Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا( 3-2)

القسم الثاني.

abu usama almuallimما العمل العلاجي والوقائي الذي يجب علينا القيام به.

كانت القراءات التي فرقنا منها للتو، قراءات ناقدة في بعدها الأدبي والسياسي لما جاء في بعضها مما كتبه الأستاذ فتحي عثمان، وهي دراسة بحثية المراد منها تشخيص الأدواء الحقيقية التي أصابت حياتنا السياسية والاجتماعية، فما العمل العلاجي والوقائي الذي يجب علينا القيام به؟

من الحماقة إذًا أن نشخص الأدواء ولا نبحث عن الدواء فنحدده ونسميه باسمه الصريح، وإنا إن لم نفعل كذلك، فنحن كمن ينكأ الجرح ثم يتركها مكشوفة لتتلوث بصنوف الجراثيم، ولهذا ليس بد من أن يتعلم كل كُتابِنَا هذه المعاني، فإن نحن نجحنا في معرفة الأدواء والدواء،

فمن يقومون بإعمال الدواء بالعمليات الجراحية المخـتـلفة بمخـتـلف مباضعهم ليسو قـليلين، بل جيوش من متخصصين ومتطوعين ومحتسبين، إذًا نحن بهذه المعاني نجدنا أمام مدرسة جديـدة في فـن الـدراسة والبحث العـلمي، وقد توصلت إلى هذه المدرسة من تجاربي الخاصة لما كانت جل كتاباتنا وأبحاثنا سردًا لحوادث التأريخ بدون قراءتها ضمن منهاج بحث علمي، وقد توصل إلى هذه المدرسة بتوفيق من الله أولاً وآخرًا، وإني لآمل أن تُدرج ضمن تطوير مدارس البحث العلمي.

بناء على الفكر آنفة الذكر أقول: إذا كان كل ما قراناه إلى الحد الذي فرقنا منه للتو تحت عنوان: (ملخص القول)، بيانٌ لواقع الحقائق الإرترية التي خضتها بمنهاج الاستقراء التحليلي حتى خلصت بموجبه إلى تأكيد ثوابت حقائق عدم استقرار الواقع الإرتري في الحاضر الذي سوف يقوم عليه المستقبل، ومدى تأثير ذلك في الأمن الإقليمي والدولي بسبب الرفض القاطع لحزب الجبهة الشعبية الحاكم لأي قدر من التفاهم بينه وبين قوى المعارضة الإرترية الوطنية السياسية التي تعمل ضده من جهة، وأن قوى المعارضة الـوطنية الإرترية السياسية تبدو أقل قدرًا في الرؤية العلمية والتخـطيط العملي، وهو ما تمخض عنه ضعف خطابها السياسي الموجه إلى ساحات الإرتريين ودول العالم كافة، فكيف نتصور معالجة هذا الواقع السياسي والأخلاقي والأمني المتردي من جهة أخرى؟

هذه هي الدروس التي سوف أثبتها ثم أوضحها في سلسلة المباحث التالية.

مباحث القسم الثاني.

ما العمل العلاجي والوقائي الذي يجب علينا القيام به

*- هل الحرب بين قوى المعارضة وحزب الجبهة الشعبية تكون مبررة لتصحيح مآل القضية؟

*- المبحث الثاني، مآلات قوى المعارضة وحزب الجبهة الشعبية الحاكم.

*- المبحث الثالث، هل ثم ما يُخيف من مآلات الأحداث، وكيف نتصور ذلك؟

*- المبحث الرابع، ما هو التصور العلمي العملي المشترك للخروج من نذر هذا الخطر؟

*- المبحث الخامس، ثم أزمة الأمة في بعض مثقفها من الأفراد والتنظيمات.

مـنـاقـشـة الـمـبـاحـث الـخـمـسـة.

هذه هي المباحث الرئيسة في هذه الدراسة البحثية، وإني سوف أجريها في سياق منتظم للفقرات المشار إليها، متدرجًا بها إلى المعاني المنصوص عليها في المباحث أعلاه تتابعًا، وأرجو الله أن أكون قد وُفقت إلى هذا العمل إذ لم أسلك الأنماط التقليدية في مثل هذه الأحوال التي هي على هيئة تقرير مالي إداري من صنف إرث الساحة الإرترية، ولست أعيب أحدًا، بل أرى أن إجراء غيره خيرًا منه، وبهذا ننتقل إلى قراءة المباحث تباعًا على النحو الآتي.

المبحث الأول.

هل الحرب بين قوى المعارضة وحزب الجبهة الشعبية تكون مبررة لتصحيح مآل القضية؟

1- يا ترى هل ستنتهي قضية إرتريا بتهيئتها لغير أهلها فستسدل الستارة عليها إلى الأبد؟

2- ماذا لو نهض الإرتريون نافضين عنهم غبار الذل فأخذوا بخيار الحرب لمعالجة واقع وطنهم المتردي؟

3- ماذا لو استقر رأي المعارضة أو بعضها إلى الأخذ بخيار الحرب، وما هي المبررات الموجبة لهذا لذلك؟

في هذه المناقشة سوف أقدمُ المواد في قراءة متداخلة صارفًا النظر عن تسلسل الترقيم أعلاه، وسيكون ذلك على هذا النحو التالي:

إن الأمر المؤكد، سوف لن تنتهي قصة إرتريا بتهيئتها لغير أهلها، ستُسدل بذلك الستارة عليها إلى الأبد، بل سينهض الإرتريون نافضين عن رؤوسهم الغبار، ليأخذون بخيار الحرب من أجل معالجة واقعهم المتردي، ولكن ما هو التبرير الذي سوف يؤسسون عليه خيار الحرب ضد حزب الجبهة الشعبية الحاكم؟

يبدو أن ما سيؤسس عليه الإرتريون خيار الحرب ضد حزب الجبهة الشعبية الحاكم ليس بقليل ولا بيسير، بل كثير وعظيم، نعم، كثير قد ملأ آفاق الساحة الإرترية، وعظيم أتى إلى كل خصائص المجتمع الإرتري عامة، والمسلمين منهم خاصة، ومن ذلك:

-1عندما تتمكن الأنظمة الشمولية من الوطن، فإنها تستخدم الإرهاب المنظم ضد شعوبها لاعتقادها أن ذلك أنجع وسيلة للحؤول ضد التحولات الاجتماعية نحو المدنية والديمقراطية التي تنشدها الأمم المسالمة، فتُعملُ لذلك في صفوف المواطنين خسيسة اغتيالات منظمة لأفراد وجماعات الأمة بعد الافتئات عليهم بأنهم مناوئين للنهضة الوطنية، وأنها تبث ذلك من خلال أبواقها الإعلامية التي تملكها أو تستأجرها لحرف مطالب ممثلي الأمة، خالقة ضدهم صور ذهنية مكذوبة مرئية ومسموعة بتقنية معاصرة تسمى: (الدبلجة)، وهي من أخطر وسائل الافتراء التي لا يدركها كثير من الناس، ومن أخطر ما تطنطن حوله، دعاية كونهم متآمرين ضد الوطن، ولتبرير ذلك تلصق تهمًا بالأحرار الناشطين، وبممثلي الأمة من أجل تشويههم لدى السذج والأعادي، لتهيئ مُناخ الحرب عليهم، وهو ما تفعله الجبهة الشعبية.

-2عندما تتمكن الأنظمة الشمولية المستبدة من حكم الأوطان، فإنها تبدأ بطرد كل من يخالفها إلى خارج وطنهم بتضييق الخناق عليهم، وهكذا فإن كل مَن يخالفها لا يعودون إلى وطنهم، بينما تحتفي بمن في خدمتها من الجواسيس والمرتزقة، وهذا هو ديدنُ حزب الجبهة الشعبية منذ نصب نفسه حاكمًا للوطن.

-3لقد انقطع الرجاء من حزب الجبهة الشعبية عن أمل أن يجنح إلى السلم من أجل صناعة واقع السلام في الوطن مع بقية المكون الوطني، حتى بلغ به الأمر إلى حد إنكار كون المعارضة السياسية الإرترية، واللاجئين الإرتريين ممن في السودان وغيره، أنهم إرتريون، وأن هؤلاء الذين يـُنكرُ كونهم إرتريـيـن، هم الأصل في المكون الوطني الإرتري، وأنهم هم الأغلب على الإطلاق ديمغرافيًّا، وأنهم هم أهل الفضل على الإطلاق في إقامة النضال الوطني الإرتري ممثلاً في جبهة التحرير الإرترية، وأنهم هم الذين علموا فضل قيمة الوطن، وأنهم هم الذين سبقوا غيرهم إلى ساحات الكفاح المسلح، فكان تبعًا لهم، ومع ذلك فقد أنكر هذه الحقائق، هذا في القوت الذي يقرب إليه قوات دمحيت الإثيوبية التجراوية.

-4إن إرتريا اليوم دولةٌ بلا دستور وطنيٍّ، وبلا بـرلمان وطنيٍّ، وبلا وزراء حـقيـقيـيـن، وبلا محاكم وطنية، وبلا اقتصاد وطنيٍّ، وبلا تعليمٍ وطنيٍّ، وبلا جيش وطنيٍّ غير مسيَّسٍ، وهكذا فإن إرتريا دولة يحكمها حزب غير شرعيٍ من زاوية نظر الفقه السياسي المؤسس على دستور وطنيٍّ، وبرلمان قوميٍّ.

لهذا فحكم حزب الجبهة الشعبية ليس قائمٍ على قواعد دستور وطنيٍّ تم اختياره بموجبه من قبل الأمة عبر مؤسساتها المدنية المستقلة، ليس إذًا إلاَّ نظام حكمٍ قهريٍّ جاثمٍ على صدر الوطن رغمًا عن المواطنين في هيئة استعمار إيطاليا وبريطانيا أو إثيوبيا، ولهذا فقد انقطع رجاء الأمل عنه لأن يجنح إلى السلم من أجل صناعة واقع السلام الوطني والتعايش السلمي.

5- إن اجتماع هذه المعاني بأبعادها الخطيرة، لَمِنْ أقوى مُوجبات تبرير المعارضة الوطنية الإرترية حال كون تقريرها للحرب ضده بسبب رفضه مشاركة أيٍّ من التنظيمات الوطنية حتى غير الإسلامية في إدارة الدولة الإرترية، هذا مع علم المعارضة بأن الحرب في كثير من الأحيان ليست خيارًا مستساغًا، بيد أن المشاهد والحقائق الصادمة، والتأزم الأمني والسياسي والاجتماعي الذي صنع واقعه، هو الذي جعل المعارضة ترفض تطبيقاته العملية السياسية والفكرية المترجمة بعمليات القمع والاستبداد، وإصراره على تجرنة إرتريا من أجل إظهار المشهد الوطني الإرتري الثقافي والسياسي والأخلاقي بالنصرانية، وهذا يهدد أمن وسلامة ووحدة الوطن في حاضره ومستقبله، لكونه اعتداء صريحٌ على حقوق المسلمين، وهو بهذا إنما يدفع الوطن إلى انفراط عقده الجمعي، فليس بدٌ من إيقاف هذا التدهور الخطير، وليس ذلك إلا بحرب فاصلة، إما لثَـنْيِهِ عن غيه، أو لإزالة الخطر بإزالته.

-6جملة هذه الحقائق المؤلمة قد يترتب عليها انفراط العقد الأمني الإقليمي الذي ربما أغْـرقَ دول القرن الإفريقي وأمن البحر الأحمر في مزيد من الصراعات الدامية بما هي مهيأة له سلفًا كما هو واقع اليوم المُشاهد، وهو واقعٌ تتحمله حكومات الجوار والمنظومة العالمية بمؤسساتها السياسية، وكذا منظماتها المتخصصة، فكل هؤلاء لهم نصيب كبيرٌ في المسؤولية السياسية والأدبية والأخلاقية عما يجري في إرتريا من مآس وويلات وانتهاكات لحقوق الإنسان المنصوص عليها، ذلك لأن هذا السكوت والإحجام الدولي، هو الذي شجع حزب الجبهة الشعبية للتمادي في غيه واستكباره، أما جعجعة التصريحات والمعالجات التي تصدر من هنا وهناك، فليست جادة لمعالجة الواقع الإرتري بإرغام حزب الجبهة الشعبية للقبول بالجادة والصواب من أجل نزع فتيل الحرب بينه وبين المختلفين معه، مع العلم أن ذلك ممكن لو صدق المجتمع الدولي من أجل إحلال قواعد الأمن والسلم في إرتريا، بغية خلق قواعد بسط الأمن والسلم الوطني، والتعايش السلمي بين المكون الوطني الإرتري.

7- نعم، إن هذا التخاذل أو التآمر الإقليمي والدولي، هو الذي غـذَّ إصرار حزب الجبهة الشعبية لصناعة واقع الحرب بينه وبين المختلفين معه، وهكذا لم يكن بدٌ من تفعيل موجبات الحرب التي صنع واقعها بينه وبين غالب فئات المجتمع المختلفة معه، ولعل فئات المجتمع الإرتري ستضطر إلى الحرب مع علمها بأنها مزيد من الدمار والشتات والتمزيق لتضاف إلى حرب التحرير التي دامت ثلاثة عقود عجاف أحرقت فيها إثيوبيا الرطب واليابس، وشردت المواطنين، بيد أن هذه الحرب تعتبر آلة قمع لاستبداد وغطرسة وغمط وانتهاكات حزب الجبهة الشعبية، ولهذا تأخذ حكم بتر أي عضوٍ مصاب بمرض السرطان من جسم الأمة من أجل سلامتها لَمَّا لم يكن بد من ذلك.

8- لقد بلغ السيل الزبى، إذ لم تُجدي المعالجات السياسية الراهنة في الواقع الإرتري من قبل المعارضة الإرترية الوطنية، ودول العالم ومؤسساته المتخصصة، ولهذا فقد ظل نظام حزب الجبهة الشعبية الحاكم يمضي في غيِّه إلى الأبعد ضد شعبه، معتمدًا أسوأ نمط حكمٍ تجلى في ممارسة إدارته للدولة الإرترية، وفي أفكاره السياسة المتخلفة عن واقع المجتمعات المدنية المعاصرة في زمن مشاعة العلم والمعرفة والعلاقات الدولية بوسائل التقنية المعاصرة والنظام العالمي الجديد، وهكذا بدا الشعب الإرتري يتقهقر إلى قرون ظلمات الجهل والأمية لاضطراره إلى أنماط المجتمعات القبلية بملأ فراغها بلهوٍ ورقصٍ، بدلاً من إعدادها بسلاح العلم والمعرفة من أجل النهوض لبناء حضارتها كما هو حال المجتمعات الأخرى.

-9هذه الحقائق لا يخطئها الناظر بعين العقل، إذ قد غدت ثابتًا من ثوابت فعال حزب الجبهة الشعبية المترجمة على أرض الواقع بتطبيقاته العملية، وأنها لذلك قد رسمت صورًا ذهنية خطيرة في عقل ونفس كل مواطن إرتري ضده، وأن هذه الصور الذهـنية الخـطيرة تقول بلسان حالها ومقالها، لا سبيل لمعالج الواقع الإرتري المتردي، إلا بالانحياز إلى خيار الحرب ضد نظام حزب الجبهة الشعبية، وليس ذلك تفضيلاً لذات الحرب، بل لأن كافة وسائل العلاج السياسية قد تحطَّمتْ في صخرة تبلد حسه مع علمه بها، لهذا تظل الحرب هي وحدها آلة قمع الاستبداد والغطرسة لكل الطغاة الذين لا يسعهم فهم لغة الحوار بعد إحالتهم كل الوطن إلى ضيعة مملوكة بما فيها؛ وأنهم لذلك يُسقطون كافة حقوق المواطنين، وهذا ما يقوله كل الطغاة بلسان فعالهم الأعلى صوتًا، وهو الترجمان الأوضح لمعنى ما نريكم إلا ما أرى.

-10لقد أصبح نظام حزب الجبهة الشعبية ثابتًا من ثوابت بؤس الواقع الإرتري الجمعي والسياسي المعاصر لما يحمله من خصائص ومميزات مرفوضة بالمعايير الوطنية والسياسية التي ضد حاضر ومستقبل الوطن، ذلك بشاهد ما ظل ينزله في ساحات الأمة من خطط بعثرة وتشرذم وتخلف أفراد الأمة، فها هو الشعب الإرتري يمثل اليوم لوحة الفقر والأمراض، والتيه، والجهل، والبؤس، والانفصام الفكري، بين كافة فئات المجتمع، ولدى ناشئته خاصة، وبهذا فقد ظهرت إرتريا كونها دولة مجتمع من العصر الغابر، لتتصل حلقات بؤسه بزمن مشقة النضال ضد إثيوبيا لخمسة عقود من أجل نيل استقلالها ليعيش بكرامة في وطنه كسائر شعوب العالم، وقد حقق فعلاً بجدارة استقلاله الوطني رغم معاناة كثيرة بتآمر إقليمي ودوليٍّ، وذلك ما سبب له وحشة مخيفة في أدربه بينما كان يسير نحو هدفه بما لديه من قلة الزاد.

-11إن نظام حكم حزب الجبهة الشعبية قد حطم آمال وأحلام الشعب الإرتري بعد إذ حقق لاستقلاله الوطني، وهذا ما يشهد به عقدي ونيف حكم حزب الجبهة الشعبية منذ الاستقلال، ولهذا قد أصبحا هذين العقدين والنيف من حكمه الأشد بـؤسًا، والأشد ظـلما، والأشد عـذابًا، والأشد حرمانًا، والأشد شقاءً، ذلك لما كان ظلم ذوي القرابة أشد مضادة بعد أن كانت الأمة تتشوف إلى أنجع وأقصر طرائق تحقيق الأمن والاستقرار والرفاهية الوطني وحسن الجوار، بيد أن الأمور انتكست رأسًا على عقبٍ، ليضطر أفراد الأمة إلى الهروب من وطنهم بحثًا عن ملاذ آمنٍ يُنجيهم من ويلات بطش وجحيم جبروت حكمه، فغدوا لذلك تُعرض جثثهم في مجازر تشريح البشر لتباع أطرافهم في أسواق إقليمية وعالمية يسعد بها الأثرياء، هذا والعالم لا يلتفتُ إلى هذه التجارة بينما يحارب بشدة تجارة المخدرات والسلاح والقرصنة وهو كاذب، وإضافة إلى هؤلاء، يموت آخرون بكثرة في البر والبحر، والعالم لا يُظهر اكتراثًا حقيقيًا بهم، وما أظهرته أوربا لم يكن إلا لما تضايقت بالناجين منهم الذين وصلوا إلى أوطانها أو كادوا، لكونهم مهاجرين غير شرعيين؟!

12- إن حزب الجبهة الشعبية الحاكم بهذه السياسات المجردة عن كل معاني الفضيلة وأخلاق الآدميين الراقية قديمًا وحديثًا، إنما ينفذ خططًا خفيةً ضمن ما يجري في القرن الإفريقي الكيني الصومالي الإثيوبي السوداني الإرتري، ويبدو أن ذلك من أجل أن تكتمل خطط الهيمنة على الجزيرة العربية والشمام، فهو إذًا إنما يهيئ إرتريا لغير أهلها لكونه حجرة شطرنج.

13- إن هذه الإجراءات المسكوت عنها بالمتواطئ بين المنظومات الإقليمية والدولية سوف تكون باهظة الثمن من جهة شعب إرتريا، ذلك لما لم يكن لشعب إرتريا ما يخسره، بل يُتوقع أن يحقق مكاسب عاجلة وآجلة، ولعل الخاسر الأكبر أن تكـون دول قرن إفريقيا المتواطئة، ومعها العالم العربي الذي كان أقل حضورًا بسبب غياب رؤيته الإستراتيجية الدائمة بشأن الأمن الإقليمي من جهة إرتريا في البحر الأحمر، ذلك منذ أن كان العرب يتعامل مع الشأن الإرتري إبان فترة الكفاح المسلح، ومن بعد الاستقلال، من خلال أجهزة استخباراته سيئة الصيت والنتائج التي لم تُفلح إلا في التجسس الخسيس ضد أقطارها العربية، ولهذا تم حل النزاع الإرتري الإثيوبي بعـيدًا عـن العرب فـيما عـرف بـ: (محـادثات محـادثات أتـلانتا)، أما العالم الغربي ليس إلا غازٍ من أجل دعم أبعاده الثقافية ومؤسساته السياسية والصناعية.

14- لستُ متجنيًا على أحد، فواقع النتائج التي على الأرض هي الشاهد الرباني الكوني الذي لا يمكن أن تتجاوزه عوالم الإنس والجان الذين هم عقلاء الأرض المكلفين، بيد أن ثم استثناء لموقف دولة الصومال التي تعاملت مع الثورة الإرترية بإستراتيجية محلية قصيرة النظر، أعني: لم يكن موقف سياد بري الإيجابي، مؤسسٍ على إستراتيجية فكرية ثقافية، أو أمنية إقليمية بعيدة المدى، بل كان من أجل الضغط على إثيوبيا التي اقتطعت لها بريطانيا جزءًا من أرض الصومال المعروفة اليوم بـ: (أوجادين)، وهكذا إذًا يُعيدُ التأريخ نفسه، إذ ها هو أسياس أفورق اليوم قد وقف مع حركة الشباب الصومالي الإسلامـية التي صُنفـت عالميًّا بالإرهابية، لم يتخذ إذًا أسياس هذا الموقف لنصرة مسلمي الصومال، بينما يُحارب المسلمين الإرتريين في وطنهم، فما ذلك إلا أداءً لمهام تم تكليفه بها ضمن ملف البحر الأحمر في عهد الدولة الإرترية بعد إسقاطهم لاتفاقاته مع التجراي في عهد الثورة.

15- إن تردي الفكر السياسي والأخلاقي لدى حزب الجبهة الشعبية، قد بدا واضحًا كونه ضد الشعب الإرتري عامة، وضد المسلمين خاصة، وأنه بهذا الصنيع السياسي البئيس المتردي، فقد قاد جماهير المسلمين الإرتريين خاصةً، إلى إعادة القراءة لأحداث التأريخ بمنهاج الاستقراء التحليلي كالذي بين أيدينا، وهو ما تمخض عنه اليوم صحة القراءة بتحديد طبيعة الصراع الجاري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حينه وإلى ما شاء الله، لا إلى ما دعا إليه الأستاذ فتحي لتوصيف الحرب التي يخوضها ضد الشعب عامة والمسلمين خاصة.

16- هكذا إذًا نجدنا أمام وعي تراكمي بقراءة واقعنا الوطني، وهو واقع يشبه أحوال آخرين من حيث طبيعة الأحداث، هي إذن ظاهرة كونية تحصل لكل الأمم والشعوب في أرجاء المعمورة لما كانت مدارس الطغاة والأحزاب الشمولية واحدةٌ ضد شعوبها، ومطالب الأمم والشعوب واحدةٌ في الحرية والاستقلال، وأن معاناتها وهمومها ورغباتها واحدةٌ أيضًا، أعني: إن المسلمين الذين قُهِروا في أوطانهم خلال النصف الأخير من القرن الماضي بسبب تسلط أحزاب شمولية تمت صناعتها ثم توظيفها لخدم إستراتيجيات قوى الاستعمار الغازية، تلك القوى ذات الإرث التأريـخي السيئ في مستعمراتها، إلاَّ أن المسلمين من بعد هذا القهر والقمع والتسلط، ها هم اليوم بدؤوا يُحدثون أقوى وأبرز وأشهر القراءات الثقافية والسياسية في واقعهم الجمعي بما أخذ يتجلى في بعض التجارب الرائدة التي من أنموذجها دولة تركيا التي أسقطت إلى الأبد نظام حكم العسكر الشمولي العميل، وإن ما يجري اليوم في العراق والشام والجزيرة العربية وشمال إفريقيا ومصر والسودان وإرتريا، ليس ببعيدٍ عن إحداث قراءات تأريخية جديدة بأبعاد ديمغرافية ورايات جديدة، فهي في حالة مخاضٍ حقيقيٍّ ليس بدًا من أن تضع مواليدها المزعجين لقوى الاستكبار عاجلاً أو آجلاً، ولكن كل أولئك بحسب واقعهم العلمي والثقافي والتأريخي، وبحسب محيط جمعهم الأمني المحلي والإقليمي والدولي، وبحسب قدراتهم المادية والفنية المتاحة، وبحسب اشتداد وتأزم الواقع السياسي والانحطاط الخلقي الذي أثار ويثير المسلمين من جهة الحكام المستبدين، هذا بصرف النظر عن طول وقصر ليالي المعارك المتوقعة بين الأضداد في الفكر والأهداف.

-17مهما يكن حجم المؤامرة، فلا بد من كلمة ناقدة للذات، أعني: إن هذه المشاهد الإرهابية المنظمة الماثلة أمامنا في كافة الميادين، مشاهد صادمة بحق، ومعلومٌ يقينًا أن المراد منها، إيقاف أو تأخير التحولات الجمعية الإيجابية التي تنشدها الأمم المدنية المسالمة التي إرتريا ليست بدعًا منها، بيد أن قوى الطغيان والاستبداد، ما كان لها أن تبلغ ما بلغته هنا وهناك ضد شعوبها لو لم تستمد قوة إذلالها لشعبها، إلاَّ من واقع الأمية الفكرية التي تتجلى عادة في تخلف قراءة الأمة لحقائق أحداث التأريخ المتصل ماضيها بحاضرها لتصور صناعة مستقبلها، وهذا التخلف معني به مظان المثقفين والمتعلمين، في صورة ألا وعيٍ بما جرى ويجري في ساحات الأمة من زاوية النظر العلمية والعملـية على أرض الواقع، ومن خـصائص هؤلاء، أن من يعلمون منهم لا يعملون، وإن عملوا لا يصبرون على تحمل الأذى والمشقة استحسارًا، لذلك سرعان ما تتسلل إليهم معاني السآمة والملل والفتور، وبعضهم يقعون في مخططات ومكائد الأعادي والخصوم، فهم ممن يتولَّ بعثرة القوى العاملة، والقوى الفكرية في صراعات عقيمة تتول شؤمها تكتلاتهم الحزبية والإقليمية والقبلية، وما في حكم هذا وذاك، وبهؤلاء وأولئك، إنما يصنع الأعادي واقع هزيمة ماحقة للأمة، فلن تلبث تلك الأمة طويلا حتى ترمي ما بأيديها من صنوف السلاح، خائرة خائبة، وهي لا تفتأ تكيل التهم ضد بعضها، ومن أمثلة ذلك، مخطط صناعة الأعادي لواقع هزيمة جبهة التحرير الإرترية، لكونها رمز النضال الوطني الأول، وإغراء بعضهم لأن يهرعوا إلى إرتريا فور دخول الجبهة الشعبية إلى أسمرا دون دراسة المستقبل لجهلهم بالماضي، وهناك تم القضاء عليهم على أي حال، ومن الأمثلة أيضًا صناعة واقع هزيمة حركة الجهاد الإسلامي الإرتري بين الإخوان المسلمين والسلفيين، ثم تسليطهم لبعضهم ضد بعضهم بتهم باطلة أولاً، ثم بالسجن والتعذيب والقتل ثانيًا.

-18كلمة أخيرة في هذا المبحث، إن استقلال إرتريا عن إثيوبيا قد تحقق بسكب دماء زكية عالية السقف خلال العقود الثلاثة التي كانت غاية في القسوة والمعاناة، بيد أن أبطال الثورة الإرترية صمدوا متحدين كل قوى التآمر من جهة، وخذلان البعض لهم من جهة أخرى؛ وهكذا فإن إقامة نظام حكم وطني يعمل بموجب دستور وطني كالذي قررناه في مدينة أواسى الإثيوبية عام2011م مثلاً، بما فيه من مواد دستورية قوية تضمن للجميع خصائصهم الثقافية والتأريخية الممثلة لكافة موروثهم الوطني، وكذا كافة حقوق ملكيتهم الثابتة في التأريخ الإرتري مذ مئين السنين.

إن نظام حكمٍ وطنيٍّ بهذه المواصفات، لا يمكن تحقيقه أبدًا إلا بقوة سلطة القانون الذي يبسط العدالة والأمن والتنمية والتعايش السلمي، وأن أبعاد معاني هذه الحقوق عالية السقف، لن تتحقق إلا بسكب دماء زكية عالية السقف أيضًا للخروج من واقع التأزم السياسي والفكري والاجتماعي الذي تعيشه إرتريا.

المبحث الثاني

مآلات قوى المعارضة وحزب الجبهة الشعبية الحاكم حال وقوع حربٍ بينهما.

-1إذا ما وقعت حرب بين قوى المعارضة الوطنية الإرترية السياسية أو بعضها من جهة، وبين حزب الجبهة الشعبية الحاكم من جهة أخرى، كيف نتصور خارطة المشهد داخل مكون حزب الجبهة الشعبية نفسه؟

-2إذا ما وقعت حرب بين قوى المعارضة الوطنية الإرترية السياسية أو بعضها من جهة، وبين حزب الجبهة الشعبية الحاكم من جهة أخرى، كيف نتصور المشهد داخل تنظيمات قوى المعارضة الوطنية الإرترية السياسية من حيث التوافق والاختلاف، ولم ذلك؟

-3إذا ما وقعت حرب بين قوى المعارضة الوطنية الإرترية السياسية أو بعضها من جهة، وبين حزب الجبهة الشعبية الحاكم من جهة أخرى، كيف نتصور مواقف دول الجوار ضد أو مع حزب الجبهة الشعبية الحاكم، وضد أو مع قوى المعارضة الوطنية الإرترية السياسية، ولم ذلك؟

لعل هذا المبحث أن يكون أكثر جدلاً بين القراء والباحثين، ليس بين الإرتريين فحسب، بل وبين كل من يعنيهم الأمر لأسباب قد نُـدرك بعضها من القراءة الأولى، وبعضها مما ستتحفنا به أقلام الكتاب من المحللين والباحثين والناقدين، وتلك ظاهرة صحية مطلوبة لذاتها، فكيف عندما نكون في حاجة حقيقية إليها بينما نستحثُّ الخطى للعثور عمن يعيننا في تقرير مصيرنا بحسب مقتضيات الضرورات الوطنية، خاصة إذا ما تحقق وقوع حربٍ بين كل أو بعض قوى المعارضة الإرترية من جهة، وبين حزب الجبهة الشعبية بمن معه من جهة، عندئذ فالمشهد المتوقع لطبيعة هذه الحرب، يبدو أنها أقرب إلى ما يجري اليوم في سوريا، والنتيجة المُتوَقعِ تحَقُـُقها في ساحة حزب الجبهة الشعبية هي:

إما إجباره للاسـتماع إلى صوت المعـارضة والجـلـوس معهـا في طاولة المـفـاوضات، أو إقصاءه عن الحكم بقوة السلاح، وعندئذ فالمتوقع منه إذا ما فُعِّل هذا الإجراء بالتأسيس على مكونه الفكري والإداري المؤلفٌ من كافة فئات المجتمع منذ فترة الكفاح المسلح وبعد الانتقال إلى دولة مستقلة، أنه سوف يرفض القبول بالسلم لمعالجة الأزمة التي صنع واقعها.

حينئذٍ، ربما غرقت البلاد في حربٍ طائفية مدمرة، ولست هذا القـول تشاؤمًا أو تهـويلاً، بل بالتأسيس على ما صنعه حزب الجبهة الشعبية من تيًّارٍ طائفيٍّ نصرانيٍّ يعمل ليل نهار من أجل تجرنة إرتريا بوضوح وقوة، وأنه قد اصطنع هذا التيار ليمثل قوته الخلفية الرادعة، وهو التيار الذي أسميتُهُ منذ بعيد: (لوبي اليوتوب النصراني)، ولم يكتفي حزب الجبهة الشعبية بلوبي اليوتوب النصراني الذي اصطنعه، بل أضاف إليه قوة دمحيت الإثيوبية التجراوية التي جاء ذكرها أعلاه بشيء من التفصيل.

نعم، لستُ بمهولٍ ولا غالٍ، فبين أيدينا أعمال لوبي اليوتوب النصراني التي تشهد عليه بالثابت منها على أرض الواقع بفعاله الدؤوبة بغية تغيير ما أمكنه من المعالم الدالة على أن المسلمين أصحاب حقٍ جمٍّ في الوطن، وهم أهل سبقٍ وفضلٍ فيه بأكثر مما لا يُحصى خلال العقود السبعة والنيف الخوالي، بينما هم أهل ظلمٍ واعتداء فيه بما لا يحصى خلال ذات العقود المتصلة بعهد حكم حزب الجبهة الشعبية، ومن أظهر وأقوى ما يقوم به لوبي اليوتوب النصراني اليوم على أرض الواقع من أجل إظهار إرتريا بمشهد النصرانية في بعدها الثقافي والاجتماعي والسياسي بغية إنهاء وجود المسلمين فيها بالقضاء على بعدهم الثقافي والفكري والاجتماعي بسياسة التطهير الثقافي الذي تقابل سياسة التطهير العرقي، لمن أقوى الأدلة الثابتة التي لا تستطيع أي قوة في الكون أن تحرفها أو تتجاوزها.

إذا كانت تلك أعماله الظاهرة الثابتة، فأما أعماله غير الظاهرة لغير الإرتريين فأبرزها، سياسة إفقاره لعامة أفراد الأمة للتحكم على زمام قيادهم بالتحكم على معاشهم فاختيارهم، وبسياسة تحويلهم إلى أشباه متسولين ومرتزقة بسبب واقع الفقر المدقع الذي صنع لهم واقعه، وبسياسة شغل أفرادهم عامة، والشباب ذكورًا وإناثًا خاصةٍ بأعمال سخرة في معسكرات مغلقة بحجة التدريب العسكريّ، وكأنهم في تلك المعسكرات قوى طابور خامس محكوم عليها بسجن مؤبد مع أعمال شاقة انتقامًا منها بحجة غدرهم بالوطن، وقد نتج عن جملة مآسي تطبيقاته العملية هروب جمعي من كافة المؤسسات، وأشهرها مؤسستين، هما:

-1وزارة الخارجية، إذ قد بلغ عدد موظفي السلك الدبلوماسي من سفراء وما دونهمُ الذين لجوا من سفارات الدولة الإرترية إلى دول العالم الحر، أعدادًا مخجلة ومخيفة في ظاهرة شاذة لم يحدث مثلها إلا في حرب ما يسمى بـ: (الحرب العالمية)

-2المؤسسة العسكرية، فقد هرب من كافة أجهزتها المتخصصة، ومن الجيش خاصة أعدادًا يصعب حصرها، وهي من كافة المستويات كما حصل لبعض جيوش الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان هذا واقعه في نينك المؤسستين، فأما بقية القوى الوطنية التي في داخل الوطن، سواء كانت ضمن أجهزة حزب الجبهة الشعبية، أو التي ليست من لوبي اليوتوب، ولا من قوات دمحيت التجراوية الإثيوبية، فسوف تنحاز حتمًا إلى صف المعارضة الوطنية وقوع حرب مفاصلة بينه وبين قوى المعارضة الوطنية، فقد علمتنا الحياة، إن كل من يرفض دعوة السلم الوطني، إنما يؤسس لواقع عنف ثوري ناقم يكون أكبر الخاسرين فيه هو.

ولما كانت هذه بعض الحقائق الثابتة بقراءة الواقع داخل الوطن، فالمتوقع أن حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة سوف ينهار بفعل انشقاقات شاملة في مؤسساته الخاصة، وفي المؤسسات الوطنية، بيد أن التيار النصراني الذي اصطنعه، يُسيطر على المال والأمن، وهذا يعني تعقيد طبيعة الخلاف بين قوى المعارضة وحزب الجبهة الشعبية، وربما طال بذلك زمن الصراع بين المتحاربين، وهذا الواقع سيرفع سقف التكاليف الوطنية التي ستأتي على ما بقى من البنية التحتية، وعلى أصل المكون الوطني، لاسيما أن قوة دمحيت التي تقدر بمئتي ألف (200,000)جندي مجهزين بأحدث سلاح، ليست إلا قوة رديفة لحزب الجبهة الشعبية، وهذا من جهته يعني متضاعفة الخطر الأمني والسياسي والاجتماعي لهذا البلد الذي ظل يُنكبُ دومًا من جهة التجرينيا منذ سبعة قعود متتالية.

والأمر لن يخلو من تواطؤ إقليمي ودولي، ولكن بذكاء يحول دون إدانتهم باتهام كونهم انتهكوا المعاهدات والمواثيق الدولية، لا بد إذًا أن يظهر في ساحة النزاع مَنْ قد قرروا سلفًا لأن يجعلوه كبش فداء عنهم في نهاية لعبتهم السياسية القذرة ضمن أحجار رقعة الشطرنج؛ بيد أن هذا يظل وجهٌ قراءتنا لقوة دمحيت ولوبي اليوتوب، أما الوجه الآخر فيختلفٌ كثيرًا، فإني أحسب أن قوة دمحيت سوف لن تخاطر بمستقبلها وسلامتها بالوقوف في صف لوبي يوتوب التجرينيا، وكأنها تنتحر في إرتريا دون مبررٍ مهما كانت الروابط الدينية والثقافية بين التجراي تجرينيا، ذلك لأن وقوف دمحيت في صف لوبي اليوتوب، يعدُّ ضد إرادة كافة القوى الوطنية والجمهور الإرتري الذي يُتوقع منه الثورة ضد حزب الجبهة الشعبية وكافة أجهزته وأدواته وآلياته القمعية المرعبة، ذلك طلبًا للحرية بينما ينتقم من الظلم وأهله.

هذه بعضٌ من الحقائق التي لا شك فيها، لاسيما أن قوات الكوماندوز الإثيوبية التي أنزلت في كافة ساحات الشعب الإرتري كل معاني وألوان الوبال في فترة الكفاح الوطني المسلح، كانت من إقليم تجراي بالتكامل والتضامن مع التجرينيا الإرتريين، وهي أحداث منحوتة في ذاكرة كبارنا وصغارنا مذ ذاك، وأن وجود دمحيت في إرتريا اليوم في صف لوبي اليوتوب النصراني يفسر بمقدمات إعادة الاحتلال، بيد أن الأمر المؤكد، لا هم ولا لوبي اليوتوب الإرتري يضمن من يحميهم غدًا من غائلة عقاب وانتقام الذي هو من جنس صنيعهم.

بناء على هذه القراءة فإنني لا أستبعد تحقق أمر خطير، فربما تم دمج قوة دمحيت في الجيش الإرتري المُسيَّسِ من أجل فرض واقعٍ ديمغرافيٍّ جديد، وهذا ربما يقابله جيش عرمرم من المسلمين من داخل الوطن ومن السودان خاصة بعد عانى المسلمون من ظلم النصارى الإرتريين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالتواطؤ مع إثيوبيا، ثم من نظام حكم حزب الجبهة الشعبية طائفي المخبر والتطبيقات العملية، لاسيما بعد أن جرب المسلمون مغالبة الظلم العقدي بآلية عقدية تقابلها يوم أسسوا حركة الجهاد الإسلامي الإرتري التي هزت أركان قوى النظام العالمي الجديد في محيط البحر الأحمر والشام، فتكامل معها نظام حزب الجبهة الشعبية لما لإرتريا من أهمية خطيرة في الجغرافية السياسية- geopolitics-، ولولا أن قيادة حركة الجهاد كانت سبب هزيمة المسلمين كما فصلتهُ في كتابي الذي بعنوان: (إرتريا والمأساة التأريخية)، لكانت قراءة اليوم للواقع الإرتري مختلفة جدًا؛ لهذه الأسباب، ربما قررت قوى النفوذ العالمي دس مطالبها بين صفوف المتصارعين الإرتريين باستخدام بعض دول الإقليم من أجل إحداث قراءة جديدة في الواقع الإرتري من زاوية نظر بعد تمكين أفضل وأقوى شريك لهم في إرتريا.

الأرجح أن هذه القـراءة لن تُحقـق إلا بـتنظيم إرتـري من القـوى والمسميات الموجودة، أو بمن تتم صناعـتهم، وهنا فالمسلمون وغير المسلمين في هذه اللعبة قد يكونون متساوين، كل ذلك باستغلال من تتوفر فيه أكثر من غيره خصائص ومواصفات المطلوبة لتحقيق كل أو جل مطالب قوى التآمر الإقليمي والدولي، وربما جندوا أفرادًا من فئة المثقفين والمتعلمين ذوي المواصفات والخصائص المطلوبة، ثم يتم تدريبهم على نحو مجـزئ، ثم يتم تلـميعهـم، ثم يتم تهيج الجماهير في الداخل والخارج باسمهم، ثم يتم تحسم الموقف لصالحهم.

وسواء هؤلاء وأولئك، فالمراد من صناعة هيكل على هيئة عملاء للقيام بمهمة طابور خامس من الداخل والخارج، ليس إلاَّ للاستعاضة بالأفضل عن الأسوأ إذ فشل حزب الجبهة الشعبية في الميادين المحلية والإقليمية المتصلة بميادين النظام العالمي الجديد، ولكن مها يكن عِظمُ مخطط التآمر، فلن يصمد حزب الجبهة الشعبية ومن سيقفون معه سرًّا وجهرًا، أو من ستتم صناعتهم للاستعاضة بهم عنه ضد إرادة الأمة الإرترية إذا ما اشتد أوار نار ثورة الرفض الجماهيري لحزب الجبهة الشعبية الذي لم يدخر ما يأسف عليه من حرب ضد الشعب الإرتري عامة، وضد المسلمين الأكثر تضررًا خاصة.

إن تجربة الثورة الإرترية ضد إثيوبيا ليست ببعيدة، هذا مع الفارق العظيم جدًا بين إثيوبيا من حيث القوة العسكرية والدعم الإقليمي والدولي، ومع الفارق العظيم بين عدد سكان إثيوبيا في فترة الكفاح المسلح الذي كان بين 60,000,000و70,000,000نسمة، بينما كان عدد سكان إرتريا لا يتجاوز 6,000,000نسمة أو أقل، ومع ذلك، فقد هزمت ثورة إرتريا جيش إثيوبيا شر هزيمة.

هنا رب قائل يقول: تلك فترة قد خلت، وأنها تختلف عن معايير واقع اليوم، وإني أقول: نعم، كذلك هي، بيد أن الواقع المعاصر للشعب الإرتري يختلف أيضًا عن واقعه في تلك الفترة التي لم يختلف فهيا همه، بل كان الاختلاف في مستوى التفكير وحسن توظيف المتاح من الآليات والأدوات والوسائل، فلا ينبغي أن نتصور أن الماضي صفحات تأريخية مطوية، بل رصيد عظيم من إرث الأمة، لهذا فليعلم الجميع، أن طبيعة بعد الصراع في واقع اليوم أيضًا تختلف بما يُرجِّحُ كفة قوى المعارضة الوطنية التي تتمتع بتأييد جماهيريٍّ عظيم من جهة جمهور الشعب الإرتري المتأذي من حزب الجبهة الشعبية لمدها بكل المطلوب طوعًا، وهذا الجمهور المتأذي هو الرصيد الحقيقي لقوى المعارضة الوطنية في شؤونها السياسية والأمنية والاستخبارية والعسكرية، وليس ثم ما ينقص من تفعيل هذا الرصيد إلا تنشيط خمول قوى المعارضة، فمتى ما تم تنشيطها ثم تحريكها نحو أولويات الأهداف، أو أي جزء منها، فسوف نرى كيف ستثور البراكين حيث نولي وجوهنا، ولهذا فلكل مقام مقاله الذي يناسبه، ولكل زمان أحكامه التي تناسبه، وغدٍ لناظره فريب.

وإلى قراءة المبحث الثالث.

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr