Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا( 3-3)

المبحث الثالث.

abu usama almuallimهل ثم ما يُخيف من مآلات الأحداث، وكيف نتصور ذلك؟

نعم، ليس الأمر بالأرْيحيَّةِ آنفة الذكر التي ربما استرخي لها البعض، فاستغرق في تفاؤل مفرطٍ قد يؤدي إلى التهوين والاستخفاف بالخصوم دون قراءة واعية تُقدر الشؤون الإقليمية والدولية التي بعضها جزءٌ من إدارة صراعاتنا الإرترية بأبعادها الثقافية والإستراتيجية، وبعضها لم يُبدي نيته حتى تتبدى مآلات الأحداث، والجميع قد حسموا خيارهم الإستراتيجـي، فهم لذلك على اتصال بمن هم أولى بهم بغية ضمان تحقيق أهدافهم في محيط البحر الأحمر، وهناك في الشام حيث صراع الحضارات كما تعمل له الكنيسة الإيفانجليكية.

إن هذه الحقائق ما لم تُعطى حقها من الفهم الصحيح للتعامل معها بما ينبغي، فسوف تكون النتائج كارثية جدًا في حال ومستقبل إرتريا والمنطقة كلها، ولعل هذا يُعيد إلى أذهاننا تجربة الثورة الإرترية عندما لم يُحسن قادتها وحلفاؤها، القراءة الصحيحة لتصور المستقبل لِمَا كان قبلُ وما كان كائنٌ في زمنهم، فقد انتهت تلك التجربة الثورية العظيمة إلى واقع اليوم المؤلم، ولما كانت القراءة هكذا، فإني أتصور بعضًا مما يخيف على النحو التالي:

ليست التنظيمات الإرترية المعارضة لحزب الجبهة الشعبية الحاكم على تقارب واعدٍ بقراءتها في خفايا خلافاتها الفكرية والسياسية، بل نجدها على تناقضاتٍ خطيرةٍ في مسائل أبعادٍ ثقافيةٍ تتحكم على مطالبها السياسية لِمَا سيكون عليه مستقبل إرتريا، ومن أبرز خلافاتها الفكرية الخفية تجاه حزب الجبهة الشعبية: أن البعض يعتقد أن التقارب والتصالح مع حزب الجبهة الشعبية الحاكم، وأن إشراكه في التخطيط لمستقبل الوطن هو الأفضل، وذلك بالتأسيس على بعده الثقافي وإن لم يعلنه، وبعضها يعتقد إقصاؤه هو الأفضل، وذلك بالتأسيس على بعده الثقافي المعلن إلى حد الوضوح، وهؤلاء من تيارين، أحدهما وطنيٌّ يميل إلى الأمة العربية، والآخر إسلاميٌّ يُعطي واقع الصراع الثقافي الإرتري أولوية مقدرة، بالتأسيس على التجارب التي أثبتت بأن التعايش مع قوى الإقصاء الثقافي يُعدُّ فهمٌ سياسيٌّ مُتخلفٌ في مثل واقعنا بعد سبعة عقود كانت مليئة بكل معاني الإقصاء وما ترتب على ذلك من المآسي والمرارات، والتياران يجمعهما بعد اللغة العربية التي يعتبرانها، لغة المسلمين الثقافية والسياسية.

أما أبرز أوجه الخلافات بين قوى المعارضة الإرترية، فأهمها ما يلي:

-1إن قوى فصائل المعارضة الإرترية متفقة إجمالا على رفض نظام حكم حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة.

-2إن قوى فصائل المعارضة ألإرترية مختلفة ومرتابة في تصور تحقيق أو ضمان أبعادها الثقافية التي يرى كل فصيل وجوب تثبيتها في دستور دولة إرتريا ليُؤسس على ذلك منزلته بين المكون الوطني الذي يجب أن يَبْرُز جليًّا في مشهد إرتريا الثقافي والسياسي والاجتماعي، وبناءً عليه، يجب أن تُؤسس علاقات الدولة الإرترية مع دول الجوار ودول العالم.

-3إن أبرز وأقوى أبعاد الخلافات الثقافية بين فصائل قوى المعارضة الإرترية من بين عموم القوى الوطنية، في قوتين رئيستين، هما: الإسلام والنصرانية، وليس الخوف من ذات الإسلام والنصرانية لو ترك الأمر للإرتريين الذين تعايشوا بسلام مئين السنين، بيد أن إرتريا كغيرها ليست بدعًا من واقع هذا البعد الثقافي العالمي، فالخوف إذًا من تدخل قوى التآمر الإقليمي والدولي التي تعمل من أجل ضمان مصالحها الإستراتيجية دون النظر ما إن كانت إرتريا تتضرر من ذلك أم لا، كما حصل تحقيقًا في أربعينات القرن الماضي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية بتآمر دني مكشوف قادته أميركا وبريطانيا وإثيوبيا وإسرائيل، وقد كان من قبيل ما جاء عن الاستخبارات الأميركية في كتابي: (إرثٌ من الرماد واغتيال اقتصاد الأمم)، وبهذا التآمر مازال الشعب الإرتري يعاني منذ ذاك وحتى واقعه المعاصر.

-4يبدو أن تيار القوى العلمانية سوف يكون أقل شأوًا لقلة ناصريه من بين عامة الإرتريين، ولدى المسلمين خاصة بسبب إرثه السيئ لَمَّا كان هو المسؤول الأول لما يعانيه عامة الشعب الإرتري من بؤس حكم حزب الجبهة الشعبية، والمسلمين خاصة، ذلك بقراءة إرث النتائج العملية للقوى العلمانية في الثورة الإرترية بشهادة التـأريخ، تلك القوى العلمانية التي كانت قيادة تنظيمات جبهة التحرير الإرترية المصنفة لدى الغرب وكثير من الأنظمة العربية كونها ذات بعدٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ، بيد أن الحقيقة التي كشفت غلائلها أحداث التأريخ، أن القيادات العلمانية كانت تعمل لصالح تمكين الجبهة الشعبية حتى بلغ سدة حكم إرتريا وحده رافضًا مشاركتهم، هذا بصرف النظر عن سخافات اتهامهم بالعمالة بعلم أو بجهل، إذ العبرة بالنتائج.

-5يبدو أن تيَّاري المسلمين والنصارى سوف يكونا الأكثر والأبرز حضورًا في الساحة السياسية والفكرية، ويبدو أننا سوف نرى لكل منهما مؤيدين ومناصرين أقوياء من داخل الوطن ومن خارجه، بيد أن تيار النصارى لعله أن يكون الأفضل حظًا بما يحظى به في واقع اليوم من دعمٍ وإعداد بسبب حضور وظهور من مؤيديه في الساحة الإقليمية والدولية بقيادة أميركا مروِّجة واقع النظام العالمي الجديد التي تريد أن تختزل العالم كله في نمط ثقافتها الرأسمالية الإباحية المنحلة، بما دعا إلى ذلك منظريها كما في (نهاية التأريخ وخاتم البشر) لمؤلفه: (فرانسيس فوكوياما) الذي طالب بإسقاط كافة الحضارات البشرية القديمة الشرقية لفرض واقع الحضارة الأميركية بعد أن غدت أميركا بحق حكومة العالم بدون منازع عقب نهاية الحرب العالمية الباردة.

-6أما تيار المسلمين، فيبدو أنه سيعاني كثيرًا حتى يتكيف مع الواقع الحرج بسبب ضخامة تمالأ بعض القوى المحلية والإقليمية والدولية ضده، بينما نجده يتمتع بتأييد عظيم جدًا من قبل جماهير المسلمين من داخل الوطن ومن خارجه أيضًا، يضاف إلى ذلك وأنه دومًا في دفع عدوانٍ صائلٍ، ولهذا فالأمر المؤكد كما يبدوا أنه مع الزمن سوف يتمكن من حشد جيش عظيم لا يمكن أن يتصوره الخصوم والأعادي المتمالئين ضده، هذا مع انعدام أي قدرٍ من التأييد والدعم اللازمين من قبل أي قوى نظامية إقليمية ودولية، ذلك بسبب هيمنة أميركا على أنظمة العالم بعد إذ قد قررت حربًا عالمية ضد المسلمين في كل مكان خارج حدودها.

-7لعل هذه القراءة أن تقودنا إلى هواجس واقع تقسيم إرتريا على أساس البعد الثقافي الذي أقوى وأبرز هاماته المرتفعة يمثلها دومًا، بعدي الإثنية الثقافية الذي لا يفارق هاجسه القوم، بيد أن تصور معالمه في واقع اليوم، ليست بالضرورة أن تكون على أسس قواعد ما كان في مرحلة الانتقال من الاستعمار إلى نموذج سياسي لدولةٍ إرتريةٍ مستقلةٍ من بعد الحرب الثانية، ذلك لأن قواعد دعوة التجراي تجرينيا التي كانت أكثر تأثيرًا في الساحة الإرترية السياسية والاجتماعية والأمنية في تلك الفترة بما كانت تحظى به من تأييد إقليمي ودوليٍّ، قد انتهى مفهومها التقليدي في واقع اليوم، إذ قد أصبح عنصر التجراي الإثيوبي من أقوى وأهم فئات الحكم الإثيوبي ضمن سائر القوى الوطنية الإثيوبية، فلا يمكن أن نتصور عقلاً ومنطقًا لأن تختار أمة التجراي الانفصال عن إثيوبيا لترجع إلى واقع ضعف وبعثرة ومصير مجهول.

نعم، لا يمكن أن نتصور ذلك بوهم التحالف مع التجرينيا الإرتريين الذين هم أقل من أن تَعتمد عليهم أمة التجراي، فعموم الموارد الطبيعية لإقليم تجراي الإثيوبي في شمال إثيوبيا، وإقليم تجرينيا الإرتري في الجنوب، ليسا كافيين بالقدر المطلوب لإقامة دولة قومية عصرية، هذا ما لم يحسموا لأن يكونَ ميناء عصب الإرتري جزءًا من الديمغرافية الجديدة المُتشَوَفة، إما بالانضمام إلى إقليم دنكاليا بسكانه العفريين، أو بضم إقليم دنكاليا بسكانه العفريين إليهم، فإن هم استطاعوا تحقيق هذه الديمغرافية الجديدة بالتراضي على نموذج يتفقون عليه بينهم، عندئذِ لن يكن بوسعنا الاعتراض على ذلك، أما إن كان وصولهم إلى ميناء عصب الإرتري على جماجم العفريين غزوًا بقوة السلاح، فعندئذ لن يكن يسعنا أن نقف مكتوفي الأيدي.

-8رُبَّ سائلٍ يقول: لماذا رشحتُ إقليم دنكاليا الإرتري، لقد رشحتُ هذا الإقليم لكون سكانه غدوا يطالبون بالانفصال عن إرتريا بما جاء بيانه في كتابي: (إرتريا في قراءات سياسية) تحت عنوان: (مؤتمر المثلث العفري في بروكسل)، ويزداد الأمر تعقيدًا أكثر عند ما نعلم بأن الأقاليم الجنوبية الإرترية الثلاثة التي يقطنها نصارى إرتريا، ليست خالصة لهم، بل يسكنها معهم بالأصالة مسلمون، وأن نسبة هؤلاء المسلمين لا تقل عن %40، وأن غالبهم تربطه علاقة قوية مع سكان إقليم دنكاليا، وبهذا الحضورٌ يمثلون قوة كافية لخلق واقع معادلة سياسية وفكرية تترتب عليها أقوى القرارات السياسية لتقنين حقوق اجتماعية وفكرية للنموذج الثقافي الديمغرافي الجديدة، هذا بالإضافة إلى العفريين الإثيوبيين الذين يقرب تعدادهم السكاني من 4,000,000نسمة، وجميعهم يتصلون بدولة جيبوتي من جهة اللغة والدين والتأريخ.

-9أما المسلمون في الأقاليم الإرترية الستة التي تقع في الشرق، والوسط، والشمال، والغرب، والجنوب الغربي، فيتمتع أهلها بكثرة عدد السكان وسعة الأرض وتنوع المُناخ، وبناء على ذلك، يتنوع فيها الإنتاج الزراعي والحيواني، وأن بعض أقاليمها تمتد في شاطئ البحر الأحمر الغربي، بطولٍ يزيدُ عن ألف كم، من جيبوتي جنوبًا، وحتى السودان شمالاً، وفيه ثروات سمكية هائلة ومتنوعة لم تستغل بعدُ، هذا فضلاً عن أهمية هذه الأقاليم ضمن أهمية البحر الأحمر في البعد الإستراتيجي الأمني والسياسي والتجاري؛ ذلك لقربها من جزيرة العرب المعروفة بخصائصها ومواصفاتها الإقليمية والعالمية، ولقربها من إقليم الشام حيث صراع الحضارات وإسرائيل.

-10في أقاليم منخفضات إرتريا، ثَـمَّ ثروات معدنية وبترولية مسكوتٍ عنها اليوم عن عمدٍ، ولعل هذا السكوت المتزامن مع الحرب التي يشنها حزب الجبهة الشعبية ضد الشعب الإرتري عامة، وضد المسلمين خاصة، مقصود لذاتها حتى يتم تهيئة إرتريا لغير أهلها ضمن أبعاد القراءتين في: (7-6).

-11هذه القراءات تفيد عند التمعن فيها بتحكيم العقل، عدم قدرة أي قوة تتوهم إقصاء المسلمين عن الساحات الإرترية السياسية والاجتماعية، وإن هي عمدت إلى ذلك فلا يمكن أن تهنأ بإقامة دولة إرترية بدون المسلمين الإرتريين، هذا بصرف النظر عن مظاهر ضعف المسلمين المعاصر الذي كانت قيادات المسلمين هي السبب فيه، وليس ذات المسلمين للأسباب التي بسطتها في المجلدات الثلاثة-إرتريا والمأساة التأريخية-، فالمسلمون اليوم في مرحلة الترتيب والتكوين، تمامًا كما هو حال غيرهم في الوطن.

-12إن الأمر المؤكد، أن أي جهدٍ يبذله البعض مهما حظيَ بدعمٍ من قبل أي قوة لإقامة دولةٍ إرتريةٍ مُقصى المسلمون عن كافة ساحاتها الـفكرية والسياسية والاجـتماعية لن ينجح أبدًا، فقد جرت تلك المحاولات مرارًا بما جاء بيانه في أكثر من موضع بغرض تقرير المصير السياسي النهائي لإرتريا من طرف واحدٍ منذ أربعينات القرن الماضي، لكنها تحطمت في صخرة المسلمين الصلبة الثابتة، كما في قصة محاولة ضمها إلى إثيـوبيا بدعم إقليمي ودوليٍّ، أو تقسيمها بين إثيـوبيا والـسودان، ثم مؤامرة الإتحاد الفيدرالي الذي انتهى بإعلان ضم إرتريا إلى إثيوبيا بداية ستينات القرن الماضي بعد إذ نكثت إثيوبيا عن الاتفاق الفيدرالي بالتواطؤ مع ذات القوة المحلية والخارجية لإسقاط ميثاق الإتحاد الفيدرالي الصادر عن الأمم منظمة المتحدة، فقد قابل المسلمون كل تلك المؤامرات بما يناسبها من العمل السياسي حتى بلغنا إلى واقع اليوم الذي غدت فيه إرتريا دولة حرة مستقلة.

-11بيد أننا لا نعلم ما ستؤول إليه الأحوال في وطننا، فقد يجنح بنا هاجس تقسيم إرتريا على أساس ما جاء ذكره أعلاه، فلسنا متأكدين من عزم القوم، بقدر ما نشعر ونسمع الهمس به، فهذا الهاجس مع ضيق مساحته الفكرية والسياسية، لا نضمن عدم إصرار وإسرار القوم عليه بناء على القراءات آنفة الذكر التي هي أقرب إلى وهمٍ سياسيٍّ منها إلى مطلبٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ، ولكن ماذا لو أصر القوم على تفعيل هذا الهاجس على أرض الواقع؟

-12إذا ما أصر القوم على تفعيل هذا الهاجس، يبدو أن الخاسر الأول والأوحد سيكون أهل الجنوب النصارى لجملة الحقائق المذكورة والتالية، فلا هم سيتمكنون من إقامة دولة مستقلة خاصة بالتجرينيا، ولا التجراي يرضون بذلك ليرجعوا إلى الخلف فيسقطوا في حمأة فكر متخلف من بعد عز حقيقيٍّ قد حققوه بجدارة بعد مئين السنين، وأما اختيار الانضمام إلى إثيوبيا فيعني الذوبان في بوتقتها، وأما وهم الإتحاد مع إقليم دنكاليا العفري، أو ضمه إليهم بقوة السلاح من أجل التقوى بميناء عصب، فهو أسوأ وهم سياسيٍّ، ليس إذًا أمام الجميع إلا صناعة واقع تعايش سلمي للعيش في وطن واحدٍ جامع، لا فضل ولا منة فيه لأحد على أحد، بل الجميع فيه شركاء عزيزين مكرمين، لاسيما أن الوطن يسع الجميع أرضًا وثروةً.

-13يبدو أن كنانة المخطط السياسي الدولي لهذه المنطقة، يُخبئ احتمالُ مفاجآت خطيرة لإحداث ربكٍ بخلط أوراق المنطقة من أجل إيجاد ديمغرافيات جديدة برايات جديدة مصطنعة، وهو احتمال قد عشناه في مؤتمر المعارضة عام 2011في مدينة أواسا الإثيوبية، وكيف أن إثيوبيا كانت تتعامل مع فصيل أبناء العفر استثناء من بين المؤتمرين، ثم كان المؤتمر الجامع لأبناء العفر في بروكسل بحضور نائب الإتحاد الأوربي وغيرها من الشخصيات الغربية كما جاء بيانه مفصلة في فصل كامل في كتاب: (إرتريا في قراءات سياسية)، بيد أني لم أرى الحديث عن هذه الأبعاد، فكل من قرأتُ له عن هذا الحدث قد اكتفى بنقل الخبر لظاهرة اللقاء السياسي الذي جمع المثلث العفري-عفر إرتريا وإثيوبيا وجيبوتي-، وحسبي أني وضعت كل الاحتمالات الواردة في هذا الشأن.

-14ليس من المنطق السليم أبدًا أن تصور أن ما قد يجري بين جنوب إرتري وشمال إثيوبيا، أنه لا يجري بين كل إرتريا وشرق السودان، إذا ما تحقق احتمال انفصال الجنوب الإرتري، سواء بالانضمام إلى إثيوبيا، أو بالإتحاد مع إقليم دنكاليا على هيئة ما، أو بإقامة دولة قومية، فمن المفاجآت السياسية، إنني لا استبعد وقوع أحداث سياسية بين شرق السودان وإرتريا، ولكن ما هو التصور الطبيعي المستند على حقائق علمية ووقائع تأريخية واجتماعية موثقة، هذا ما سأخوضه في الصفحات التالية-بإذن الله-، لذا آمل من الجميع الحلم وسعة الصدر، سواء من جهة الإرتريين والسودانيين خاصة، أو من جهة المثقفين العرب وأحزابهم السياسية العلمانية والإسلامية.

-15لنعلم سلفًا أن وقوع الخلاف في القراءات الفكرية خاصة، أمرٌ طبيعيٌّ وظاهرة صحية، لذا يجب أن لا نقرأ ما يقدمه أحدنا اليوم لتأريخ غدنا، بتأسيسه على قواعد علمية ومعرفية من زاوية نظر علاقة التواد والتضاد بين الأشخاص، فنقبله بناء على أن الكاتب كونه من القرابة أو الجماعة، أو نرفضه بناء على أن الكاتب كونه من القرابة أو جماعة، فإن كل الذين يُجرون مثل هذه المحاكمات، لا أشك أنهم ساقطي الفكر، ليست الساحة الإرترية والعربية في حاجة إلى أقلامهم القذرة المتخلفة عن الركب الحضاري لسوء قراءتهم للأحداث.

-16إن التصور الطبيعي المستند على حقائق علمية ووقائع تأريخية واجتماعية موثقة قد فرغت من دراستها البحثية قبل عقد ونصف في كتابي الذي تكرر ذكره، ومن هناك سوف ألخص المادة- بإذن الله-، في غير إسهاب ممل، ولا اختصار مخل، فإلى قراءة الملخص.

جاء في الجزء الأول من إرتريا والمأساة التأريخية أثناء الحديث عن طبيعة ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين السودان وإرتريا تحت عنوان: (السودان وإرتريا خلال نصف قرن)، وبعد كلام في هذا الشأن، تفرع عنوان آخر هو: (أخطاء إستراتيجية بحسابات بدائية)، جاء فيه ما ملخصه:

لقد ربط السودان الرسمي استقلال إرتريا بمطالب شعـبه في الجنوب الذي ما فـتئ يطالب المركزية بحقـوق المواطنة في السيادة والحكم والثروة والتعليم والصحة، وهو الأمر الذي حقـقه الجنوبيون بعد مرور أكثر من خمسة عقود داميةٍ استقرت بعدها سفينة السودان بإقرار انفصال الجنوب بالـتراضي، وقبل الوصول إلى هذه النتيجة الراقية، كانت إثيوبيا تؤيد جنوب السودان على الدوام بإصرارٍ مقايِضةً السودان أمنه القومي بالقضية الإرترية، وكانت عقيدة مقايضة السودان بمصير شعبه الجنوبي لصالح الشماليين، في مقابل إقصاء المسلمين الإرتريين عن وطنهم أو حتى فنائهم من أوضح مسالك الساسة السودانيين الذين ضادوا استقلال إرتريا من أجل تحقيق أطماع إثيوبيا بالوصول إلى البحر الأحمر، ولم أعلم أجهل وأحمق فكرًا منه في مثله لما لم يُجهد السودان نفسه لدراسة المخاطر المترتبة على تبنيه لإستراتيجية المقايضة المجحفة تلك، متجاهلاً كون حكومات السودان الشمالية أقرب إلى الإرتريين ما دامت الحسابات بما جاء ذكر طرفه في الصفحات السالفة.

نعم، لستُ أتحدثُ فيما كان فحسب، بل وفيما هو كائنٌ وفيما سيكون، فالمعلوم أن السودان لم يكلف نفسه لدراسة المخاطر المترتبة على تبنيه لإستراتيجية مقايضة القضية الإرترية بمطالب شعبه الجنوبي في السابق، ومقايضته اليوم مطالب حزب الجبهة الشعبية بمصير المسلمين الذين يتم إقصاؤهم عن وطنهم، هذا في الوقت الذي يمثل فيه الإرتريون النسبة الأعلى من سكان شرقه حتى البحر الأحمر، سواء من المتسودنين منهم أو غير المتسودنين، فالمعلوم قطعًا أن الجميع مرتبطٌ بأصولهم الإرترية حتى لو عملوا في مؤسساته السيادية السياسية والعسكرية والمدنية.

ليس ذاك فحسب، فثم وجود الإرتريين الهائل في معسكرات اللاجئين في عموم شرق السودان، وهو الوجود الذي لم تقدره السلطات السودانية التقدير الصحيح، فهي اليوم قد أخذت تجنسهم في معسكرات لجوئهم بقرار مركزي مؤسس على بعدٍ أمنيٍّ وسياسيٍّ لصالح الشماليـيـن لحاجتها إليهم من أجل إحداث موازنة سياسية وعددية بمرغماتية الهدف، ولو أن السودان أمعن النظر وفكر في البعد الإستراتيجي، لعمل أنه إنما يضعفنا لصالح خصمٍ مشتركٍ، وأن هؤلاء الذين غدا يمنحهم جنسيته اليوم، سيكون لهم غدًا صوت أعلى كونهم أهل حق ضده عندما يصل الجميع إلى مرحلة تقرير مصيره إذا ما دخلت المنطقة في صراعٍ ما كما أتصوره، ومن ممارساته البرغماتية:

1- اتخذ السودان الوجود الإرتري في بلاده عصًا يخوف بها تارة، ويبتزها أخرى، بذبحهم على عتبات صراعاته الداخلية التي تقع عادة بين أحزابه في ساحته السياسية المطربة دومًا دون وازعٍ، وقد تجلت صور تلك المآسي في المداهمات والاعتقالات والإبعاد التعسفي الذي لا نرى حاجة لضرب أمثلة حوادثه لكثرتها وشيوعها وبشاعتها.

2- كان السودان وما زال يتخذ القضية الإرترية دومًا كرت رهان في المزاد السياسي والأمني فيقايض بهم أعداءهم، فتارة يسمح لهم بممارسة النشاط السياسي ابتزازًا لهم، وأخرى يمنعهم وفاءً، بل قد تجاوز من قبلُ حد المنع إلى سجن القيادات والكوادر وتسليم بعضهم إلى إثيوبيا لتقدمهم إلى حبال مشانقها أمام شعبهم، أو لتغيبهم في سجونها، وكذلك يفعلُون اليوم مع الجبهة الشعبية.

3- اتخذ السودان الوجود الإرتري كبش فداء كلما تأزمت تناقضاته المتصلة بقوى خارجية يتورط فيها بعض ساسته وعسكرييه وأجهزة استخباراته كما حصل في عهد الرئيس جعفر النميري من خلافات بين السودان وليبيا، فاختلقت استخباراته أقبح بهتان ضد الشعب الإرتري مدعيَّة تورطه في تآمر ضد السودان مع ليبيا لقلب نظام الرئيس المظفر جعفر النميري، وقد كان ذلك البهتان الأحمق، الأبشع والأسوأ من أحداث عام 1976.

نعم، لقد أخرجت أجهزة استخباراته لتسويق هذا البهتان سيناريوهات ادعت فيها تورط الإرتريين ارتزاقًا لصالح ليبيا ضدهم، وأذاعت ذلك رسميًّا في وسائل إعلامها المقروءة والمسموعة والمشاهدة في آن واحد، وبناءً على ذلك نالت بعض أجهزتها شر مما يناله عدو من عدو محارب له، وهو ما يصعب إعادة ذكر تفاصيله، وإمعانًا في الغواية والتضليل فقد أظهرت وسائل إعلامهم في شاشات تلفازها من ادعت أنهم أبطال المؤامرة المزعومين، وهما شابان إرتريان كانا عائدين إلى الخرطوم من مناسبة زواج لقريب أو صديق لهما في مدينة ود مدني، والـشابان المتهـمان هـما: أبوبكر إسماعيل، وهو يعيش حليًا في السويد حسب علمي، وزميله أحمد سيرا، حتى فوجئنا بهما هكذا في مشهد صور أبشع مأساة الشعب الإرتري في السودان الشقيق؟!

4- كان السودان يشنُّ غارات مباغتة أحيانًا ضد مؤسسات الشعب الإرتري ممثلة في تنظيماتهم، ومن تلك المآسي ما كان من غاراتٍ على مؤسسات فصائل الثورة الإرترية السياسية والجماهيرية، ثم مصادرة أو إتلاف ما فيها.

5- ومن تلك المآسي ما كان من مداهماتٍ على المنازل العائلية وانتهاك حرمتها ليلا أو نهارًا.

6- ومن تلك المآسي، حملات ترحيل الأسر الإرترية العـزل إلى مجهول بعد أن يتم حشرها في صناديق سيارات نقل البضائع التي كُـنَّا نشاهدها وقلوبنا تُعْتَصَرُ ثم تقطرُ دمًا لحال التعذيب النفسي والجسدي الذي كان ينطق به واقع الأمهات والآباء مكلومي القلوب ومجروحي النـفوس، وهم أشبه حالاً في تلك الشاحنات بقطعان ماشية معـدة للترحيل إلى الموانئ استعدادًا لتصديرها إلى المذابح، وقد أُلْبِسُوا على صهواتها كل معاني الهوان والذل والضيم والاعتداء والخزي وخيبة الأمل البادي كله في نظراتهم التي يقرأها الأمي سليم الفطرة قبل المتعلم، فالوجوه الشاحبة مطرقةٌ إلى الأرض، والشفاه الجافة المشققة تتمتم همسًا، والدموع المترقرقة في مآقي الجميع شحيح تسترحم الذئاب، والأنفاس متقطعة تستنجد مجهولاً، وكأن جميعهم في حالة قرقرة قبل الممات، والحديث ليس إلا استرجاعًا وحوقلةً، والأذهان شاردةٌ لهول المصاب دون رحمة، والعـقول حائرةٌ لشدة قسوة الناس مع براءة ساحتهم، وقلوب الرجال تخفق لتصور سوء مصير ذراريهم بعد أن سُلبوا رجولتهم.

7- ومن المآسي، مصادرات متكررة للعتاد العسكري الخاص بالشعب الإرتري، وقد كان من آخرها سلاح أُهدِيَ لحركة الجهاد الإسلامي الإرتري لتجهيز 5,000جندي بمضادات الطيران والمدفعيات الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، والرشاشات الميدانية والقطع الفردية، كلها مع كامل ذخيرتها المتنوعة، وقد كان ذلك في عام 1991، بيد أن السلطات السودانية قد صادرتها دون تعويض كغيرها.

8- ومن المآسي، ما كان من اختفاء متكرر لأطنان كبيرة من المواد الغذائية والعلاجية والكسائية التي كانت تجود بها منظمة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأم المتحدة لصالح اللاجئين الإرتريين، إذ لم يصل منها إليهم إلا القليل وهم في أمس الحاجة إليها.

9- ومن المآسي، اعتقالات متكررة لقيادات وكوادر الثورة الإرترية وزجهم في سجون ومعتقلات دون سبب وجيه، والدليل أنهم يطلق سراحهم بعد حين تحت بند (معـلـيش)؟!

10- ومن المآسي، السكوت على اغتيالات قيادات وكوادر الثورة الإرترية من قبل الأعداء داخل المدن السودانية، ثم تسدل الستارة على قضاياهم تحت بند ( ؟ )؟!

11- ومن المآسي، بشاعة مظاهر التعذيب النفسي للاجئين الإرتريين وهم مصطفون في طوابير لأمر ذي بال ولغير ذي بال، والشرطة السودانية تحف بهم وهي تحمل عصي غليظة وسياط، ولستُ معترضًا على ذات الطوابير، بل على طول المكث فيها لساعات طويلة في الحر والقر دون مبرر ولا فائدة تعود إليهم ولا إلى السلطات السودانية.

-12أما أحوال معسكرات اللاجئين فكانت ومازالت الأسوأ بكثير، فواقعهم المعيشي والصحي والتعليمي في تلك المعسكرات كان كئيبًا ووحشيًا جدًا إلى حدٍ يصعب تصويره، فالأمم المتحدة كانت قد تبنت رعاية شؤون اللاجئين الإرتريين بالتنسيق مع السلطات السودانية التي تعهدت من جهتها لأن تقوم بنقل وتوزيع كل ما تجود به منظمة غوث وتشغيل اللاجئين، ولهذا فقد وفرت منظمة غوث وتشغيل اللاجئين للإرتريين ما يحقق لهم قوامة الحياة الكريمة التي تليق بالآدميين، وفتحت لذلك مكتبًا رئيسًا لها في الخرطوم، وأخرى فرعية، كلها تديرها المندوبية السامية لإغاثة وتشغيل اللاجئين.

لكل هذه الأسباب والاعتبارات، ظل الإرتريون يُخفون في أنفسهم ادعاء خطير وهم لا يفتؤون يرددون أبعاده في مجالسهم الخاصة في لحظات الغضب، كلما ضايقتهم القوات الأمنية التي كانت السلطات السودانية العليا تصدر أوامرها ضدهم، حتى بلغ الأمر ببعض الإرتريين التعبير عنها بصريح اللسان القائل:

" إن الحدود الإرترية أبعد عمقًا داخل السودان على اليابسة والبحر عما هي عليه اليوم "، وكانوا يقولون ذلك بصريح القول للتأكيد على أنهم في أرضهم، ذلك بالتزامن مع مزيد تأذيهم من السلطات السودانية لأتفه الأسباب، وهو ما صرح به أسياس في إحدى المقابلات عندما سئل عن اللاجئين في الذين في شرق السودان خاصة قال: " إنهم في أرضهم".

إن السلطات السودانية المتعاقبة على حكم البلاد، لم يغب عنها ما كان الإرتريون يخفونه من ادعاء بشأن الحدود السياسية الإرترية السودانية، لهذا فقد ظل السودان يرفض استقلال إرتريا مخافة أن يتولد عن استقلالها مطالبة السودان بالأرض التي يزعمون أنها لهم في شرقه من الجنوب الشرقي إلى البحر الأحمر في الشمال الشرقي إلى بعض العمق، وكان خوف السودان مؤسس على احتمالات ونظريات غير مقروءة، فماذا لو طالبت دولة إرتريا المستقلة بهذه المزاعم اليوم أو غدٍ، أليس ذلك سيُفضي إلى خلافات سياسية وعسكرية بين البلدين في منطقة البحر الأحمر الحدودية، وأن هذا سيقوي أي نزعة انفصالية لبعض شعب المهيأ لذلك مذ زمن.

أليست هذه القراءة توحي بوقوع أمر خطير وعظيم قد يهدد أمن السودان في القريب والبعيد، ذلك لأن أحداثه سوف تقع في إقليم البحر الأحمر الذي يتصل من خلاله بحركة التجارة العالمية، وأن هذا الاتصال يكسبه أهمية سياسية معتبرة ضمن حراسة أمن البحر الأحمر، وغير ذلك من الاعتبارات التي تعزز مكانة السودان الإقليمية والدولية في الموازنات السياسية والأمنية.

هنا قد يقول قائل، إذا لَمَّا كان الأمر كذلك فمن حق السودان حراسة مصالحه القومية بسد كل المنافذ والذرائع المؤدية إلى تعـريضها لخطر الـنيـل منها وإن كان احتمالا ضعـيفـا، وهـذا القول قد يبدو في الوهلة الأولى قويًّا ومنطقيًّا، لكنه في الحقيقة قولٌ ساذجٌ ومحض جدلي ينقصه بعدُ النظر بقراءة فقه الواقع، إذ ثمَّ حقائق واقعية مختلفة تستـند على أرضيات صلبة تخالف هذه النظرية القائمة على قراءة متخلفة، ومن الحقائق الواقعية التي كان على السودان قراءتها بأعمق، منها ما يلي:

1- إمَّا نظرية ماذا لو استقلت إرتريا فوقع ما يحذره السودان، وها هي إرتريا قد نالت استقلالها الوطني وبقي الخطر قائمًا بحسب مخاوف السودان؟

2- وإمَّا نظرية أن تُضَمْ إرتريا إلى إثيوبيا، فإثيوبيا أدهى وأمر، ولولا أنه ليس من ضمن مواد المادة لذكرتُ بعض أراض السودان التي ضمتها إثيوبيا إليها، ولم يستردها السودان منها بعد؟

-3ثم نظرية ثالثة لم يقل بها أحد صراحة، بيد أنها كامنةٌ في نفوس القوم، لكنها ليس لها مكانٌ في علم السياسة، لأنها نظرية مبنيَّةٌّ على تصور فقدان الذاكرة التي يعبر عنها بـ: ( النسيان )، بناءً على واقع التقادم، فيبدو بذلك للبعض وكأن أمة ما، تنسى حقوقها بسبب تقادم عهدها، وهذه النظرية لا يقول بها إلاَّ جاهل بعلم التأريخ، متوهمًا تحقق حصولها على أرض الواقع، فالأمم والشعوب الحية، عادةً لا تنسى قضاياها الكبرى إن كانت حقيقية ثابتة تؤيدها جملة من الأدلة والقرائن الثابتة الموثقة، وما في حكم هذه المعاني المعتبر والمقدرة في القوانين والأعراف المعمول بها قديمًا وحديثًا.

إذا أبدت أمة ما، ظاهرة النسيان لحق من حقوقها، فرب ضعفٍ قد اعتراها لسبب ما، في فترة ما، ثم يأتي زمن قوتها فتحي مطالبها القومية بعد فترة دعةٍ وسكونٍ وموادعةٍ كانت لظرفٍ ما عارضٍ، هذا بصرف النظر عن طبيعة ذلك الظرف؛ لهذا فالساسة والمفكـرون والكـتاب والباحثـون العـقلاء، لا يبنون أبدًا إستراتيجياتهم القومية على احتمالات بادية التهوك؛ لهذا كان على السودان بدلاً من أن يبني على تلك النظريات المتخلفة، أن يعتمد إعمال نظريات أخرى أكثر واقعية ونفعًا له في حاضر ومستقبل السودان، ولعل من أهمها وأنفعها نظريات ثلاثة، ثم له أن ينظر أيها أفضل نفعًا في واقعه، فيقدم الأرجح والأرجا للسودان له في العاجل والآجل.

ومن الحصافة والكياسة السياسية أن يساوم بكلتا أو بإحدى الأخريين مادام الأمر أمر سياسة تتحكم فيه مصالح ومكائد مجردة، لاسيما أنه كان وما زال يتخذ القضية الإرترية كرتُ رهان سياسي وأمني للتبرير أو المساومة، والنظريات الثلاثة التي كان عليه تقريرها ثم إعمال أيها أفضل نفعًا في واقعه هي:

النظرية الأولى:

كان على السودان إما أن يمنح الجنسية السودانية لكل مواطني تلك المنطقة ما دام المسوغ القانوني والأخلاقي متوفر بالتأسيس على الأصول المشتركة بين السكان، ثم يستوفيهم كامل حقوق المواطنة في كافة المجالات التي أهمها، التعليم والصحة والتنمية والاستثمار والوظائف المدنية والعسكرية والأمنية، ليُلبي بذلك جميع حاجاتهم، ويملأ شعورهم بالمواطنة الحقيقية التي أُولَى مقاصدها العظيمة، بسط العـدل والمساواة في الحقوق والواجبات للفرد والجماعة بين أبناء الوطن، وليست تلك السياسات الحمقاء والتطبيقات المجحفة بحق الأقاليم كما بينتها المعارضة فيما أسمته بـ:

 (الكتاب الأسود).

النظرية الثانية:

كان على السودان إن لم يمنح جنسيته للإرتـريين ثم يستـوفـيهم كامل الحقـوق المترتبة عـليها، أن يدفعهم بهم نحو تحقيق استقلالهم الوطني بإبرام اتفاقات تحقق له ضمان أمنه القومي مع جهة مظنة تَسلُّمِ استقلال إرتريا أو المشاركة فيه بفعالية حقيقية، ضابطًا اتفاقه تلك معها بعهود ومواثيق مشتركة مع إعلان ما يمكن إعلانه منها، وهنا يصبح من حق السودان أن اختيار الجهة التي يلزمه التعامل معها من بين الـتـنظيمات الإرترية.

النظرية الثالثة:

كان على السودان إن لم يمنح جنسيته كما قلنا بالاستناد على مسوغ قانوني وأخلاقي كالمذكور، بالإضافة إلى اعتبارات تخص السودان من قبيل ما اعتمده في السنوات الأخيرة من خطة تجنيس بعض الإرتريين وهم مازالوا في معسكرات لجوئهم، ولم يجد من يتفق معه من بين التنظيمات الإرترية كلها، كان عليه أن يصنع قوة فكريةً وسياسية وفق بعده الإستراتيجي من بين الحضور الإرتري الموزع في جغرافيته السياسية والاجتماعية، فيصنع من بينهم بعده الإستراتيجيِّ؛ بيد أننا ألفيناه مع الأسف الشديد دون هذا المستوى من التفكير الإستراتيجي، فكان السودان ممثلة في قياداته السياسية التي يغلب فيها عنصر الشماليين كالمنبت الذي لم يقطع أرضًا ولم يبقي ظهرًا.

وسواء أخذ السودان بالنظرية الأولى أو الثانية أو الثالثة، فثم الهدندو الذين لا يمكن أن يتجاهلهم سياسيو المنطقة، فضلا عن تجاوزهم، فهم من سكان الشرق الأصليين، وأنهم قوة سياسية معتبرة، وقد أسسوا في السنين الأخيرة واجهة سياسية اسمها: (جبهة الشرق) بدعم لوجستيٍّ من حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الإرتري، والأهم في قراءة واقع هذه القوة المحلية، أن الهدندو لم ولن يقفوا في صف حكومات السودان الشمالية، بل أن مصيرهم مرتبط بمصير سكان محيطهم الجمعي، سواء الذين هم ضمن دولة السودان أرضًا وجنسيةً، أو الإرتريين الذين في السودان أو في إرتريا، لهذا فهم ركنٌ أساس في صناعة المستقبل السياسي لهذا الإقليم، ضمن معاني النظريات الثلاثة بشروطهم ومطالبهم السياسية والاجتماعية التي لا تبتعد كثيرًا عن شروط غيرهم.

المبحث الرابع.

بهذه الدراسة البحثية المقتضبة لما جاء في مقال الأستاذ فتحي، اكتفي لأنتقل بكم إلى قراءة المباحث التي سوف تنقلنا من مناقشة ما جاء في مقال أستاذنا التي كانت دراستي البحثية لها من زاوية نظر تشخيص الأدواء، إلى قراءة المباحث التي تبحث عن الدواء، والأمر يحتاج إلى سعة صدرٍ وطول بال، ولن يتحقق هذا إلا باختيار عناوين واعية وواضحة وذات صلة مباشرة، ومن هذه العناوين بهذه المواصفات ما يلي:

ثم أزمات أراها تشرئب رؤوسها صوبنا.

فما هو التصور العلمي والعملي المشترك للنجاة من شؤم نُذُرها؟

إننا دعاة سلام من أجل تعايش سلمي بين مكوننا الوطني، وبينا وبين والمنظومة العالمية، فما هو التصور الذي علينا صناعة واقعه بيننا، وبيننا وبين دول العالم، خاصة في هذا الزمن الذي انفتح فيه العالم على بعضه بسرعة وقوة؟

وما الذي يلزم دول الجوار والعالم الآخر تجاهنا، بينما نحن في مرحلة انتقال من نظام شمولي استبد بالوطن جملة وتفصيلا، فقاد الوطن إلى واقع دمار وشتات وتمزق، وأنه لم يقبل التفاهم معه لتجنيب الوطن والإقليم ويـلات ما قـد يترتب على رفضه الـتـفاهـم مع شركائه، بل أنه لا يعترف بمن هم خارج الوطن من القوى السياسية بأنهم مواطنين إرتريين لهم الحق الكامل في وطنهم وإن منعهم حقوقهم الفكرية والسياسية؟

إن نظام حكم الجبهة الشعبية الشمولي المستبد، قد أصبحت أعماله ضد شعبه خلال العقدين والنيف، صكًا شرعيًّا وقانونيًا للثورة الشعبية ضده، فهو كسائر أنظمة الحكم الشمولية المستبدة التي تعمل من أجل البقاء والهيمنة الكاملة على الحكم بقبضة حديدية تمكنها من السيطرة التامة على الدولة وما حوت، من إنسان وثروات طبيعية، وإمعانًا في ذلك فهو قد اختزل الوطن كله في شخص أسياس أفورق، أو في شخص حزبه، ولما كان تحقق ذلك يحتاج منه إلى مظلة قانونية، فقد جند العامة مستغلا حبهم العظيم لوطنهم بما غدا يصوره لهم من تآمر إقليمي ودولي ضد هذا الوطن العظيم المحبوب، وأنه صور لهم أن بعض رجال المعارضة أصبحوا خونة ومرتزقة بما يدعيه ضدهم من تورط في عمالة مشينة ضد الوطن، وظل يهوِّل خيانتهم المزعومة كونها من أجل خدمة أعداء الوطن المتربصين به ليلا ونهارًا، وهو بهذه التهيئات الذهنية الذكية الغبية، وبهذا التمهيد فقد قضى على كثيرين من أبناء الوطن الأبرياء الشرفاء من مفكرين وسياسيين ومناضلين ومواطنين أبرياء من كافة طبقات الأمة الذين قتلهم غدرًا، أو غيبهم في سجونه التي هي من صنف المحكوم عليهم بالمؤبد دون ذكر الجرائم المُرتكبة، وبعضهم لفظهم معاقين.

ومن نجا مِن كل تلك الويلات، هم أولئك الذين شردهم مِن وطنهم باستمرار تهديدهم ووعيدهم والتضييق عليهم حتى أغض مضاجعهم، فنقص عليهم حياتهم، ومن وراء كل هؤلاء وأولئك ما أكثر الأسر التي مُزقت بعد تغييب أبنائها، سواء بقتلهم أو بسجنهم أو بإعاقتهم أو تشريدهم، فتبعثر أفراد الأسرة الواحدة، إما خوفًا من أن يدركهم ما حاق بأقاربهم، وإما بضياع الأفراد بالسقوط في مستنقعات الرذائل بسبب غياب ولي الأمر، وما أكثر الآباء والأقارب والأحباب الذين ملأت حياتهم آلام الحزن على ما مضى، والخوف من الآتي.

أما غالب الناشطين الذين خراج الوطن الرافضين لنظام حكم الجبهة الشعبية الشمولي، فيظل يلاحقهم كما هو حالهم في السودان الذي دأب يعتقلهم ثم سلمهم حينًا بعد حين لعدوهم، وهذا واقعٌ أصبح مألوفًا منذ عهد عبود وإلى اليوم، لكنه اليوم أسوأ وأنكى للأسباب التالية:

أولاً، إن نظام الحكم القائم في إرتريا ليس مستعمرًا غازيًا، بل هو من أبناء الوطن.

 ثانيًا، أن السودان دولة مجاورة بينها وبين الشعب الإرتري كثير من الروابط الإستراتيجية، فكل منهما يثمل للآخر بعدًا أمنيًّا واجتماعيًّا، وبين الشعب الإرتري إجمالاً، وبين سكان شرق السودان إجمالاً علاقات قرابة خاصة.

ثالثًا، إن الغالبية المطلقة من بين الفارين من نظام حزب الجبهة الشعبية، هم من فئة الشباب الرافضين لاتخاذهم سخرة في معسكرات التدريب العسكري التي لا حد لنهاية الخدمة فيها، فلصالح من يتعمد السودان تخريب العلاقة الإستراتيجية الطبيعية بينه وبين إرتريا ؟

لا غروا إذًا، إذ هذا هو الدأب الثابت للأنظمة الشمولية المستبدة، فهي دومًا تُمارس سياسة الاغتيالات والإسكاتُ والتهديد بالانتقام من الأقارب، وكشف ملفات سرية خاصة ربما كانت ملفقة أو تم استدراج البعض إلى ممارسة دنيئة، عندئذ فإنها يقايضهم بأمثالهم مع أمثالها هي، هذا في الوقت الذي وسائل إعلامها المُسيَّسَةِ لا تفتأ تردد على أسماع العامة، بأن هؤلاء الخونة المرتزقة، هم الذين يزعزعون أمن واستقرار وطننا بالتواطؤ مع الأعداء وهم في الخارج لجعلنا شعبًا فقيرًا ومتخلفًا؟!

بمثل هذه الفِعال تُشعل أنظمة الحكم الشمولي المستبدة حربًا شعواء بين المواطنين لفترة من الزمن بسبب صناعة واقع التحقن عند غياب الحقائق بتغييب المصلحين، بيد أن تلك الحرب الماكرة تنتهي بانكشاف غلائلها الزائفة، فتنقلب عليهم بعد أن يتكون لدى قيادات المجتمع واقع وعيٍ مشتركٍ خلاقٍ، وبهذا يتم صناعة واقع عملٍ منظَّمٍ بينهم في الداخل والخارج سواء، حينئذ فقط يتهاوى جبروت الحكم الشمولي، وهكذا فإن إرتريا ليست بدعًا من هذه القاعدة بعد إذ صنع حزب الجبهة الشعبية واقع التأزم القاتل بين بينه وبين الشعب الإرتري قاطبة، ولما لم يكن شعب إرتريا بدعًا من سنن الشعوب عندما تنقم على الاستبداد، فما حصل ويحصل لنا قد حصل لغيرنا من قبلُ، ولذلك بلغنا إلى هذه الدراسة البحثية لنبلغ ما قد بلغوا من تحقيق إسقاط الظلم وأهله، وبناء مجتمع الحرية والعدالة والأمن والاستقرار.

ليس أمام الشعب الإرتري إذًا إلى الحرب كما قلته أعلاه، فهذه هي الممارسات التي أدت وتؤدي دومًا إلى ثورات الشعوب ضد الأنظمة الشمولية المستبدة في الماضي والحاضر والمستقبل بسبب تراكمات المآسي المتزامنة مع تجدد الأجيال، بيد أنها حربٌ لا بد من أن تصاحبها أزمات خطيرة من داخل وخارج الوطن، وبلا أدنى شك، هذا ما يجب أن نتوقعه، فكيف نتصور طبيعة هذه الأزمات، وكيف نتصور الوقاية والتحصن مما قد يقع؟

جاء في مؤسسة أكاديمية بريطانيا اسمها: (الأكاديمية العربية البريطانية للتعليم العالي.

Arab British Academy for Higher Education)، ما يلي مع شيء من التصرف:

تقول: تنقسم الأزمات إلى شقين من أنواع التفاعلات، هما:

"الأول، التنبؤ والاستعداد لما قد لم يحدث.

الثاني، التعامل الفعال مع ما قد حدث بالفعل.

هناك حقيقة مفادها أن أي منظومة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ربحية أو غير ربحية أو خدمية، يعتمد الهرم القيادي فيها على مجموعات فرق عمل متخصصة للتعامل مع الأزمات، أي أنها تدير الأزمات...................الخ."

أي، إدارة تهديد أي خطر مفاجئ، وأحياناً نادر غير مفاجئ لأهداف وقيم ومعتقدات وممتلكات الأفراد أو المنظمات أو الدول والذي يحد من عملية اتخاذ القرار ويؤدي إلى توقف سير الأحداث و اضطراب العادات وفقد التوازن العام للمؤسسة، ويتطلب التدخل الفوري واستخدام أساليب إدارية مبتكرة وسريعة، أي أنها تعني اللحظة الحرجة أو نقطة التحول التي تؤثر على المصير الإداري للمنظمة وتهدد استمرارها، وربما وجودها، ويتطلب التصدي لها مهارة عالية لإدارتها ويرجع ذلك لعنصر المفاجأة."

وقال: "علم إدارة الأزمات:

هو علم إدارة التوازنات والتكيف مع المتغيرات المختلفة، وبحث آثارها في كافة المجالات، ومما سبق نرى أن إدارة الأزمات تنطوي على عدة عمليات مترابطة ومتكاملة، أهمها تحديد المخاطر المحتملة و التنبؤ بها، ثم إعداد الخطط التي سوف تُستخدم في مواجهة هذه المخاطر ومجابهتها وتقليل الخسائر المحتملة بأقصى درجة ممكنة، ثم تقييم القرارات والحلول الواقعية."

انتهى بتصرف.

ما هي إذًا الأزمات التي نتوقعها، وكيف نتصور حجم الخطر فيها؟

أولا، الأزمات المتوقعة بين الإرتريين أنفسهم.

الأزمات التي أتصورها بين الإرتريين، وحجم خطرها، لعل بعضها على النحو التالي:

-1معلوم أن التنظيمات الإرترية المعاصرة السياسية التي تعارض نظام حكم حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، تتكون من علمانيين ونصارى ومسلمين، أعني في بعدها الثقافي واضح المعالم بأسمائها وشعاراتها، ولعل هذا الواقع سوف يعقد التوافق الوطني بينها، فكيف نتصور علاج تأثير تباينها الثقافي؟

-2بناء على حقيقة التباين الثقافي، يبدو أن غالب التنظيمات الإرترية المعاصرة السياسية التي تعارض نظام حكم حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، سوف لن توافق على إقرار تصحيح الواقع الإرتري بإعمال آلة الحسم العسكري ضد حزب الجبهة الشعبية وإن كان اضطرارًا وليس اختيارًا، وفي هذا فإن للفريق أو الفرق الرافضة للحرب وجهة توليها، فكيف نتصور حل خلافاتها المتوقَعةِ؟

-3بناء على حقيقة التباين الثقافي، يبدو أن التنظيمات التي سوف توافق على تصحيح الواقع الإرتري بإعمال آلة الحسم العسكري، سوف تتوقف أمام مسائل خطيرة، من أهمها:

أ- بحث مشاركة حزب الجبهة الشعبية في الحكم مستقبلا، أو رفض مشاركته، وكيف نتصور ما سينتهي إليه هذا البحث الشائك، ومَن يكون الطرف الذي سوف يطالب بقبول ومشاركة حزب الجبهة الشعبية، وبما ذا يبرر مطالبة مشاركة حزب الجبهة الشعبية في الحكم مستقبلا، ومَن يكون الطرف الذي سوف يرفض مشاركة حـزب الجبهة الشعبية في الحكم مستقبلا، وبما ذا سيبرر أيضًا رفضه.

ب- في حالة تقديم السلامة للجميع بالتوافق بينهم، كيف نتصور شروط وضوابط القبول به مع استصحاب ما نتج عن حكمه؟

ت- مع استصحاب ما نتج عن فظائع حكم حزب الجبهة الشعبية، كيف نتصور محاكمة مجرميه الذين ارتكبوا جرائم وحشية بحق الشعب الإرتري كافة؟

ث- كيف نتصور بحث مصير الثروة الوطنية الهائلة التي استولى عليها حزب الجبهة الشعبية خلال مدة حكمه، إذا ما نجحت المعارضة على إسقاطه أو إجباره على التفاهم معها؟

ج- كيف نتصور بحث طبيعة نظام الحكم الذي سيعـقُبُ الحرب ضد حزب الجبهة الشعبية الحاكم إذا ما نجحت قوى المعارضة على قلعه أو إجباره لأن يجنح للسلم فيتم توافقه مع قوى المعارضة الوطنية.

ح- إذا ما تم إقصاؤه بقوة السلاح أو التوافق معه، هل نتصور إقرار دستور إرتري لنظام حكم ألا مركزي بإقامة حكومات إقليمية ذات صلاحيات واسعة كما تمت مناقشة مسودته في المؤتمر الذي عقدته قوى المعارضة الوطنية الإرترية عام2011في مدينة أواسى الإثيوبية، ذلك المقترح الدستوري الذي فاز بموافقة أربع ورش عمل مقابل ورشتي عمل معارضتين.

خ- إذا ما تم الاتفاق على نظام حكم ألا بموجب ما جاء ذكره أعلاه، فهل سيتكون البرلمان الوطني بتصعيدات من الحكومات الإقليمية، أم بتوافقات، وماذا تعني التصعيدات وماذا تعني الموقفان لهؤلاء ولهؤلاء؟

د- إذا ما تم الاتفاق على نظام حكم ألا مركزي، فما هي اللغة الرسمية لدولة إرتريا حديثة التجربة الديمقراطية، أي، هل سيتم التأكيد على أن لغتي التجرينيا والعربية هما اللغتان الرسميتان للدولة الإرترية، ثم من الناحية العملية التطبيقية على أرض الواقع، كيف نتصور إعمالهما في المؤسسات الرسمية للدولة الإرترية؟

ذ- إذا ما تم رفض نظام حكم ألا مركزي المتفق عليه بموجب مسودة دستور أواسى آنف الذكر في الفقرات أعلاه، فماذا يعني ذلك لهؤلاء ولهؤلاء، وما هو البديل الوطني؟

ر- هل من الممكن أن نتصور ثلاثة دساتير، أي، اثنان يمثلان الإثنية الثقافية اللاتي كانتا باعث الصراع الثقافي الخفي تارة، والظهار أخرى خلال العقود السبعة الخوالي بين من يريدون علو صوت لغة التجرينية، والذين يريدون علو صوت اللغة العربية بحسب الإرث السياسي الإرتري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حينه، وثالث للحكومة اللامركزية، وهل مثل هذا يُعدُّ تقنينًا إجرائيًّا وقائيًّا، وهل حصل مثله في المجتمعات المدنية المعاصرة، وإن كان قد حصل، فكيف كانت نتائجه، وهل يُعدُّ سابقة إيجابية وأنه يناسب واقعنا الإرتري؟

ز- هل نتصور أن يتم الاتفاق على أن اللغة العربية ولغة التجرينية هما لغتا الدولة الرسميتان في حدود الأقاليم التي ترغب العمل بأي منهما من أجل التوافق الجميل، على أن تكون لغة الدولة الرسمية في شؤون السياسية وسائر التعامل مع العالم الخارجي، اللغة الإنجليزية مثلا؟

س- بناءً على هذه المعاني بكل أبعادها قبولا أو رفضًا، كيف سيتم اكتساب عضوية الدولة الإرترية في المنظمات الإقليمية والعالمية ذات البعد الديني والثقافي الإسلامي والنصرانية، أعني:

من أي زاوية سوف يُنظر إلى عضوية دولة إرتريا قبولا أو رفضًا لها في منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدولة العربية مثلاً، وفي المؤسسات النصرانية ذات نفس البعد الديني والسياسي أيضًا؟

ش- هل من الممكن أن نتصور أن تكون إرتريا معزولة عن المؤسسات العالمية والإقليمية ذات البعد الديني الإسلامي والنصرانية بحجة التوافق؟

ص- هل من الممكن أن نتصور عدم الاتفاق على هذه التساؤلات أو جلها أن يكون سببًا دافعًا لأن يبلغ الخلاف بين الإثنية الثقافية الممثلة في بعد لغة التجرينيا التي تمثل نصارى إرتريا، وبعد اللغة العربية التي تمثل مسلمي إرتريا، أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية قد تنتهي إلى المطالبة بتقسيم الدولة الإرترية بين الإثنيتين المؤسستين سلفًا على حقيقة إرث طبيعة الصراع الثقافي الذي تم تفعيل قواعده من طرف واحد قبل ما يزيد عن سبعة عقود، فكانت حرب التحرير المدمرة خلال العقود الثلاثة التي سبقت الاستقلال، ثم معاناة الشعب الإرتري من تدمير شامل كانت أسوأ وأبشع صوره مثلها واقع اللاجئين الإرتريين منذ خمسة عقود مضافًا إليها مأساتهم خلال العقدين والنيف منذ الاستقلال وإلى حينه.

ض- هل هذه النهاية تعدُّ نتيجة طبيعية من نتائج الصراع الثقافي بين الإثنيتين إذا ما فشلت الأطراف الإرترية المعنية في تسوية الخلافات المتوقعة، هذا في الوقت الذي ربما تقاعست فيه دول ومنظمات العالم لأسباب لا نجهلها؟

لستُ متشائمًا كما ربما يقول البعض الذي لم يُحسن القراءة قبلُ، ولن يُحسن القراءة بعدُ، بل هذه بعض أهم تساؤلات المخاوف التي ربما سوف تُأزم المُناخ السياسي والاجتماعي بين الإرتريين إذا ما فشلت قوى المعارضة الوطنية الإرترية في تحقيق التوافق الذي سوف يقودنا إلى معاني التعايش السلمي الراقي، وبضد ذلك، إذا ما قررت ثم نفذت بعض قوى المعارضة الإرترية السياسية الوطنية، خيار الحرب ضد حزب الجبهة الشعبية من أجل معالجة الأزمة السياسية والأخلاقية التي صنع واقعها البئيس هو نفسه بمحض إرادته، عندئذ فسوف لن تكون قياد أمرنا في أيدينا، بل في أيدي غيرنا دون اختيارنا، فضلاً عن استشارتنا.

إنني آمل أن لا يُنظر إلى هـذا الحوار الفكري من زاوية النظر المتشائمة التي تنظر ولكنها لا تبصر، بل بعين العقـل من أجل الوصول إلى أفضل علاج لواقع بؤسنا المزمن، فمن المعلوم بالضرورة، أن الهروب من الواقع المريض بدلاً من معالجته بما يلزم لاستئصال علله المستعصية، لا يحول دون وقوعه أو التخفيف من أضراره، بل يزيده ويجعله أقوى وأكثر وأشمل مما كان عليه من قبلُ، حتى يأتي إلى ما كان قد بقي لنا من فضلٍ وفضيلةٍ.

إن هذا الخطاب الفكري السياسي، أوجهه إلى كل المكون الوطني الثقافي الإرتري في الشرق والغرب، وإني لأتمنى من الجميع التجاوب معه قبل فوات الأوان بالوصول إلى الأقوم والأفضل المانع، فإني اقترح لذلك عقد سمنار فكري بالتأسيس على هذا القدر من الوعي والوضوح والصراحة بتسمية الأشياء بأسمائها، لا أن نهرب إلى الأمام، أو ندفنا رؤوسنا في الرمال كما تتهم النعام بذلك.

إنني بهذه المناسبة أدعو كافة أهل وطني لتحكيم العقل قبل أن ينفرط العقد، ذلك لأن إرتريا قد غدت مذ زمنٍ بعيد تُهيأُ لغير أهلها، وهو الأمر الذي غدوتُ أتحدثتُ عنه باستمرار مذ عقدين كاملين دون كلل ولا مللٍ.

أيها الأهلون، إنني ابنكم الناصح لكم، فاسمعوا نصيحتي بهذه الوثيقة التأريخية التي سوف تبقيها قوانين التأريخ للناشئة بعز عزيز وبذل ذليل ضمن قراءة شاملة لمن كانوا في صالح دعوة التآلف بين المكون الوطني، ومن كانوا ضد ذلك، وهو الذي نقرأ أنموذجه التأريخي اليوم في بعض كتبنا التي منها كتابي الأستاذ ألـم سـقـد وكتاب لي يتضمن هذه المادة.

المبحث الخامس.

ثم أزمة الأمة في بعض مثقفيها من الأفراد والتنظيمات.

ليت شعري لو انتهت أزماتنا بين قوانا السياسية المتصارعة في مطالب سياسية واضحة.

بينما نجدنا في أحوال لا نُحسد عليها لِمَا أصاب وحدتنا من تمزيقٍ وشتاتٍ وتباعدٍ وتباغضٍ واضحٍ بلغت أزماته حد الاقتتال بيننا منذ عهد الثورة، وبذلك كنا السبب في إسقاط حقوقنا في وطننا، فأصبح زمام قيادنا قد تولاه الأعادي والخصوم، بينما مازلنا نسير في درب التيه الذي يشبه تيه بني إسرائيل في صحراء سيناء، إذ بعض أبنائنا الذين كنا نرجو منهم أن يضمدوا جراحتنا، إذا بهم يغمضوا خناجر مسمومة في أحشائنا حتى لفظت أقتابها وأقصابها، أي أنها طردت ما كانت قد ضمته وجمعته، فها نحن ذا نزداد تفرقًا بسوء فعالهم.

نعم، إن بعض نخبنا المثقفة والتي يقال عنها كذلك، بعضها من تيار الجماعات الإسلامية المعاصرة قد سقطُوا فيما يشبه حمأة موروث قبليٍّ أو صراع طبقيٍّ تجاوزه الـزمان، إذ ها هم يطنطنون بتفيقهٍ حول كلمات التجرى والشماقلى، وهي كلمات ذات بعـدٍ قبليٍّ غـير محمود، بل بعضهم حدد أسماء قبائل أو زعامات بعينها من قبيل قولهم: (بيت أسقدى ونتاب) بصريح المقال في الفضائيات وبالتسجيلات الصوتية، وهي دعوة أبعد ما يكون عنها الجيل الصاعد، إما لجهلهم بها، أو لأنهم استـنتنوها فزهدوا عنها لما علموا أنها من جهة دين الإسلام مصنفة كونها مراتع نتنٌ نهى عنها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حيث قال:-عليه الصلاة والسلم-:" ليس منّا من دعا إلى عصبية، أو من قاتل من أجل عصبية، أو من مات من أجل عصبية."

وقال- صلى الله عليه وسلم- محذراً من العصبية الجاهلية: "دعوها فإنها منتنة."

وقال- صلى الله عليه وسلم-: "من دعا إلى عصبية فكأنما عض على هن أبيه."

وقال-صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- "مَنْ دَعَا بِدَعْـوَى جَاهِلِيَّةٍ، فَإِنَّهُ مِنْ جُـثَا جَهَنَّمَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى؟! قَالَ: "نَعَمْ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، فَادْعُوا بِدَعْوَةِ اللَّهِ الَّتِي سَمَّاكُمُ اللَّهُ بِهَا: الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ. "أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

وهذا توجيه نبويٌّ ما ينبغي أن يتجاوزه كل امرئ مسلم آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ بن عبد الله النبي الهاشمي رسول الله وخاتم الـنبيـيـن والمرسلين-صل الله عليه وسلم-، فمن كان جاهلا لهذه الأحكام، علينا تنبيهه، ومن كان على علم بها لكنه وضعها وراء ظهره واتبع هواه، فمن حقه علينا نُصْححهُ، فإن قبل فذلك ما نريد، و إن استكبر فمفاصلته واجبة.

إن الدعوة القبلية من خصائصها، أنها ترقق أمر الدين، وتجعل هم الوطن تبعًا لهمها، وأنها تُحي فتنًا نائمة، وجملة هذه المثالب مدمرة للأمة في حاضرها ومستقبلها، خاصة في مثل حالنا الذي يتم فيه إقصاؤنا عن وطننا، ليخلو المُناخُ لصالح الذين غدوا يصنعون مشاهد مستقبله أثناء انشغالنا عنهم بنتن القبائل وما يسمى بـ: (لغة الأم)، هذا في الوقت الذي تم فيه استيعاب بعضنا في أعمال عبودية السخرة العسكرية في ساوى وغيرها، ومحاصرة بعضنا بوسائل تمكن عدوَّنا منا للتحكم علينا، ومن هذه الوسائل:

*- إخضاعنا لهيمنته بآفة تجويعنا من أجل إنزال معاني: مَن لا يملك قوته لا يملك قراره.

*- إخضاعنا لهيمنته بخلق واقع الرعب من زبانيته الذين يخطفون أفرادنا غدرًا من بيوتهم ومن حيث هم ليلا ونهارًا، ثم إنه ينكر أنه فعل ذلك.

*- إخضاعنا لهيمنته بكسره لشوكتنا بعد قصم ظهرنا باغتياله لبعض نشطائنا ومثقفينا.

*- إخضاعنا لهيمنته لتكميم أفواهنا بتغييب الكثير منا في سجونٍ لا نعلم عنهم منذ دخلوها.

*- إخضاعنا لهيمنته بإلهاء بعضنا بوسيلة الأغاني باللهجات القبلية، وكذا الفلكلور الشعبي.

إن هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها إلا في أبعاد معانِ تحقيق التطهير الثقافي والعرقي الذي فرغ القوم من التخطيط له سلفًا، فها هم اليوم يترجمون ما يرجون تحقيقه على الواقع، بينما يأتي الدكتور جلال مطنطنًا بدعوة قبلية لا تُصلح الأمة في أمر دينها ولا أمر دنياها، تلك الدعوة الصارفة عن أمهات مطالب الأمة في حاضرها ومستقبلها، بوهم تجميع القبائل للقيام بمواجهة مخطط التطهير الثقافي والعرقي، والحقيقة أنها دعوة في حكم السفال الذي يستقبل ما يسقط من رحى المبطلين، لا إذًا يلتفت إلى مثل هذه الدعوة، إلا جاهل بهذا الدين أو ضيق الأفـق السياسي، فكم هو مشتتٌ الدكتور جلال بهذه الأفكار الصارفة عن الأهم.

إن الدكتور جلال بهذه الفعال، وكأني به يخدم إستراتيجيات الأعادي التي من أبرز معالمها العملية المعلومة للجميع، تجرنة إرتريا لصالح لوبي اليوتوب النصراني الإرتري، هذا في الوقت الذي شغلنا فيه الأعادي بما جاء ذكره آنفًا، فبعض هؤلاء المثقفين كأني بهم ينوبون عنه بما يقدموه إلينا من سخافات فكرية مشتتة لوحدتنا لتمييع أهدافنا.

لست بهذا أتهمهم أحدًا بالعمالة كما كان بعضنا يقوله ضد البعضٍ الآخر بغرض الإسقاط السياسي والأخلاقي، بكيلهم تهم العمالة باسْتخراج المبطلين سيناريوهاتها الخصوم المفترية، وكيف أن الغوغاء والإمعات يتلقفونها دون وعيٍ، نعم، لستُ أتهم أحدًا بعينه، بل أقرأ الأحداث بمنهاج الاستقراء التحليلي الذي أفتخر به منذ وضعته لنفسي بغية حسن قراءة تتابع الأحداث بقراءة صانعها في بعده الفكري وموروثه الثقافي والتأريخي.

إذا كانت تلك بعض مآسينا من جهة بعض كوادر الحركة الإسلامية المعاصرة، فثم بعض نخبنا المثقفة أو التي يقال عنها كذلك من كوادر التيار الوطني، قد تيَّهتنا بين فلسفتي مذهبي المادية الرأسمالية والاشتراكية في فهمها للظواهر وقراءتها للأحداث، ذلك بالتأسيس على إرثها الثقافي الذي شكل فكرها في عهد الثورة الإرترية، فهؤلاء لم يسبروا بعد أغوار طبيعة وحقيقة منطلقات الصراعات التي تدور رحاها في ساحاتنا الوطنية، ولهذا ظل تفسيرهم للواقع حائرًا مرتبكًا لما لم يسعهم تجاوز حد النظر إلى الظواهر الماثلة أمامهم، لكونهم فاقدين آلية الحكم على أعمال الناس بقراءتها ضمن أصل البعد الثقافي والتأريخي لصانعيها، وهو بعدٌ تترجمه عادة أقوال وأعمال صانعي الحدث أنفسهم، مهما حاولوا التخفي والتنكر.

قال الله تبارك وتعالى:

{وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} الأعراف. 198

نعم، ليس كل من يرى وينظر أنه يبصر، فالرؤية والنظر ليسا إلا وظائف التعرف على أشكال وأشباح ظاهر الكائنات والأحداث المجردة عن قراءتها في أصل صانعها، أما البصر والتبصر فيعني فهم الكائنات والأحداث بسبر أغوار قراءتها في أصل صانعها، والمراد من صناعتها، وما ينتج عنها في القريب والبعيد، من هذا نعلم يقينًا أن الذين يقرؤون ليسو قليلين في الساحة، بيد أن الذين يحسنون القراءة، قليلين جدًّا جدًّا في الساحات كلها، وليس في إرتريا وحدها.

ليس إذًا ما تقوله الشعارات الجميلة التي ترفعها القوى السياسية والفكرية من خلال وسائل إعلامها الببغاوي، هو المعبر عن حقيقة واقع حياة الناس، وبهذا فالأستاذ فتحي عثمان بما جاء في مقاله الذي كان وراء هذه الدراسة البحثية المتواضعة، لم يُوفق لما لم يُحسن قراءة مقاصد الحرب التي يُجريها حزب الجبهة الشعبية ضد الشعب الإرتري عامة، والمسلمين خاصة.

نعم، لم يُحسن البتة مخاطبتنا عندما اعتقد أن الحرب التي يُجريها حزب الشعبية ضد الشعب الإرتري ليست حربًا دينية بحق المسلمين خاصة، لهذا فقد خالـفـتُـهُ في ذلك فـقـلتُ لـه، بلى، إنها حربٌ دينيةٌ بحق المسلمين خاصة، ولا أشُكُّ أنه يعتقد أني قد أخطأتُ صحة القراءة، بيد أنه لم يوفق ثالثة لما لم يقدم لنا القراءة الصحيحة، بل ظل متناقضًا، إذ قد فسر طبيعة الحرب التي يُمارسها حزب الجبهة الشعبية، ليست إلا من أجل الاستيلاء على السلطة والمال، ثم وجدناه أكد أن المَعنِيِّ بالحرب، هم المسلمون فقط، ومن أجل تبرير ذلك، فقد تعرض لمسائل الجهاد والعبادات في دين الإسلام، وهو قول ما كان ينبغي أن يتورط فيه لجهله به، ولعدم مناسبته للمقام، ولا أدري ما هي الرسالة التي من أجلها تعمد حصر الصراع بين حزب الجبهة الشعبية والمسلمين، دون سائر فئات المجتمع، وتعمد القول على الإسلام بغير علم؟

وإذا كانت تلك بعض مآسينا من جهة مثقفي كوادرنا الوطنية من أبناء الأمة، فليست بعض التنظيمات الوطنية العاملة بأحسن من هؤلاء وأولئك، فعند التأمل في كافة التنظيمات الوطنية، نجد أن أعظم ما يشغلها دومًا، هو تثبيت وتقوية كياناتها السياسية والعقدية مغلق العضوية، بصرف النظر عما تبديه كون عضويتها مفتوحة، ولهذا تجد هذه المؤسسات تهتم أكثر بسلامة وقوة خاصتها، أكثر من انشغالها بالهموم المشتركة مع بقية المكون السياسي والفكري للوطن، لهذا تظل غامضة، وأنها لا يمكن بأي حال أن تتنازل من أجل الصالح العام، فهي لذلك تعمل دومًا لإظهار كيانها السياسي ورموز قيادتها بمظهر الأقوى والأعلم؛ لهذا فهي تعمل من أجل تحقيق كسب أكبر قدر من المؤيدين بالتصويت والتصفيق، وكأنها تستعد لخوض معركة انتخابات تشريعية أو رئاسية أو بلدية، كل ذلك للفوز بأكثر المقاعد، كما لو كنا في عهد دولة مستقلة قد استقرت شؤونها السياسية والأمنية والغذائية والتعليمية، ذلك بعد دراستها وإجازتها لدستورها الوطني الذي يمثل كاف فئات المجتمع من خلال ممثليهم لتلبية مطالب الأمة كافة، بحسب أولوياتها.

الخاتمة.

تلك هي القراءة الضرورية تحققًّا، وليس التيه الذي أراده لنا أستاذنا فتحي عثمان لبحث طبيعة-توصيف- الحرب التي يُمارسها ضدنا حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، وليس التمرغ في حمأة نتن القبلية التي أرادها لنا أخانا الفاضل الدكتور جلال محمد صالح.

هذه هي بعض قراءاتنا لمعاناتنا من نخبنا المثقفة، أو التي يقال عنها كذلك كما هو شائع، وكذا من بعض تنظيماتنا الوطنية، هذا بينما نتعرض لحرب إزالة لذاتنا ولآثارنا من أرضنا من أجل إقامة حضارة التجرينية المزعومة.

القول الأخير في المقام:

إن قدر وعينا، وقدر قوتنا، وقدر عزمنا، وقدر حزمنا، وقدر جزمنا، لمعالجة أخطائنا، والمعوقات التي تقف أمام تحقيق أهدافنا، إنما تكمن في تمكننا من النهوض من بعد التعثر، ولكن بقراءة مختلفة تمام الاختلاف لقراءاتنا السابقة، هذه القراءات التي من أبرز معالمها:

 *- تحديد أولوياتنا الثابتة التي لا يمكن الحيدة عنها، فإما أن تتحقق، أو أن نموت دونها.

*- تحديد آليات تفعيل أهدافنا، فمنها الثابت ومنها المتغير.

*- تحديد أدوات تفعيل أهدافنا، فمنها الثابت ومنها المتغير.

*- تحديد وسائل تفعيلُ أهدافنا، فمنها الثابت ومنها المتغير.

*- يلزمنا إجراء حوارٍ بناءٍ من أجل الوصول إلى أفضل، وهو حور يحكمه الإرث التأريخي، وواقع الإثنية الثقافية المُكَوَّن منها الوطن، والمتغيرات السياسية والإستراتيجية التي تحكم الواقع الإقليمي والدولي.

بعض الملاحظات المهمة.

-1البحث تم نشره في موقعي فرجت وحفاش، لكن الذي نشر في صفحتي في الفيسبوك هو المعتد لما أجريته في الدراسة من إضافات وتعديلات.

-2هذه الدراسة قررت إضافتها فصلاً في كتابي الذي بعنوان: (إرتريا في قراءات سياسية)

-3هذه الدراسة سوف تنشر-بإذن الله-في بعض المجلات العالية الإسلامية.

-4لقاؤنا قريبًا-بإذن الله- في دراسة بحثية أخرى سوف يكون بعنوان: (أيدلوجية الهدم)، وهي الأيدلوجية التي أسسها المفكر الأميركي: (ليو شتراوس)، وهي التي يعمل بها المحافظون الجدد في القيادة السياسية الأميركية، وهي التي يعمل بها لوبي اليوتوب النصراني الإرتري الذي كان متخفيًّا دومًا خلف أكمة وتحت أجمة تنظيم الجبهة الشعبي لتحرير إرتريا من قبلُ، وحزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والدالة من بعدُ.

والحمد لله رب العالمين

أخوكم محمد أحمد إبراهيم المعلم، المشهور بـ: أبو أسامة المعلم

*- فيما يلي وسائل التواصل بي لمن يرغب ذلك:

Mobile: 00966-555731734

Skype: abu-usama-almualli

E.mail: This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr