكن يا دكتور هم كانوا أصحابه وليسوا ملازمين ومتفرغين لمتابعته كما كان يفعل أبو هُريرة وبعض رواة الحديث.

قال أن الأصل في إعتبار الحديث ليس فيما إذا كان قد قيل فعلا أم لا بل مدي دقة تواتر الحديث حتي وصل إلينا، وبعد وقت ليس ببعيد ووسط حديث جانبي فاجأني الدكتور بطلب أن أُعيد عليه ما كان يقول بالحرف الواحد، الحقيقية حاولت قدر الإمكان إعادة جملتين الي ثلاثة ثم "قفشني" الدكتور في كلمة قال أنه لم يقلها وأنني أضفتها لما قال، هنا تدخل إبنه محمد عمر بالحديث وهو يبتسم أيضاً فالتفت إليه وكان يؤكد ما قاله والده من أني أضفت تلك الكلمة، وكانت المرة الأولي التي يشاركنا فيها الحوار وأنتبه لوجوده علي يساري تفصلني عنه حفيدة الترابي الشابة اللطيفة أيضاً، إنها عائلة بشوشة تأسرك تبسماً وسماحة وأشياءُ أخري (!) ولكني أيقنت أني واقعة في مأزق عليّ الخروج منه، فقال لي الدكتور: إذا لم تستطيعي أنتِ أن تعيدي علي حديثاً تماماً كما قيل ولَم يمض عليه دقائق فكيف بأحاديث مر عليها قرون؟ فقلت في محاولة لخروج لائق أن حديث النبي (ص) والإستماع إليه ليس ككل حديث والرواة أيضاً ليسوا ككل العامة.

إستوقفني الدكتور لدقائق ليتحول مسار الحوار مني إليه وسألني عن أحوال المسلمين في أستراليا: فقلت إنه ليس أفضل حالاً من الشرق فلدينا تعدد في المذاهب والشيع ولكلٍ مسجدهم يصوم كلٍ مع من يتبع ويفطر كلٍ بحسب من يتبع. سألني: وكيف حال المسلمون الجدد؟ قلت منهم من حسن إسلامه وإستقام بأفضل من المسلمين بالفطرة ومنهم من تقطعه الناس كلٍ يريده أن يتبع مذهبه وضعف إيمانهم وأصيبوا بصدمات والبعض دخلوا الإسلام لسماحته ثم تقطعتهم الفرق حتى تَرَكُوا الدين برمته وعادوا من حيث أتوا.

وذكرت له أمثلة لبعض من ذهبوا معنا للحج وهناك تعرضوا لصدمات الإختلاف في طرق العبادة والصلاة بين جموع المسلمين في مكان من المفترض أن يسلك الجميع فيه مسلك واحد. هنا إستوقفني الدكتور وقال إن ذهبتِ للحج فهل تعرفين معني لبيك، يذهب الناس عادةً للحج وهم لا يعرفون معني لبيكَ، قلت معناها بسيط التلبية يعني الإجابة بمعني جئناك ملبيين النداء، قال والخواجات ديل تلقنوهم بس " لبيك كا كا كا كا " هكذا قالها بالظبط ولا هم فاهمين حاجة، وأردف أن مشكلة المسلمون التلقين دون معرفة عمق معني ما يقولون. قلت: معرفة المعني العام للعوام تكفيهم وأما عمق الفهم الدقيق يحتاج لخواص الناس كالعلماء وطلاب العلم والعارفين بالله، قال: العبادة الحقة معرفة ما نقوله وكيف نقوله وكيف نؤديه وما معني الحركات والسكنات في العبادة، قلت: يا دكتور هذا صعب علي العامة لكن الناس تعلم ما تحتاجه بالضرورة للعبادة البسيطة وأما التفاصيل فهذا للعلماء أمثالكم. فأردف الدكتور فما كيفية الدخول في الصلاة؟ قلت تكبيرة الإحرام، قال: كيف تكبرين للصلاة؟ (شعرت أنني في إختبار الصف الثالث الإبتدائي) فرفعت كفيّ بمحاذاة أذنيّ وقلت هكذا، قال بمحاذاة الكتف أم الأذن أم بينهما؟ (قلت في نفسي وجب التحري الآن يا حنان) قلت حسب ما تعلمت بمحاذاة الأذن لكن تعدد المذاهب يعطي مساحات لآراء أخري) فقال: ما معني هذه الحركة؟ ( يعني رفع اليدين بمحاذاة الأذنين للدخول في الصلاة، فقلت: تعني الإستسلام التام لله، وقبل أن أنهي حديثي داهمني إبنه السيد محمد عمر بسؤال وقد رفع يده في وجهي مشهراً إياها كالسلاح وقال طيب ولو رفعت في وشك سلاح تعملي كيف! قلت في نفسي _ وهل يملك المرء إلا إستسلاماً أمام سلاح تجري في عروقه دماء المهدي والترابي مجتمعين _ ولكن سبقني لساني بإجابة سريعة ومراوغة : سأغطي وجهي بكلتا يدّي هكذا ووضعت كفيّ علي وجهي، فضحك وقال بل سترفعينها أيضاً إستسلاماً فمالفرق؟ قلت هذا ما دأبت علي تصويره الأفلام والمسلسلات لكن تجارب الحياة الحقيقية قد تكون مختلفة فقد تختلف ردود الأفعال وليس كلها ملزمة رفع اليدين للكتفين إستسلاماً فقد يجري البعض أو يتوسل أو يصرخ أو يبكي أو يغطي عينيه ويستسلم بخوف والبعض قد يموت بسكته قلبية من الهلع ، هنا قال لي الدكتور: لقد غسل الأزهر دماغك ، وعلي قدر سعادتي بأن أعطاني الدكتور شهادة أنني علي قدم المحاججة علي قدر حزني أن نسبها للأزهر فقط رغم فضله الكبير علي ، فقلت له : إن الأزهر الآن يرثي لحاله يا دكتور، ولو أنه مؤثراً فينا لنفسه لما تغير حاله الآن وأصبح مأساة ، إن غرس الدين يا سيدي مشتول هنا قبل الأزهر.

وسواء إتفقنا أو إختلفنا في بعض ما طرحناه أثناء النقاش، لم يكن غرض اللقاء الأول والأخير الوصول لقناعات بعينها قدر ما كان أمل في تماس الأفق ومحاولة بلورة فهم جديد لآراء الدكتور. ودليل ذلك أن الحوار بيننا لم يكن إتجاه واحد سؤال وجواب، أو طلب وعرض أو مرسل ومتلقي، بل أخذ وعطاء، ومساحة للتحرك والتعبير عن القناعات الفكرية ونقاشها، وكنت قد قدمت إلي الدكتور وقد حملت من أوجاع المتشددين وذوي الأساليب المتسلطة أو الجافة في طرح رؤاهم العقدية الكثير، وجئته ألتمس فيه السماحة والبساطة وعدم التعقيد، وقد حملتني نفسي المتعبة من رهق الدين والدنيا أن أميل لبعض فتاوي الشيخ لأريح نفسي من عناء التفكير فيها "عذاب القبر مثلاً" ، فما كان من الشيخ سوي أن ترك لي الحبل علي الغارب، وقال بتحري الإنسان وإعمال العقل والفكر وعدم إعتماد عقول الغير وكأنه بهذا يخرج نفسه من مساءلة إتباعه والأخذ بفتواه ، لقد صعب علينا الصعب ، أن نستمع إليه ثم لا نجد سبيلاً لتعليق حياتنا علي أحكامه.

وأما أكثر المواقف إحداثاً للرجة في السمع والبصر والفؤاد وكل ما أنا عنه مسؤولة، كان الحديث عن عصمة الأنبياء ، وأكثرها عقداً للدهشة المروعة، الحديث عن عصمة سيدنا محمد، كان حديثاً أقرب إلي الندية وقدم المساواة مع سيد الخلق أجمعين، عندما قلت أن النبي ليس كالبشر ولا بقية الأنبياء وأنه معصوم من الخطأ فقال الدكتور: وهل تعرفين أكثر من الله والقرآن وذكر "وما محمد إلا بشر مثلكم" وليس هناك بشر معصوم ولكن معتصم ، معصوم معناها لا يخطيء وبالتالي لا يؤجر، بينما معتصم يعني يجتهد في الإعتصام وبالتالي يؤجر، وتابع الدكتور وقوله "عبس وتولي ان جاءه الأعمي" دليل علي أنه بشر يخطيء ويصيب قلت: يا شيخنا لكن المقصد النبوي لم يكن ينطوي علي أغراض بشرية قدر ما كان حرصاً علي الإسلام، وما فتيء الدكتور يذكر إسم محمد مجرداً في حديثه دون متلازمة النبوة أو السيادة أو الصلاة والسلام عليه المرة تلو الأخري، وما انفكيت أصلي وأسلم وأصلي وأسلم وأنا في عجبٍ شديد، وقد غاب نصف عقلي عن الحضور من أثر الدهشة، فعقب الدكتور وقد لاحظ ملاحقتي له واللهث بالصلاة والسلام فقال: هي الصلاة علي النبي كلام بس، ويعني إيه صلاة؟ كان الصمت المطبق والوجوم وسيلتي في هذا الجزء، فقال الدكتور الصلاة يعني الصِّلة، صلتك بربك، صلتك بنبيك، والصلاة علي النبي معناها الإقتداء به وليس ترديد كلمات، وأردف يعني ربنا لما قال " إن الله وملائكته يصلون علي النبي " كيف يصلي الله عليه، وكيف يصلي الملائكة؟ هل تعرفي الكيفية، هل كلام هل ركوع وسجود، إذا أيضاً صلاتنا علي الرسول مش كلام فقط، كل هذا من الخرافات مثل خرافة الذهاب للحج لزيارة النبي، كثيرون يذهبون للحج ويظنون الحج هو زيارة المدينة ويعتقدون بذلك.

الحق، أن هذا الجزء من الحديث إستوقفني كثيراً وعطلني عن الكتابة عن اللقاء منذ ساعاته أو أيامه الأولي وصعب علي الأمر أكثر بعد وفاة الدكتور وأمانة الكلمة كانت تقتضي أن أذكر كل شيء أو لا شيء علي الإطلاق، وكنت أمنّي نفسي أن أتمكن من مجالسته أكثر فأكثر ويطول به المقام علّه يسترجع بعض أفكاره وإنبعاثاته الكبري في حياته فقد شملني لساعات في منزله بالوالدية وتمنيت لو أن مساحة الوقت إمتدت للأخذ والعطاء حتي يفيء أحدنا أو كلانا لأمر الله ونستقيم علي الطريقة فيسقينا من رضوانه غدقا.

لم يتفق معي الشيخ في أن معرفة دقائق الأمور في العبادات بمعانيها وتفاصيلها ليس مطلوباً من الجميع وقرر إهدائي كتابه الصلاة والشعائر الدينية ليتسني لي معرفة كيفية العبادة اليقينية مع معرفة معاني الحركات والسكنات وكتاب آخر إقترحه الدكتور أيضاً وأرسل حفيدته لتجلب لي الكتب إلا أنها لم تجد سوي كتاب واحد مما طلبه الدكتور وقد وصّاني أن أكون خير سفيرة للإسلام في الغرب بعيداً عن التشدد والتطرف.

نظرت إلي نفسي وقد إرتديت ملابساً تضج بالألوان الزاهية في عز الليل وقلت للأسف أبعد ما يكون عن التشدد يا سيدي.

تثائب الدكتور مرة وقد تأخر الوقت بالفعل ، فوكز الرجل صديق العائلة الكرسي الذي أجلس عليه وقال لي في وشوشه بصوت مسموع ستحرمين الدكتور القيام الليلة فقد تأخر الوقت وهو يجاملك فنهضت من فوري وإعتذرت للدكتور والعائلة عن عدم شعوري بالوقت والتقطنا صورة تذكارية مع الدكتور الذي كان يجلس بأريحية دون رسميات وإستأذنته في نشر الصورة علي حسابي الخاص في الفيسبوك فلم يعترض متواضعاً وقبل الرحيل سألته أين يمكنني ان اجد مؤلفاته الأخري فقال لي وقد شارف علي الإختفاء من ناظري ، كتبي لن تعرف قيمتها الان، سيعرفونها كما عرفوا قيمة ابن تيمية بعد زمانه. كانت هذه آخر جملة قالها الدكتور الترابي ورحل بعدها عن ناظري ثم ناظر الوري.

إصطحبني إبنه السيد محمد عمر للخارج فقلت له، لقد كنت من أشد المشاغبين للسيد الوالد في صفحته علي الفيسبوك بنفس إسمي هذا ورغم ذلك وجدته هاشاً باشاً سمحاً ليناً، فقال الوالد ليس له حساب علي الفيسبوك او تويتر علي الإطلاق. فقلت في نفسي الحمد لله الذي لم يريه ويسمعه سن قلمي الرصاص. آنذاك.

وللحق والتاريخ أقول، لم أري في حياتي رجلاً هاشاً باشاً من رجال الدين كالترابي بعد، رغم أن التواضع سمة في الشعب السوداني خاصةً أهل العلم ولدي منهم أصدقاء كثر بدرجات علمية عالية ومهمات عظيمة، إلا أن الترابي كان أول رجل دين متواضع ومتبسط ومريح.

خرجت من عند الدكتور الترابي ولم أخرج، فقد شغلني أياماً بعدها، شغلني إنسانياً ووجدانياً أكثر بعد لقائه ولن ينفك يشغلني حتي إشعار آخر.

وقد كتبت مطلع قصيدة بعد خروجي مباشرة من عند الدكتور، أخرجت فيها شحنات اللقاء الأولية.

إن الذي حير السودان حيرني

بين اليقين وبين الشك علّقني

قصدته ألتمس في علمه أمل

فكاد يقتلني من حيث يحييني

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr