Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا. - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا(1-3)

تـمـهـيـد

abu usama almuallimبين أيدينا دراسـة بـحـثـيـة لأهداف حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة بمنهاج الاستقراء التحليلي للوقائع والأحداث التي يتجلى جلها بالتطبيقات العملية كما ينزلها العاملون على أرض واقع الناس في كافة ميادين الحياة، وكما أن الاستقراء يعني دراسة وتحليل تتابع أزمان الوقائع والأحداث المتصلة ببعضها توافقًا أو تضادًا، كذلك يدرس ويحلل زمان ومكان الوقائع والأحداث ما إن كانت اختيارًا أو اضطرارًا، ولماذا هذا أو ذاك، وبهذا الإجراء تتبين مقاصد ومآلات الوقائع والأحداث، أما الباعث إلى هذه الدراسة البحثية المتواضعة فكان لما كتبه الأستاذ فتحي عثمان تحت عنوان: (الصراع في ارتريا ليس طائفيا بين أديان ومذاهب)،

إن هذه الدراسة البحثية ليس المراد منها الرد على ما كتبه الأستاذ الفاضل فتحي كما ربما يتبادر إلى أذهان البعض حسبما درجنا عليه في مثلها، بل هي من أجل إثراء المادة من زاوية إعمال النظر فيما جاء فيها مما نوافقه عليها، وفيما نخالفه فيها؛ وإني لأرجو الله أن أكون أسهمتُ بما هو مفيد لخلق واقع وعي مشترك.

والدراسة التي حررتها بهذه المعاني والأبعاد، قد أجريتها من قسمين، هما:

القسم الأول، وقد جاء تحت عنوان: (قراءات)، وهي قراءات متسلسلة على نحو:

القراءة الأولى والثانية...............الخ. وإني أقرأ فيها ما جاء من كلام الأستاذ فتحي عثمان فقرة فقرة، وربما في بعضها كلمة كلمة، وقد ختمتها بـ: (ملخص القول.)

وكل قراءة تتفرع إلى عدد من المسائل والمعاني الاستفهامية والبحثية لكي يتجلى المراد كما ينبغي.

أما القسم الثاني فقد جاء تحت عنوان: (ما العمل العلاجي والوقائي الذي علينا القيام به)؟ وهي مباحث تتفرع إلى عدد من المسائل والمعان الفكرية الأكثر تدقيقًا بذكر أحداثٍ وشواهد تأريخية خطيرة، وأنها تحمل معان وتصورات لما قد تؤول إليه الأمور، ولهذا رب البعض انزعج منها، وأنها تتضمن أيضًا بحثًا لعله أن يخرجنا من نذر خطرها المحيطة بنا.

القسم الأول.

القراءات

*- القراءة الأولى، أهداف حزب الجبهة الشعبية من حربه ضد الشعب الإرتري.

*- القراءة الثانية، حول ما قاله الأستاذ عن خطأ توصيف الصراع في إرتريا.

*- القراءة الثالثة، حول قوله الطائفية وإن كانت أحد مستويات الصراع، لكنها ليست الواسم الأوحد.

*- القراءة الرابعة، حول ما قاله عن الحياة والحقوق الأساسية فيها.

*- القراءة الخامسة، بمعرفة صانع الحدث، يُعرف الهدفُ من الحدث.

*- القراءة السادسة، عن البعد الفكري في مقال الأستاذ فتحي.

*- ملخص القول.

القسم الثاني.

ما العمل العلاجي والوقائي الذي يجب علينا القيام به

*- المبحث الأول، مآلات القضية الإرترية ومبررات الحرب المبحث الثاني

*- المبحث الثاني، مآلات قوى المعارضة وحزب الجبهة حال وقوع حربٍ بينهما.

*- المبحث الثالث، هل ثم ما يُخيف من مآلات الأحداث، وكيف نتصور ذلك؟

*- المبحث الرابع، ما هو التصور العلمي العملي المشترك للخروج من نذر هذا الخطر؟

*- المبحث الخامس، ثم أزمة الأمة في بعض مثقفها من الأفراد والتنظيمات.

مناقشة القسم الأول.

أحـداث الـتـأريـخ بـيـن الـحـيـدة عـنهـا وقـراءتها بمـقـاصـدهـا.

دراسـة بـحـثـيـة لأهداف حزب الجبهة الشعبية من واقع ما كتبه الأستاذ فتحي عثمان تحت عنوان:

الصراع في ارتريا ليس طائفيا بين أديان ومذاهب.

تحت هذا العنوان نشر موقع عدوليس للخدمات الإعلامية في تأريخ: 2015-02-27مقالا للكتاب الأستاذ فتحي عثمان، والمقال ينبي عن بعد ثقافة كاتبه بما تجلى فيه من معانٍ وأفكار، وكيف أن الإنسان بطبيعته الفطرية الكونية يخطئ ويصيب فيما يأخذ ويذر، ولهذا ألفيتُ أستاذنا فتحي قد أخطأ في بعض المسائل كما أُخْطئُ أنا في مثل حاله، وكما يخطئُ آخرون في مثل حاله ما دمنا جميعًا نعمل.

لقد صدَّقَتْ مادة حديث أستاذنا الفاضل فتحي عثمان، العنوان الذي اختاره لها بعانية معلم يعني ما يقول، وهذه ميزة الكتاب البارعين الصادقين مع أنفسهم ومع قرائهم، وكاتبٌ من هذه الطبقة يُصنف من الكتاب المحترمين الذين لا يحيدون عن المعنى الذي يريدونه، بل يختارون له عنوانًا مطابقًا لمادته، وإنه ليُشكر على هذا الوضوح، فهو لم يتكلم بشيء من التورية والتلاعب بالألفاظ واستخفاف بعقول القراء، فكم كان واضحًا عندما قصد الإسلام في المقام الأول، أما ما سواه مما جاء في ثنايا حديثه، فكان مكملا لتمام الصياغ ببيان الشواهد والمتلازمات، ورب بعضه كان إدراجًا لمسائل ذات علاقة لا تتم الفائدة إلا بفعل ذلك، أو أن المدرج كان من باب علاقة الأسباب بالمسببات.

وهكذا لما قصد الإسلام في المقام الأول، وجدتني قد لزمني مناقشة المسألة بمنهاج الاستقراء التحليليِّ وإن خالفته بذلك فيما ذهب إليه، ولولا ذلك لتركت الأمر لغيري، لا لأن غيري لا يحسنون الكتابة في هذا، أو لا يوجد من يعتني بمثل هذه الأمور، بل لأني أعتقد أن هذا من واجبي تجاه ديني، وهو واجب لا ينبغي لأن أتركه لغيري لما لم أعلم يقينًا ماذا سيكتب الآخرون، بل علي أن أضيف ما عندي إلى ما سيكتبه الآخرون الأفاضل.

من هذا نفهم إن الذي ربما يراه زيدٌ خطأٌ على عمرٍ، قد يراه أيضًا آخرون أنه خطأٌ على عمرٍ، بيد أن عمرٍ وآخرين معه لا يرنه خطأٌ كما زعم زيدٌ وصحبه، وأن كلا الفريقين لهما ما يُحاجَّان به بمنطق العلم والمعرفة مستدلين بنصوص علميَّةٍ وواقعيَّةٍ وقرائن واضحةٍ، والمهم في هذا الباب، أن للجميع مرجعيات علمية وفكرية على صورة ما، ولهذا، فالفريقان لا يُتهمان بجهلٍ، ولا يُتهمان بتخلفٍ عن ركب الحضارة المعاصرة الظاهرة، بل الكل يحظى بنصيب من الإنتاج الفكري والتقني للحضارة المعاصرة بما لديهم من خصائص ذاتية ودرجات علميةٍ وتجارب عمليةٍ في مختلف ميادين شؤون الاجتماع، ولما كان الأمر كذلك، فثم أسئلة علميَّةٍ وواقعيَّةٍ ينبغي معرفتها للحكم على ما يصدر عن هؤلاء وهؤلاء باستخدام أدوات علمية ومعرفية مبرأة عن منطق الأنا، ومزالق الجهالات والأهواء التعسفية التي من أبرز سماتها: الظن والتعصب والانتصار للذات وللجماعة والآل، وأهم هذه الأسئلة هي التالية:

السؤال الأول، إلى ماذا يُعزى الاختلاف الثقافي والفكري بين طبقات المتعلمين؟

السؤال الثاني، ما هي أبرز أمثلة الاختلاف بين طبقات المتعلمين؟

هذا ما سنقرؤه بهدوءٍ وأدبٍ بحثًا عن الحقائق التي تعنينا سواء في هذا المقام أو في عموم مساراتنا الجمعية كلها في شؤوننا الوطنية بينما نريد أن نعالج أسباب معاناتنا الكثيرة والمتنوعة، وفي هذا نحن جميعًا مطالبين بأدب الحوار الذي ينبغي أن يحكمنا، وإن قوِيَ خطابُ أحدنا، فينبغي أن لا يفهم منه أنه إساءة للآخر، بل ينبغي أن يُفهم على أنه وضوحٌ وأمانة من فكر حر لا يوزع ولاءه هنا وهناك.

عن السؤال الأول.

يُعزى مثل هذا الاختلاف عادة بين الطبقات المُتعلمة في كل زمان ومكان لدى جميع أمم وشعوب العالم، إلى اختلاف المواد التربوية في المدارس المختلفة المعينة التي هدفها صناعة فكر أتباعها بغية تأهيلهم لتحمل مسؤولية أداء أمانة المهام التي تُحقق أهداف المدرسة، فالمدرسة إذًا هي المصدر الأول للتكوين الفكري للشخص المنتمي إليها، وجملة المدارس التربوية التي هدفها صناعة أتباعها، تتمثل اختلافاتها في أمور من أهمها ما يلي:

-1يختلف الناس في مسائل العقيدة ومعرفة موجبها، وفهم مقاصدها، وكيفية صور تطبيقاتها العملية في مجالات العقيدة والعبادات والمعاملات، ولهذا، فإن مذاهب الناس قديمًا وحديثًا تفرقت كثيرًا في أمور الدين التي من هي عـند الله، فمنهم من آمن بالكتب التي أُنزلت على الأنبياء والمرسلين-عليهم الصلاة والسلام-، ومنهم من كفر بها، وبهذا وقعت خلافات حادة بلغت حد التقاتل، وكذلك ستظل حتى قيام الساعة.

-2يختلف الناس باختلاف مدارسهم التربوية التي تصنع أفكارهم، وهو ما يترجمه اختلاف قراءاتهم لظواهر الكون الطبيعية مثل البرق، والرعد، والخسوف، والكسوف، والمطر، والجفاف، والحر، والقر، فمنهم يعزي هذه الظواهر الكونية إلى علوم الفيزياء والكيمياء وما في حكمهما، بعيدًا عن منشيها باختزالها في طبيعة خصائصها الكونية العلمية وما ينتج عن تفاعلاتها بتدخل أهل العلم المختصين، أو بما ينتج عنها فيما يبدو للبعض أنه تفاعل ينتج بفعل الطبيعة الإله، وآخرون لا ينكرون طبيعة خصائصها الكونية وما ينتج عن تفاعلها، بيد أنهم يعزونها إلى باري الكون الذي له الخلق والأمر، وهو الله جلَّ في علاه، والفرق بينهما كبير، فالفريق الأول لا ينكر أن ثَمَّ من يدير أمرها، وأنه قد حدد سلفًا نتائجها، وهو ما قد أسموه: (الطبيعة)، فالطبيعة إذن لدى هؤلاء هي الربٌّ الخالقٌ المدبِّرٌ الذي له الخلق والأمر، بيد أنهم يقصدون بالطبيعة عـند التحقيق والتدقيق ذات ظواهر الكون مما في السماء وما ينزل منها، وكائنات عظيمة حية أو جامدة غليظة أو دقيقة تعيش على ظهر اليابسة، وتحت ثراها وما يخرج منها، حتى الجرثومة التي لا تُرى بعين مجردة، فهم بهذا التصور في التحليل النهائي، وثنيين خرافيين لا إله لهم يعبدونه رجاءً وخوفًا، ولذلك قالوا: (لا إله والحياة مادة).

أما الفريق الآخر فيؤمن بأن لكل ظاهرة في الكـون منـشيها، وهـو الله تبارك وتعـالى، ذلك إيمانًا بقوله جلَّ شأنه: {ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلُّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَي كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل}،‏ فهذا الفريق يرد كل شيء إلى الله المبدئ المُعيد الفعال لما يريد، له الحكمة في كل شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لا يكون، ويعلم ما كان وما لم يكن، والذي لم يكن لو كان ماذا كان سيكن، وكل شيء عنده مقيد بقدر معلوم محدود، ولا يعزُبُ عن علمه مثقال ذرة في السماء وفي الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر......................الخ.

-3يختلف الناس باختلاف مدارسهم التربوية التي تصنع واقع أفكارهم، ففريق يفسر أحداث السياسية التي صنع واقعها وتفاصيل أحداثها الناس أنفسهم، وبما تقع به في ساحات الأوساط الاجتماعية للأمم والشعوب في الأزمنة والأماكن المختلفة، يختلف تفسيرهم للحدث الواحد الذي حضروا تفاصيل تنزلاته صريحة، تمامًا كاختلاف قراءتهم للظواهر الكونية، فهذا يفسر الحدث من زاوية نظر بعد فكره، وكذلك يفعل الآخر؛ فهذه القراءة الفكرية أردتها مقدمة تمهيدية لفهم القراءة التي أريدُ-بمشيئة الله- إجراؤها فيما جاء من أفكار تفضل بها علينا الأستاذ الفاضل فتحي عثمان تحت عنوان: (الصراع في ارتريا ليس طائفيا بين.....).

إن ما يظهر من نقدٍ أدبيٍّ وسياسيٍّ في بحثي هذا، لستُ أعني به الذات المحترمة للأخ الأستاذ فتحي الذي أُكنُّ له كل الاحترام والتقدير الأخوي، بل يندرج هذا في طبيعة الحوار والنقاش الفكري الذي يجري بين العاملين في ميادين البحث الفكري، خاصة في أمهات الأمور التي لا تحتمل المجاملات والتأخير.

وإذا ما علمنا أن طبيعة الحوار والنقاش الفكري في أمهات الأمور خاصةً لا تحتمل مجاملات ولا تأخير لبيانها عن وقتها المناسب، فعلينا أيضًا أن نعلم، أن كل المشتركين في الحوار والنقاش، إنما يستعملون كافة أدواتهم وآلياتهم وقدراتهم العلمية والعقلية، لا لأنهم في معركة أصل طبيعتها إما غالب أو مغلوب، بل المراد منها بيان ما يراه كل أحد أنه صواب، ومع ذلك، لا يمكن أن نَتوهَّمَ بأن فلان على الحق المحض، وأن فلان على الباطل المحض، فتصور لا بد أن يكون فلان على الحق المحض، وفلان على الباطل المحض، لا يقول به إلا صاحب فكر عقيم وثقافة ضحلة، ما لم يكن الأمر أمر دين موقوف في كتاب الله وسنة رسوله بالنسبة للمسلمين، وكذا لدى غير المسلمين فيما يقابل ذلك، لهذا، فالمتحاورين في الشأن الديني مطالبين دومًا بأدلة نصية من المصادر الشرعية تحديدًا، ثم على الطرف الآخر إثبات كونها صحيحة أم لا، وهذا ما لسنا بصدده، أما الذي بين أيدينا فأفكار رجال تتجلى في قراءاتهم بحسب مكونهم الثقافي الذي أصله المدرسة التي تربى عليها كما قلنا، أو أنه اكتسب علومًا ومعارف بما يتمتع به من ذكاء وحبٍ للقراءة وكثرة اطلاع وبحث مع قدرة التمييز بين المقروءات، وهذا واقعٌ لا يخلو من خطأ وصواب، وهو من طبيعة الناس في القديم والحديث لدى كل أمم العالم؛ فالأمر نسبي يُقدَّرُ بقدرِهِ، والمطلوب إذًا سعة صدر وسلامة نفس.

بهذا فقد بلغتُ حد قراءة مقال أستاذي ومعلمي الكاتب الفاضل فتحي عثمان، وإن منهاج القراءة الذي اتبعه دومًا في كتاباتي المتواضعة هو منهاج: (الاستقراء التحليلي) الذي وضعته لنفسي بما تدل عليه معاني كلماته التي أسميته بها، وإني لم أطلع على هذا المسمى بهذا التحديد لألفاظه، بيد أني لا أجزم أن لا أكون قد سُبقتُ إلى ذلك بنفس الألفاظ لذات المعاني، والمنهاج الذي سوف أتبعه سوف يكون تحت كلمة: (قراءات)، ولهذا فسوف أقول القراءة الأولى والثانية، محددًا عناصر القراءات على النحو التالي:

القراءة الأولى، أهداف حزب الجبهة الشعبية من حربه ضد الشعب الإرتري.

قال الأستاذ فتحي عثمان:

" نعم الصراع في ارتريا ليس طائفيا بين أديان ومذاهب، بل هو صراع مرير من أجل حقوق إنسانية أساسية ووطيدة، والحق في العقيدة والدين والعبادات هو أحدها ولكنه ليس أولها."

أولا، يجب أن يكون معلومًا أن الأخ فتحي لا يحق له أن يتكلم في مسائل الدين الإسلامي وهو ليس من أهل الاختصاص فيه، وواضحٌ أنه لم يقرأ في كتب السياسة الشرعية التي تملأ المكتبات المعاصرة بمؤلفاتها القديمة والحديثة، ولما كان كذلك، ما كان له أن يوقع عن الله بقوله: (حقوق إنسانية أساسية وطيدة ليس الحق في العقيدة والدين والعبادات أحدها، ولكنه ليس أولها)

هكـذا قال الأستاذ فتحي وقد قـرر الله سلفًا بأن الإسلام يأتي دومًا قبل كل شيء لكي تُؤَسَّسَ مطالب الحياة كلها على مقاصده، ولولا ذلك لما هاجر رسول الله-صل الله عليه وسلم- وصحابته-رضي الله عنهم- من مكة إلى المدينة وهي ديارهم وفيها أهليهم، ذلك لما لم يكن الإسلام تابعًا لأي تشريع أبدًا، أما كون المسلمين إذا كانوا مقهورين ولم تُتاحَ فرص تمكين دينهم أو الفرار به، فإن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولهذا قال جلَّ شأنه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.......الآية} .

نعم، لقد هاجر رسول-صل الله عليه وسلم- وصحابته من مكة إلى المدينة، وقريش قد بسطت لرسول الله كل الحقوق المادية والاجتماعية التي تخوله حق سن قوانينَ لإدارة مجتمع مكة الذي كان يُعدُّ دولة مستقلة بمقاييس اليوم، وليس ذلك إلا بكامل سلطة المُلـك الحـقيقية، فقد قرروا أن يجعلوه ملكًا عليهم بشرط أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام، ولما رفض عليهم كافة عروضهم وإغراءاتهم، أعلنوها حربًا عليه وعلى صحابته مبتدئين بضعفائهم.

ما إن بلغت الأحداث إلى هذا الحد قرر رسول الله-صل اله عليه وسلم- مغادرة ديار الكفر وإن كانت أرضهم ووطنهم الذي فيها أهليهم وأملاكهم وتأريخهم وحبهم لكل ما فيها، ذلك كله للتأكيد بأن الإسلام لم يكن ولن يكن تابعًا لأي نظام يَسُنُهُ الإنسان حسب حاجاته ومصالحه المتغيرة بناء على أبعاد مكونه الثقافي من قبيل المناهج المادية التي همها الأول الاستيلاء على الحكم لتحقيق أهداف الطبقة الحاكمة، وتسهيل مطالب الحياة لأفراد المجتمع بما يُبرر ويُقوي نظام الحكم، ذلك بدعوى الحقوق الأساسية في الحياة.

وقال: ........." وعندما يشن النظام حربه على الشعب فهو لا يشن حربا دينية هدفها تحويل الشعب من معتقد إلى معتقد، أو يقوم بحملات صليبية بهدف تنصير كل ارتري مسلم، ولكنه يستولي على السلطة والثروة ويحرم الناس من حقوقها الأساسية والتي من ضمنها الحق الثقافي، والذي يأتي تاليا لحق الحياة الأساسي والحق الاقتصادي في الارتزاق، والحق في الحرية والحركة...................الخ "،

في موضع آخر من الصفحات التالية تحت عنوان: (معنى الحياة والحقوق فيها) صرفت النظر عن الربط بين إقرار شن النظام حربه على ضد الشعب الإرتري، وأن القصد من حربه إنما هي من أجل الاستيلاء على السلطة والثروة، ففهم الأسـتاذ فتحي لحرب الجبهة الشعبية ضد الشعب ليس الهدف منه تحويل الشعب الإرتري من معتقد إلى معتقد، ولا يقوم بحملات صليبية بهدف تنصير المسلمين الإرتريين، واكتفيتُ بالحديث في ذلك الموضع عن بعض المعاني التي جاءت في حديث أستاذنا متسائلا عن البناء الذي تأسست عليه الحقوق التي قصدها الأستاذ فتحي صريحةً في مقاله، فقلتُ في تساؤلاتي:

ترى ما هو البناء الذي تأسست عليه الحقوق التي تحدث عنها أستاذنا الفاضل فتحي؟

-1أهي الحقوق المؤسسة على مناهج الغرب المادية الإباحية المتفسخة المنحلة بما سيأتي ذكره منها، وكيف أنها مسخت مجتمعاتهم؟

-2أم هي الحقوق المؤسسة على المنهاج الإلهي الذي جاء به الإسلام ليُبين بين ما هو موافق للفطرة البشرية وحفظ الحقوق الكلية والجزئية، وبين مقاصد الشريعة الإسلامية لكون حرية الإنسان في هذه الحياة نسبية لكونها تخضع لمقاصد التشريع الإسلامية؟

كما قلتُ إني صارف النظر في هذا الموضع عن هذه التساؤلات لأبحث فلسفة الربط بين إقرار شن النظام حربه على الشعب الإرتري بقصد الاستيلاء على السلطة والثروة حسب تفسير الأستاذ فتحي الذي قال، إنما هي حربٌ لا يُستهدفُ منها الدين بغرض تحويل الشعب من معتقد إلى معتقد، أو أنه يقوم بحملات صليبية بهدف تنصير كل إرتري مسلم، وهذا كلام يحمل معانٍ خطيرةٍ لا يُمكن السكوت عليها، فما هي إذًا العلاقة السببية، أو الفلسفة الجدلية التي يبررُ بها حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة للربط بين شنه الحرب ضد الشعب الإرتري من أجل الاستيلاء على السلطة والثروة بحرمانه الشعب الإرتري من حقوقه الأساسية المتضمنة حقه الثقافي الذي يأتي تاليا لحق الحياة الأساسي وحقه الاقتصادي الارتزاقي، وحقه في الحرية والحركة كما قرره الأستاذ فتحي ولم نسمع ذلك من حزب الجبهة الشعبية الحاكم؟

أولاً، كان على الأستاذ فتحي مراجعة نَظمِهِ لهذه الحقوق وفق منازلها بحسب أهميتها قبل نشرها للجميع، فهذا سردٌ غير مرتَّبٍ من جهة، وأنه يكرر ذات المعاني بمرادفات تدور حول ذات المقاصد من جهة أخرى، فكان حسبه منها كلمتين أو ثلاث كلمات.

ثانيًّا، لا يمكن أن تستقيم المعاني في صياغ المطالب السياسية والإصلاحية ما لم نقر بأن الحق الثقافي يحتل دومًا المرتبة الأولى وجوبًا لا اختيارًا، إذ المفصود الأول بالحق الثقافي هو: الدين واللغة والتأريخ، لا كما يقوله الأستاذ فتحي بأن الحق الثقافي يكون مُتضمَّنًا في الحقوق الأساسية، دون بيان للماهية الحقيقية للحقوق الأساسية، وما الذي يفهمه القارئ والباحث بأن الحق الثقافي يأتي تاليًا لحق الحـياة الأساسي، وما معنى حـقُّ الحياة الأساسي، وماذا يعني أحدنا عندما يفرق بين الحقوق الأساسية وحق الحياة الأساسي، ويلحق بهذه الحقوق قوله: الحق الاقتصادي في الارتزاق، والحق في الحرية والحركة؟!

ثالثًا، إذا ما سلمنا بحقيقة كون حزب الجبهة الشعبية إنما يشن حربه ضد أبناء الشعب الإرتري من أجل الاستيلاء على السلطة والثروة لصالحه دون مناهضٍ له، فأي منطقٍ علميٍّ وعقلٍ حصيفٍ يقول بأن نظامًا وطنيًّا يشن حربًا ضد أفراد وجماعات أمته من أجل أن يحقق الاستيلاء على السلطة والثروة، علمًا بأن حزب الجبهة الشعبية لم يقل بهذا؟!

رابعًا، هل نظامٌ من خصائص فكره وأولويات سياسته، شنُّ حربٍ ضد شعبه، يصح أن يكون من أصل ذلك الشعب الذي يشن حربًا ضده، أم أنه فئة دخيلة مزروعة لخدمة أهداف قوى أجنبية إقليمية ودولية؟!

خامسًا، إن من المعلوم بالضرورة أن نهوض الأمم والشعوب في ميادين الحياة تتحقق بالتفاعل الجمعي بين كافة فئات المجتمع بحسب تخصصاتهم العلمية التطبيقية والنظريات الاجتماعية المجربة في الميادين بالتطبيقات العملية، أم أن الأستاذ فتحي أراد أن يكشف لنا مستورًا ليس لنا به سابق علم، بأن حزب الجبهة الشعبية الحاكم، ليس حزبًا وطنيًّا يريد لإرتريا النهوض والخير والرخاء والاستقرار؟

وهل هذا يعني أنه حزبٌ عميل مدسوس يعمل لصالح إستراتيجيات إقليمية ودولية منطقًا، ولعل هذا يؤيد ما ذهب إليه البروفيسور تسفاظيون مدهانيي من جامعة بريمان الألمانية في كلمته السنوية التي ألقاها في مطلع هذا العام بعنوان: (ألهذا قد ماتت إرتريا)، وفيما يلي بعض الشواهد مما جاء في كلمة البروفيسور بشيء من التصرف:

قال البروفسور في رسالته السنوية:

" هذا العنوان لم يأتي من فراغ، بل له أسباب، فمنذ سنين عديدة تربو عن ربع قرن كنت أنبه مرارا بأن ممارسة زمرة أسياس ستؤدي إلى تدمير البلد "

وقال: "سبب تمادي نظام أسياس على القسوة والوحشية تجاه شبابنا بما لا تختلف عن وحشية الفاشية، ولعلمه ببُعده وكونه مكروه من قبل الشعب الإرتري، تزايد خوفه منهم، لاسيما لا يوجد أحد من رشّحه أو انتخبه ووضع إكليل الحكم على رأسه، وليس له أي سند شعبي إلا من بعض المجرمين وشذاذ الآفاق أو المرتزقة وبعض السذج"

وقال: " نتيجة للمآسي السائدة في إرتريا، هجر شبابنا الوطن وصاروا يهيمون على وجوههم في كل اتجاه دون أن يبالي نظام أسياس.

وقال: بل يقوم عمدا بطريقة ممنهجة باتخاذ قرارات طاردة وممارسات مرعبة حتى يصاب الشباب بالذعر ويهجروا البلد ليواجهوا أمورًا لا تصدق, فكم من فتيات أعتدي على شرفهن، وكم من الشباب انتزعت كلاهم وتيبست جثثهم في الصحاري، وكم منهم تعرّض للغرق في المحيطات، وهذه الممارسات تدل على أن لدى أسياس أجندة خفية هدفها تدمير البلد، وليس هذا فحسب، بل تدل على مدى كره للإريتريين "

وقال: " كثير من الإريتريين وبعض عناصر المقاومة التي تنشط سرا داخل أسمرا يشيرون بأن من يحرس الأمن الآن ويضيّق على الإريتريين بطلب إبراز بطاقات هوية في شوارع العاصمة، هم من العناصر المسلحة التي تنشط تحت غطاء الحركة الديمقراطية لشعب تجراي المعروفة بـ: (دمحيت)، ودمحيت وإن كانت لغتهم التجرينيا ليسوا إرتريين، وأنهم لم يقوموا حتى الآن بأية مقاومة فعلية ضد وياني، لكن لخداع الشعب الإرتري لكي لا تنكشف حقيقتهم يشنون من حين لآخر بعض الهجوم الإعلامي ضد النظام الإثيوبي، أما حقيقة هذا التنظيم أنه ليس ضد وياني، بل لديه أجندة أخرى, فهو تنظيم تجراوي وُجِدَ للدفاع عن أسياس من هجوم محتمل ضده من الإرتريين بغرض تثبيت سلطته"

وقال: "هناك شكوك بأن بعض البرامج المعادية لوحدة التراب الإريتري يتم حبكها على أن يتم تطبيقها باستخدام مسألة عصب ودنكاليا كبطاقة مرور، ومن ثم تفتيت وحدة التراب الإريتري..............الخ "

انتهى كلام البروفيسور تسفاظيون مدهانيي.

أرى إن إعادة قراءة كلامه مفيدة.

القراءة الثانية، حول ما قاله الأستاذ عن خطأ توصيف الصراع في إرتريا.

قال الأستاذ فتحي: "وتقديم الحق الديني على حق الحياة والحرية، هو الذي يؤدي إلى خطأ توصيف الصراع بأنه صراع طائفي..........الخ"

ما الذي نفهمه من قول أستاذنا فتحي: (خطأ توصيف الصراع)؟

أحسب أن أستاذنا الفاضل أراد أن يقول: (تحديد أهداف الصراع)، وكلمة توصيف قد غدت شائعة في العرف السياسي المعاصر بلغة الكتاب والمتحدثين السياسيين، فلا مشاحَّة في الاصطلاح ابتداءً، بيد أن غيرها ربما أفضل منها لغة، لأنها في المعاجم تفيد غير هذا،فيُصبح لذلك معناها هنا غير دقيق، وعمومًا في هذا الموضع سوف أحصر حديثي في نظرية الأستاذ فتحي الجانحة إلى دعوتنا لتحديد أهـداف حرب حزب الجبهة الشعبية ضد الشعب، ذلك بعد إذ قرر بأن هذه الحرب ليست حربًا طائفيًّا، كما قرر أن الدين لا يقدم على حق الحياة والحرية، وقال إذا ما قدمنا الدين على حق الحياة والحرية، فإن ذلك يؤدي إلى خطأ فهم مقاصد حرب حزب الجبهة الشعبية ضد الشعب الإرتري، والمقصود بالدين هنا هو حتمًا الدين الإسلامي، أي أن دين الإسلام يكون تابعًا لغيره بصرف النظر لمن يتبع، بيد أن المؤكد أن دين الإسلام عند أتباعه لم ولن يكون تابعًا لأي نظامٍ بشريٍّ وضعيٍّ، ولا حتى الديانة اليهودية والنصرانية، لكونه الدين الأخير الذي ختم الله به الرسالات، واختاره للبشرية في حياتها وما يترتب على الأفراد من بعد الممات، هذا بصرف النظر عما يقوله أصحاب التوراة المحرفة التي لا وجود لها أثر في الواقع المعاصر، إلا في حلقة ضيقة من اليهود التوراتيـين الذين يختلفون عن يهود الخزر، وكذا الإنجيل الذي تُعدُّ إصحاحاته بالعشرات، وأهمها:

-1إنجيل مرقس.

-2إنجيل متى.

-3إنجيل لوقا.

-4إنجيل يوحنا.

هذه الأناجيل الأقدم التي بعضها قريب من عهد نبي الله عيسى-عليه الصلاة والسلام-، ومع ذلك فهي مختلفة اختلافًا كبيرًا بينها في مسائل جوهرية، هذا في الوقت الذي لم يحدث ولن يحدث فيه اختلاف في القرآن منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنٍ مها حاول الأعادي، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها بعز عزيز وذل ذليل، هنا سأتحدث- بإذن الله- عن الجزء الثاني من الجملة، أي الذي وضعتُ تحته خطً لتمييزه، وهو قوله: (هو الذي يؤدي إلى خطأ توصيف الصراع بأنه صراع طائفي)، متجاهلا تعديد وتفاصيل ما قد أصبح من ثوابت أعمال حزب الجبهة الشعبية ضد المسلمين بعد إذ غدا يعمل ليل نهار لإزالة وجودهم من واقع الحياة السياسية والاجتماعية بسحتهم جملة، مع أنهم أهل فضل لإبقاء إرتريا بواقعها المعاصر منذ أحداث مراحل التكوين السياسي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى حرب الحدود الإرترية الإثيوبية بعد الاستقلال، وهي أحداث لا يسعُـني خوض تفاصيلها هاهنا، ومع ذلك ليس بد من الإيماءات التالية لأهمية الربط:

-1إن حزب الجبهة الشعبية لا يفتأ يعمل حثيثًا بكل ما أوتي من قوة لإعاقة المسلمين عن ممارسة حقوقهم الدينية في حياتهمُ اليومية، ومن أجل ذلك فقد غيَّبَ عن الحياةِ الدعاة والمعلمين منذ ما يقارب عقدين دون سبب وجيه يستطيع أن يقدمه للتأريخ، وأنه لم يقدمهم لا للمحاكمة ولم يطلق سراحهم، وأن بعضهم قد ماتوا على أي حال كانت ميتتهم بما ستكشفُه الأيام القابلة، وأما الذين في غياهب ظلمات الكهوف والحفر التي أعدَّها لهم ولأمثالهم حتى من غير المسلمين، فربما الموت كان خيرا لهم من الحياة فيها، إذ الموت أصبح يأتيهم من كل جهة ولم يموتوا، وسواء الأحياء أ والميتين، لا يعرف أهلوهم عن مصيرهم خبرًا مؤكدًا.

-2إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لطمس اللغة العربية التي هي اللغة الجامعة للمسلمين في شؤون الدين والسياسة وممارسة الحياة اليومية، وأن الهدف من طمسها ليس إلا لتمييع وترقيق فهم الدين لدى ناشئة المسلمين، ولفصلهم عن أصولهم وبعدهم الثقافي، وأنه بهذا الإجراء فقط يتيح فرصة تمكين التجرينيا التي لا تستطيع الصمود أمام اللغة العربية في الواقع العملي الجمعي لممارسة السياسة والتعليم والإعلام والتجارة والصناعة، وغير هذا وذاك لكون اللغة العربية لغة عالمية حية، وأما التجرينيا، ليست لغة علم ومعرفة وتأريخ في الشأن الإرتري، فكيف بها في الشأن العلمي والمعرفي العالمي.

نعن، لما لم تكن ذات قيمة في الشأن الإرتري، فمن باب أولى وأحرى في الشأن العالمي لكونها لجهة محلية كالتجري والساهو والبلين العفر، وغيرها من الألسن المحلية كما في الغرب والجنوب الغربي، وهكذا تتجلى المؤامرة باضطرار ناشئة المسلمين ليتعلموا في باللهجات المحلية الميتة-لغة الأم-، تلك التي لا تنفعهم في مستقبل دينهم ودنياهم في واقع اليوم الذي انفتح فيه العالم على تقنية وعولمة المعلومات المتسابقة لنجدهم جهلة متخلفين؟!

نعم، من أجل حال حزب الجبهة الشعبية بين المسلمين حاملي الشهادات والثقافة العربية، وبين مشاركتهم في المؤسسات الوطنية التي لم تعد مؤسسات وطنية بهذه الفعال والتطبيقات العملية المنحازة لصالح فئة باشتداد حربه للمسلمين، ومن أبرز صور هذه الحرب، طلبه ترجمة الشهادات العلمية العربية إلى التجرينيا الميتة، وبهذا فكما حرمهم حقهم في وطنهم، فقد حرم الوطن قدراتهم العلمية ومهارات العملية المتنوعة، هذا والوطن في أمس حاجة إليها، بهذا نجد واقع الوطن قد أمسى في ظلمة حالكةٍ وكأنه في قرون الظلام الغابرة، وكأننا لسنا في القرن الواحد والعشرين حيث استطاع العالم تداول المعلومات والأحداث في ذات للحظة.

فماذا يعني محاربة لغة أمةٍ ما؟

في هذا قال بعض أهل العلم والمعرفة الذين منهم:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: (اللغات من أعـظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون)

وقال ابن خلدون رحمه الله:

(إن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وإن منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم)

وقال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:

(ما ذلّـت لغـة شعـبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحـطّـت إلاّ كان أمره فـي ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرُضُ الأجنبـيّ المستعمرُ لغته فرضاً على الأمّة المستعـمَرةِ، ويركبهم بها، ويُشعـرهم عـظمته فيها، ويـسـتلـحِـقهـم من نـاحـيـتهـا، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثـً في عملٍ واحدٍ:

أ- أمّا الأول فحَبـْسُ لغـتهم في لغـته سجناً مؤبّـداً.

ب- وأمّا الثاني فالحكم على مـاضيهم بالقتل محواً ونسياناً.

ج- وأمَّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعـدها لأمره تَبـَعٌ)

إن هذا الكلامَ شأنه عظيمٌ في الحياة، وأنه بليغ الرسالة، وواضح المعاني، وقويُّ الإنارة لدروب الغافلين، وشديد الشحذ لعقول الخاملين، وأنه خطابٌ سياسيٌّ رزين، وحصيفٌ بربـطه لحلقات التأريخ الموصولة بهموم أبناء الأمة العاملين من أجل مستقبل تتحقق فيه كافة مطالبهم، ومع ذلك لطيف يؤنس النفس والعقل.

بهذه القراءة فإن اللغة لأي أمةٍ، إنما تعني في حقيقة بُعـدها الإنساني، البعـد الثقافي والتأريخي والحضاري لتلك الأمة زماناً ومكانًا عـبر التأريخ، وبالتأسيس على أبعاد هذه المعاني العـظـيمة الجلية، فالتآمر عليها إنما يُراد منه بالضرورة إزالة تلك الأمة المتآمَرِ عليها بإزالة آثارها الحـضارية والتأريخية والثقافية الـظاهرة في لغـتها، ذلك من أجل التمهـيد لإحالتها إلى تابع للغة وثقافة المُتآمِرِ عليها الكائد بها، كما يريده ويعمل من أجله لوبي اليوتوب النصراني في واقعنا الإرتري منذ الأمـس وإلى اليوم من أجل بناء مستقبله على أنقاض وجماجم مستقبلنا.

-3إن حزب الجبهة الشعبية ظل يعمل حثيثًا بكل ما أوتي من قوة لمنع عودة اللاجئين لكي لا يعيق وجودهم في وطنهم تقدم التجرينيا بما لديهم من ثقافة عربية وتحصيل علمي ومعرفي باللغة العربية، وقد وجد في خطط إعاقته لعودتهم إلى وطنهم من يعينه على ذلك بعلم وجهل، ومن هؤلاء:

منظمة قوس اللاجئين التابعة للأمم المتحدة التي تعمدت تهميش أمرهم، وكذا السودان الذي انحاز إلى أهداف حزب الجبهة الشعبية دون نظرة إستراتيجية لما بيننا وبينه من وشائج، ولما سيترتب على فعاله هذه في المستقبل غير البعيد، ولهذا نجده اليوم يوزع جنسيته بسخاء للاجئين الإرتريين وهم في معسكراتهم.

-4إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لمنع المجندين المسلمين عن أداء إقامة الصلاة في معسكرات الإذلال والسُّخْرة، والقصص المدمية في هذا الشأن قد ملأت الآفاق وسار بها الركبان، فكم هم أولئك المجندين الذين قُتلوا وقَتلوا دفاعًا عن دينهم لما مُنِعُوا عن أداء الصلاة؟!

-5إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لإفساد فتيات المسلمين بانتهاك أعرضهن بقصدٍ وإرادةٍ وإصرارٍ منذ عهد الثورة وحتى حينه بغرض إذلال المسلمين وكسر شوكتهم بالأفراخ الذين يلدنهن قسرًا وغصبًا بما هو مترجمٌ في واقع الحياة، وقد غدا اليوم أولئك الزنمة أبناء السفاح هم ألد أعداء الأمة، وأنهم غدوا يحظون برعاية خاصة لأداء مثل هذه المهام الصليبية، وأهداف أخرى لا يجهلها الإرتريون، بل ولا يجهلها غير الإرتريين، وهي تفاصيل يصعب ذكرها في هذا المقام.

-6إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لتغيير معالم الأقاليم الإرترية بإعادة رسم حدودها وتسمية بعض المناطق فيها، وبمصادرة أراضي المسلمين ومنحها لغير أهلها بحجة أن المسلمين غير موجودين في الوطن، بعد إذ صنع واقع تغييبهم بخطط ماكرة ليتقرب بتوزيعها على خاصته من الإرتريين وغير الإرتريين.

-7إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لخلق واقع مشاهد دينية وثقافية صليبية في أقاليم المسلمين ببناء كنائس ورموز وشارات في كل مكان ذي بال، وفي الجبال والتلال الواقعة بين المدن من أجل أن يشاهدها المسافرون، وأنه غدا يُغيرُ بعض الأسماء والرموز الدالة على أن الإسلام دين سكان هذه الأقاليم منذ القدم، كل تلك المشاهد ليتخذوها شهادة تأريخية للاستدلال بها على أن سكانها نصارى.

-8إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بما أوتي من قوة لتجرنة إرتريا لغة ودينًا وثقافة وتطبيعًا، فهو لا يفتأ يَصبغُ مشاهد واقعها الوطني السياسي والاجتماعي بصبغة النصرانية، وقد غدت هذه الصبغة تنمو بمشاهد التغيير البارزة بما يُشاهد في الفضائية الإرترية، وفي سائر تفاصيل الحياة اليومية لجعل إرتريا مع مرور الزمن، وطنًا خالصًا للتجرينيا النصارى، هذا الكلام لا يعني إنني ضد النصارى ، بل ضد هذه الاعتداءات على حقوقنا الثابتة، وضد الصمت عليها.

-9إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لصناعة عقول ناشئة المسلمين الذين داخل الوطن على النمط الذي يريده لهم، لكي يصبحوا مع الزمن منطبعين بطبائع أهداف الجهة الصانعة لعقولهم بسياسة الأمر الواقع المترجَمَةِ بمشهد الوطن المقروء في معاني اللغة والثقافة التجرينية النصرانية.

-10إن حزب الجبهة الشعبية يعمل بكل ما أوتي من قوة لكسب الوقت حتى يفنى الكبار الذين هم داخل الوطن بعوامل الزمن والجوع وأعمال السُّخرة، ولتكبر ناشئتهم وهي مفصلة عن أصولها الاجتماعية والدينية التليدة لمَّا لم يكن أمامها خيارات علمية ومرجعيات ثقافية موثقة، وهكذا فقد بدت ملامح مشهد غدهم، وهم يتحدثون بالتجرينيا بعد فصلهم عن أصولهم.

-11إن حزب الجبهة الشعبية يعمل حثيثًا بكل ما أوتي من قوة لكسب الوقت حتى يفنى الكبار الذين هم خارج الوطن بعامل الزمن، وتنشأ ناشئتهم بلا انتماء واضحٍ حيث هم بقراءتهم في واقع تيهٍ فكريٍّ ونفسٍ، أو أنهم سوف يذوبون في المجتمعات التي سيحملون جنسياتها قانونًا، أو يصبحون من طبقة البدون كما هو واقع بعض الفئات في دول الخليج العربي.

أقول: أيها العقلاء كافة، إن لم تكن هذه الأعمال المقننة بنظمٍ مدروسة، حربًا صليبيةٌ طائفيةٌ ضد المسلمين خاصة، فماذا عسى أن يكون تفسيرها يا ترى، أم من الضروري أن يعلنها حزب الجبهة الشعبية صريحة علنية كونها حرب صليبية طائفية منظمة ضد المسلمين الإرتريين كالتي دعا إليها الباب أوربان الثاني بصراحة وصلفٍ وغرورٍ مخاطبًا جيشه الصليبي لرفع لواء الصليب في القرن الحادي عشر-1095- ضد الإسلام نقول، إن حرب حزب الجبهة الشعبية ضد المسلمين صليبية، ولنصرف النظر عن جيش دمحيت الإثيوبي التجراوي الذي يحمي حزب الجبهة الشعبية وهو يسئ إلى المواطنين في وطنهم.

هنا ثم لفتة خطيرة تتعلق عن جيش دمحيت الذي تحدثنا عنه كثيرًا، بيد أن البروفيسور تسفاظيون مدهانيي قد أصهب في شأنه بما يستحق الوقوف عليه مليًّا، والرجل إما أكاديميَّا متخصصًا أو مثقفًا، وقد أردتُ بهذا أن أربط بين وجود قوات دمحيت وبين الأحداث الأخيرة المتصلة بالأحداث التي سبقتها والتي ستأتي بعدها في صناعة الغايات، والربط الذي أعنيه قد استهللتهُ بصيغة سؤال موجَّهٍ إلى كل المعنيين، وإلى الأخ فتحي خاصة على النحو التالي:

أليس ما يجري اليوم على أرض الواقع ونحن نكتب هذه الأسطر، من التجنيد العسكري لكبار المسلمين خاصة من أجل إحراقهم في معركة مجهولة، وفيهم من تجاوز العقد السادس، هذا في الوقت الذي يتضخم فيه جيش دمحيت الإثيوبي التجراوي الضخم وهم مُعدِّين بأحدث العتاد العسكري، وأنهم ينتشرون في الشوارع مدن إرتريا، وأنهم يستوقفون المواطنين الإرتريين فيها ليسألوهم في وطنهم عمن هم، أليس هذا تمهيد لما ظللتُ أقوله منذ عشرين عامًا بأن إرتريا غدت تهيئ لغير أهلها، وأن شرط تهيئتها لغير أهلها لن يتحقق إلا بسحق المسلمين حسًّا ومعنىً بكل ما تعنيه العبارة، فإن لم يكن هذا حربٌ صليبية، فماذا عسى أن يكون أيها العقلاء.

أليس جورج بوش الابن أعلن بصريح المقال أن حروب أميركا الأخيرة صليبية ضد الإسلام يوم قررت أميركا الحرب ضد القاعدة في أفغانستان، زاعمين بأن المسلمين هم الذين فجروا برج التجارة العالمي بعد أن أحكموا هم أنفسهم واقع الحدث صناعة وتنفيذًا من أجل أن يسوغوا إعلان الحرب على الإسلام بما نظر به صمويل هنجنتون وفرانسيس فوكويام، والمؤسف أن كثيرًا من سذج العالم صدقوا بأن المسلمين هم الذين ضربوا برج التجارة العالمي والبنتاجون بطائرات أميركا، ورُبَّ جورج بوش المخمور كان من هؤلاء السذج، بينما أن القوى الحقيقية الخفية التي صنعت ذلك الواقع الغامض إعدادًا وإنفاذًا بإحكام متقن، هي التي يلزمنا معرفتها، لا من أجل إضافة معلومة سياسية عن الحدث الأميركي الصناعة، بل من أجل معرفة مَن الذي يُديرُ أحداث العالم من خلف أكمة ومن تحت أجمة أميركا؟

نعم، بتطويع القرار السياسي الأميركي من خلال المحافظين الجدد القابعين تحت أجمة البيت الأبيض، والآخرين المتترسين بقوة المال والإعلام والصناعات الأميركية أتباع الكنيسة الإيفانجليكية التي استولى عليها الصهاينة مذ وقت مبكر، مظهرين تَنَصُّرهم فيها، ثم صَهْينُوا أتباعها النصارى من أجل تجنيدهم لخدمة أهداف الصهيونية مستغلين إيمان أتباع هذه الكنيسة بوجوب قيام معركة أرماجدون التي ما لم تقم، فلن بنزل نبي الله عسي-عليه الصلاة والسلام، لاعتقادهم أنها معركة فاصلة بين النصارى واليهود من جهة، والمسلمين من جهة أخرى، وأن النصارى يصعب عليهم القيام بها من بلادهم، لهذا لم يكن بدٌ من الوقوف مع الكيان الإسرائيلي في الشام، ومع النصارى في محيط إقليم البحر الأحمر المتصل بأمن إسرائيل، حتى تحقيق قيام معركة أرماجدون، وهذا هو الهدف الذي خططت له قوى الروتشيلد بإقامة دولة إسرائيل في بلاد الشام، ثم صنعت لذلك العقلية الأميركية بإحكام لخدمة هذه الأهداف، وهذا هو سر وقوف العالم الغربي مع دولة إسرائيل بكل قوَّةٍ، وهذا هو سر ما يقوم به حزب الجبهة الشعبية من حربه ضد الإسلام وفي إرتريا، لكي تصبح إرتريا قلعة خالصة للنصارى الذين يجب أن يضافوا إلى آليات حماية إسرائيل اليوم، وقوة لقيام معركة أرماجدون غدًا.

هذه الكنيسة تؤمن بأن المسلمين كفارًا، ولا بد من سحقهم تمامًا بانتصار الصليب عليهم في معركة أرماجدون الفاصلة من أجل التمهيد لنزول نبي الله عيسى-عليه الصلاة والسلام-، وأنه سوف ينزل عندما تتحقـق نتائج هذه المعركة، وعـندئذ سيحكم العـالم ألـف سنة بـسلام، ثم تقوم بعدها القيامة وينتهي عمر الدنيا بانتقال الناس إلى الدار الآخرة، وفي الأمر تفاصيل لا يسعها المقام، بيد أني أنوه للراغبين والباحثين والمثقفين الذين لم تكن لهم خلفية سابقة في هذا الشأن، لأن يبدؤوا بقراءة كتاب: (النبوءة والسياسة)، للسيدة غريس هالسل، وترجمه إلى العربية محمد السماك، وأصدرت دار النفائس طبعته السادسة في عام 1426هـ-2005م، وللكتاب أهميته استثنائية لكون السيدة هالسل من ذات الكنيسة.

بهذه القراءة نعلم بالضرورة أن حزب الجبهة الشعبية لم ولن يكن مؤهلا للقيام منفردًا بإدارة إرتريا، بيد أن مآرب القوى الإستراتيجية في شرق إفريقية والجزيرة العربية والشام، لن تتحقق من جهة إرتريا إذا ما أُوكِلتْ إدارتها إلى كافة مكونها الوطني للأسباب التي تعرضتُ لبعضها في أكثر من مناسبة على نحوٍ ما، ولهذا فقد حُصرت إدارة دولة إرتريا على حزب الجبهة الشعبية لكونه حجر في رقعة الشطرنج العالمية التي صنعتها وتديرها قوى الروتشيلد بغية التحكم على دول العالم كلٍ بحسي أهميته لها.

وبالتأسيس على هذا البعد، فقد تمت صناعة هذا الحزب سلفًا للقيام ببعض مهام اللعبة العالمية الإستراتيجية من جهة إرتريا، وأن من لا يحسنون هذه القراءة، إنما يشتتون قوانا الفكرية والعملية في متاهة تصنيف سوء فعال حزب الجبهة الشعبية، وآخرين يمزقون وحدتنا بإحيائهم لفتن التجرى والشماقلى كما هو حالنا مع الدكتور جلال، وهو يعلم يقينًا أن رسول الله -صلى الله عليه- لعن محيي الفتن النائمة بين المسلمين، وكل أولئك علينا مراجعتهم.

لقد فرغ الغرب ومعهم إسرائيل من خطط تمزيق الدول الإسلامية العربية مذ زمن بعيد، وكانت أحداث 2001/9/11تمهيدًا للتَّسوِيق العالمي لهذه الأبعاد الخطيرة، وقد كان من أهمها تمزيق وبعثرة العراق على النحو الجاري بعد مسرحية أفغانستان، فعراق اليوم تجري فيه عمليات تقسيمه إلى ثلاثة دولة هي:

-1دولة الأكراد في الشمال الغنية بالنفط الأقل تكلفة لإخراجه كما جاء مفصلاً في كتاب: (حروب البترولية الصليبية والقرن الأمريكي الجديد) لمؤلفه: (عبد الحي يحي زلوم)، وأن جمع شتات الأكراد في دولة لهم على يد القوى الإستراتيجية العالمية يعني: إمكانية الضغط بهم على دولة تركيا الإسلامية الصاعدة، ولأهداف أخرى.

-2دويلة السنة المبتورة المقترح قيامها في الوسط، وربما أُحقت فيما بعد بالسنة في سوريا.

-3دولة الرافضة في الجنوب المتصلة بالجزيرة العربية من جهة، والمؤيدة من إمبراطورية الفرس بغرض زعزعة العرب، وضم أجزاء إليها من فسيفساء دول الخليج حتى شرق المملكة العربية السعودية من جهة ثانية، كل ذلك بما يجري ترتيبه بين أميركا وإيران من أجل تمكين إيران بالهيمنة الفكرية والسياسية في المنطقة، في مقابل أن تنفرد أميركا بالاستيلاء على مخزون الطاقة البترولية والسوق العالمية المالية والاستهلاكية الخليجية من جهة ثالثة، وللتحكم على الحركات السياسية السنية فيها من جهة رابعة.

وهكذا فقد فرغ القوم أيضًا من تقسيم سوريا، والسعودية إلى فسيفساء دويلات مبتذلة، وأما مصر فلا بد من تفريع دولة نصرانية قبطية منها على ضفاف دلتا النيل لتحقيق حلم امتداد إسرائيل لبلوغها النيل من خلالها، ذلك بعد إذ وصلت إلى الفرات عبر إيران وأميركا، والدولة القبطية لا بدٌ أن تعمل ضمن مخطط معركة أرماجدون، ومن الواضح أن بعض هذه الأهداف قد تحققت على أرض الواقع، فالوجود الفعلي الإسرائيلي في العراق معلوم ومشهود، وأما في مصر فربما تحقق بما يجري فيها من بعد الانقلاب على نظام حكم الإخوان المسلمين المنتخب ديمقراطيًّا، وإعلان تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء، وظهوره بقوة غير طبيعية، وإعلانه البيعة لأمير الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهو ما يجري في ليبيا وناجيريا وغيرهما، وأن هذه الإرهاصات تنبي بظهور قراءات ديمغرافية جديدة مختلفة عن المألوف، وهكذا فأن إرتريا جزء من المخطط الإستراتيجي بما يقوم به حزب الجبهة الشعبية من أجل تهيئة إرتريا لغير أهلها، بيد أن أمر الله فوق كل شيء مهما كانت قوة أهل الأرض، فلا نعلم إلى ماذا ستنتهي هذه الأحداث.

إن هذه المعاني الإستراتيجية بأبعادها العقائدية والسياسية والاقتصادية والأمنية، لا بد من تأمين شواطئ البحر الأحمر الغربية لها، وأن دولة إرتريا من أهم المحاور في هذا الشأن، لكون الجزء الجنوبي من شاطئ إرتريا يقع عند مضيق باب المندب الذي ربما تم التحكم عليه من أرخبيل جزر دهلك، وتل وجزيرة رأس دميرة الإرترية، في المثلث العفري، ذلك بغرض تأمين التجارة وسائر والإستراتجيات العالمية من جهة، و تحقيق تأمين إسرائيل في الحاضر والمستقبل من جهتها.

كل هذه المعاني بكافة أبعادها، لن تتحقق إلا بإبعاد أو إضعاف المسلمين الإرتريين الذين هم سكان المنخفضات الإرترية المشتملة على كامل شواطئ إرتريا، ذلك لأن الغرب لا يرجو من المسلمين الإرتريين التعاون معه من أجل إنجاح مخططاته بسحق المسلمين في جزيرة العرب والشام.

وإذا كان الأمر كذلك، أليست هذه المعاني أسبابًا وجيهة لأن يشن حزب الجبهة الشعبية حربه ضد المسلمين لتحقيق أهداف إستراتيجيات القوى العالمية التي هو أحد جنودها في رقعة الشطرنج، وإن لم يكن الأمر كذلك، فما هو التفسير العلمي المؤيد بالتطبيقات العملية، وليس بكلام إنشائيٍّ لا يستند إلى علوم ولا معارف في هذا الشأن؟

لهذا أقول: بلى، إنها حرب صليبية طائفية ضد المسلمين بكل المعايير من جهة حزب الجبهة الشعبية، ولا ينكر هذه الحقائق إلا من لا يحسن القراءة، أو مستكبرٌ يتطاول على حقائق وثوابت التأريخ التي أخذت واقعها الزماني والمكاني، فلا يمكن محوها من ذاكرة الإنسان ومن صفحات التأريخ، ومن ذاكرة المسلمين الإرتريين خاصة بسبب خصوصيتهم في صنع أحداث التأريخ الإرتري المتصلة ببعضها خلال العقود السبعة العجاف الخـوالي، بيد ثَـمَّ حقيقة عظيمة الأهمية لا بد من معرفتها والتعامل بموجبها مع واقع حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، وهي:

إن حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، لم ولا ولن يُجمع على أعمال الغدر والعمالة ضد المسلمين وغيرهم لتخريب وطنهم الذي ناضلوا من أجله بمهجهم ومستـقبلهم، بل أن من سيقوم بأعمال التخريب هذه، ليس إلاَّ فئة من بين مكون الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا من قبلُ، ثم حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعادلة من بعدُ، وأن هذه الفئة قد صنفتُها سلفًا في كافة كـتاباتي مصبغًا عليها اسمًا علمًا هو: (لوبي اليـوتـوب النصـراني)، وذلك من أصل معتقدها وفعالها المترجمة بتطبيقاتها العملية على أرض الواقع، وهو لوبي مزيج من إرتريين وإثيوبيين، ومن هؤلاء، الذين يُعرفون في الداخل بـ: (دميش)، ومعهم قوة دمحيت العسكرية التي ذكرها بشيء من البيان البروفيسور تسفاظيون في كلمته السنوية التي نُشرت في بعض المواقع الإعلامية الإلكترونية الإرترية، كما استشهدتُ منها بشيء يسير في هذه الدراسة البحثية لربط سلسلة أحداث حلقات التأريخ الإرتري مذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حينه.

إن الدلائل الثابتة تشير عند قراءتها بمنطق العقل والعلم والمعرفة، بأن لوبي اليوتوب النصراني ظل متخفيًّا خلف أكمة وتحت أجمة الجبهة الشعبية منذ فترة النضال، ومن بعد الاستقلال الوطني، وإن أهداف حرب حزب الجبهة الشعبية ضد المسلمين، إنما هي أهداف لوبي اليوتوب النصراني الإرتري المُتحِّكمِ على حزب الجبهة الشعبية، وإن من أهدافه: التمهيد لقيام وحدة مع كل إثيوبيا، أو إقامة حلف متكامل الأركان بينه وبين التجراي لتحقيق تجراي تجرينيا على هيئة وصورة عصرية، أقول ذلك بقراءة الحقائق الثابتة التي لا يمكن إزالتها من صفحات التأريخ الذي هو آية من آيات الله الكونية.

إن تلك الحقائق مؤسسة على بعد إرث تأريخي نعلمه جميعًا، والقوى المعنية نفسها لا تنكر حقيقته، ولهذا فإن وجود قوة دمحيت العسكرية التجراوية في إرتريا بأعداد كبيرة، ورعايتها وتسليحها بعتاد متقدم رغم أنوف الإرتريين، لدليل على عظيم صحة هذه القراءة، لاسيما عندما نعيد قراءة مخطط إعاقة عودة اللاجئين الإرتريين، والذين في السودان خاصة، ذلك بالتواطؤ المُحكمِ بين حزب الجبهة الشعبية والسودان ومنظمة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وكذا الإعاقة الواضحة للكفاءات الوطنية من علماء وسياسيين وأكاديميين، والذين يحملون الشهادات العربية منهم خاصة بما جاء ذكره من قبلُ.

رُبَّ هذه المخططات تتكامل مع ما يجري حاليًا من تمهيد لفصل منطقة دنكاليا على التفصيل الذي جاء بيانه في الفصل الخامس في كتاب بعنوان: (إرتريا في قراءات سياسية)، وكذلك بما يجري من دعوات لإقامة دولة البجا التي ليس بد من إقامتها إلا على جزء من غرب إرتريا وشرق السودان، إن تمكن دعاتها من تحقيقها على أرض الواقع، بيد أن من المعلوم المؤكد، أن إقامة دولة البجا في تلك البقعة من أرض إرتريا والسودان، لا يمكن عقلا ومنطقًا أن يتحقق بعيدًا عن تصور تخطيط مشتركٍ بين المؤسسات السياسية والاستخبارية لدول الإقليم والقوى الإستراتيجية العالمية المهتمة بأمن البحر الأحمر المتضمن أمن إسرائيل وحماية هيمنتهم ومصالحهم المادية والعسكرية.

إني لا أقول هذا جزافًا، بل بناء على معلومات وطموحات نعرفها جيدًا، وهي جزءٌ من معاناتنا السياسية من جهة بعض القوى المختلفة، وربما بمغازلة عـواطف دعـاة دولة البجا، يتم التمهيد لاندلاع معركة ذات بعدٍ ثقافيٍّ في شرق السودان عامة، وفي إقليم البحر الأحمر منه خاصة، ذلك من أجل استكمال السيطرة على سواحل البحر الأحمر من مضيق باب المندب النافذ إلى المحيط الهندي جنوبًا، وحتى قناة السويس النافذ إلى البحر الأبيض شمالا، وإلى موطن صراع الحضارات في الشام حيث الأردن وفلسطين وإسرائيل شرقًا، وإلى مضيق هرمز في الجنوب الشرقي حيث حروب إبادة عقائدية بين السنة والرافضة من جهة، وخطط تثبيت أركان إستراتيجيات دولية وإقليمية من جهة ثانية، وهذه المسائل قد بحثتُ بعضها في الفصل الثاني من الجزء الثالث في كتابي بعنوان: (إرتريا والمأساة التأريخية)، وفي ذلك الموضع من الكتاب المذكور تناولتُ مستقبل الإرتريين في شرق السودان بعد إذ قسمتهم إلى ثلاثة مذاهب فكرية وسياسية واجتماعية بقراءة ظاهر واقعهم هناك، وإن تصور قيام كيانات اجتماعية من هذا القبيل، سوف لن نُسْتشَار فيه، فضلا من أن تكون من خيارنا.

ولما كان الأمر كذلك، فلا ينبغي أن تقوم هذه الكيانات الاجـتماعية الفكرية على جماجمنا، بل يجب أن نكون جزءًا فاعلاً في صناعة الديمغرافية المتوقعة، وإن لم نفعل كذلك فسوف نُصبحُ خارج الوطن رغمًا عنا، ومن يبقى منَّا في الوطن، يجب أن نعلم سلفًا أنهم سوف يكونون من صنف البدون، فانظروا أيها العـقلاء، أخَيْرٌ لنا لأن نلتقي ولو في الثوابت والكليات العامة التي لا نختلف فيها، أو نُصبح أشتاتًا نندب حظنا في الدمن والأطلال؟!

هذه هي الدراسات والأبحاث التي نحن في حاجة حقيقية إليها، وليست حاجتنا في توصيف حرب حزب الجبهة الشعبية الذي ضدنا، فالموت موتٌ على أي جنبٍ كان مصرعنا، والنتيجة المرجوة للقاتل واحدة، ولسنا أغبياء لنتيه في توصيف لا يعود إلينا بنفع في عاجلنا وآجلنا من أمر الدين والدنيا، هذا في الوقت الذي يُحقق فيه الأعادي كامل أهدافهم، بينما نحن في تيه أو كذلك يُراد لنا في متاهة تحديد طبيعة الحرب، ما إن كانت سياسية أو دينية طائفية، ثم نتيه مرة ثانية في تحديد نوع السلاح المناسب للمعركة، ألا تبًّا لدعوات التيه والتمزيق.

القراءة الثالثة، حول قوله، الطائفية وإن كانت أحد مستويات الصراع، لكنها ليست الواسم الأوحد.

وقال: "... وإن كان الطائفي أحد مستويات الصراع الحالي، ولكنه ليس الواسم الأوحد لطبيعة الصراع...................الخ"

أقول: بقوة بلى، إن الطائفية بالمعنى المعاصر يقصد بها الـدين، ولما كان الأمر كـذلك، هي الواسم الأوحد لدى المسلمين، ذلك لأن الأمر عندهم أمر دين لا يقبل إقرار ما يسيء إلى دينهم عقيدة وشريعة، أما ظاهر عدم مقاومتهم للباطل والقهر، فليس إلا لعجزهم بسبب تخلف إعدادهم المطلوب لمغالبة الباطل، وما ذلك إلا لتخلف قياداتهم عن القيام بالواجبات، وعندئذ لا تثريب عليهم حتى يتأهلوا فيعدُّوا العدة، والأمر لدى غير المسلمين على اختلاف مذاهبهم لا يتجاوز حد معاني مكاسب سياسية ومصالح مادية، ولأن هذه المعاني لا تتجاوز حدود الدنيا، نجدهم يفاوضون ويقايضون ويساومون دون تحفظ عن شيء إذا ما لاح لهم ما يحقق لهم قدرًا من المكاسب والمصالح.

وقال: "..، وبافتراض تأخير حق الحياة والحرية والعلم والعمل والأسرة، وتقديم حق العبادة عليها جميعا في وصفنا للصراع الراهن، فإننا نقر هنا بأن الصراع هو صراع ديني طائفي يستلزم نتيجة لذلك حربا دينية، والحرب الدينية هدفها، إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، إلى قوله: فإن النصر يعـني كسر شوكة أسياس وأتباعه، وقسرهم على تحويل دينهم أو دفع جزية صاغرين إن انتصر صاحب توصيف الصراع بالطائفي على أسياس وطائفته، فهل سيقوم بأحد الأمرين؟

ثم قال: الإجابة التي حصلنا عليها من هؤلاء، بأنهم غير معنيين بتحويل مذهب المهزوم أو إرغامه على دفع جزية، عملا بقاعدة لا أكراه في الدين."

أولاً، ما وددت أن أعلم أن هذا الكلام صدر عن أستاذنا الفاضل فتحي، بيد أني ما إن تذكرتُ القول المأثور لقائله فيما مضى: "أن لكل جواد كبوة"، هان علي الخطب، إذ كل منا إما قد كبا فعلاً يومًا، أو أنه يكبو يومًا، ذلك لأن كلامه انطوى على قدر عظيم من الربك الواضح بين المعاني والمقاصد، فأما الربك بحق المعاني، تقريره لفصل معان موحدة لا يقره عليها العلم الجمعي بمفهمنا المعاصر، إذ قد فصل بين حق الحياة والعلم والعمل والأسرة، فهو بفصله للمعاني الموحدة أوحى وكأنها مختلفة، وإن قالها بناء على فلسفة ما، فهو ليس وحي مسلمٌ به.

إن نَظْمَ الأستاذ فتحي للمعاني بهذا الصياغ لا تستقيم به المقاصد لفصله بين مفرداتها المنتظمة في عقد تتكامل فيه معانيها الذهنية، وما إن أظهر الحياة وكأنها ذات كيان مستقل بحقٍّ معلومٍ مطلوبٍ تحقيقه، فهذا قول لا أصل له في حقائق الكون، ذلك لأن كلمة الحياة تعني: تحقيق مطالب الناس في شؤون معاشهم للبقاء أحياء بتوفير الضرورات التي تقوى وتسلم بها أجسامهم وعقولهم من أجل القيام بواجبات المعاش من الأكل والشرب والدواء والكساء والرعاية الأسرية التي هي بين الدولة والأسرة، وكذا صيانة الملكية والتعليم والعمل، وضمان الحقوق الفكرية والسياسية والإنسانية، وهذه واجبات مسؤولة عنها الدولة، وكل ما يلحق ويتعلق بهذه المعاني، هو الذي يقصد به الحياة؟!

ثم قوله: ‘وإن كان الطائفي أحد مستويات الصراع الحالي’، فهذا قول فيه أمرين، أما أحدهما، أن كلمة: (مستوى) في هذا الموضع لا تفيد ما أرده منها، والصحيح حسب المقصود منها في مثل هذا الموضع هو: (وإن كان الطائفي أحد أسباب الصراع الحالي)، وهذا ما يجب أن يفه القارئ؟!

ثانيًا، إن التفريق بين جملة هذه المعاني، وبين قوله حق تقديم العبادة، قول غير مستقيم لنزوعه إلى أن العبادة ليست حقًّا أصيلاً في حياة الناس لدى الغالب من أمم وشعوب الدنيا قديمًا وحديثًا بما هو ثابتٌ أزلاً، وهو ما لا تستطيع البشرية إسقاطه قمطًا لأهله، وأن كل من يقمط الناس، أو فئة من المجتمعات حقوقهم، فما ذلك إلا عن فكر مستبدٍ-ديكتاتور- لمَّا كانت العبادة جزءًا رئيسًا في منظومة حقوق الناس في الحياة بالأصالة أو الابتداء بحسب حال كل مجتمع في زمانه، بيد أني أحسب أن هذا الفصل والتهوين من أمر العبادة ينطوي على إيحاء خفي للتهوين من شأن المعبود، وهذا بعدٌ خطيرٌ بحق العبادة والمعبود لكونه يعطي مسوغًا لتهميش العبادة لدى الأعادي عندما يكون قائلها مسلمٌ، وترقيقها لدى الناشئة خاصة.

ثالثًا، أنَّى لأستاذنا أن يقرر مسائل وأحكامٍ عظيمة في الشأن الشرعي، وشؤون الاجتماع بخطاب إنشائي بقـوله: ‘إن الإقرار بتقديم حق العبادة على حق الحياة والحرية والعلم والعمل والأسرة، إقرار بأن الصراع ديني طائفي يستلزم حربًا دينية، وأن الانتصار في الحرب الدينية يُفضي إلى قسر المهزوم غير المسلم إلى تغيير دينه أو إرغامه على دفع جزية’، وهذا قول مجافٍ للحق لا يقره عليه الإسلام، ولَمَّا كان الأمر كذلك فإنه ينبي باعتداءٍ على الإسلام، ليضاف إلى الاعتداءات التي يعاني منها المسلمون، ذلك لأنه كلام غير مؤسس على علوم الاجتماع المعاصرة باختلاف مدارسها، فضلا من أن يكون مؤسس على علوم الشريعة المُقعَّـدَة على أسس نصوص شرعية وقفية، وهو بهذا يمثل بعدًا سياسيًّا من جهة أكاديمي المدرسة الحداثية، كيف لا، وأن الكاتب ليس مبتدئًا، ولا هو ضحل الثقافة بما نعلمه عنه من تخصص أكاديمي متقدم، وبما يبدو لنا في كتاباته والمناصب التي شغلها في السلك الدبلوماسي ردحًا من الزمن، فالعلوم الاجتماعية وعلوم الشريعة، كلها قائمة على مدارس ذات قواعد ومرجعيات علمية بحسب مذاهبها الفكرية والسياسية المؤسسة على أهداف مكونها لأفكار أتباعها.

رابعًا، إن أفضل مثال يبين المراد هو: أن العـلوم التطبيقية كالطب والهـندسة والزراعة مـثلاً، لا يُفتِى فيها غير أهل الاختصاص في آحاد ميادينها، أما أن يُفتِي فيها أناس غير متخصصين بتفسير أحداثها وظواهرها، والأسباب التي أدت إلى ذلك، والنتائج التي ترتبت عليها جزافًا أو عمدًا أو استحسانًا، فهذا أمرٌ منكرٌ من جهة كافة العلماء حسب ميادينهم وتخصصهم فيه، وكذلك من جهة كافة أهل النظر، فإن ما قاله أستاذنا بحق الإسلام، ليس إلا جزافًا أو عمدًا أو استحسانًا، فهو إذًا لا أصل له في التشريع الإسلامي مذ عهده الأول وحتى حينه بعد الأربعة عشر مئة عام، ولهذا لا يحق له ولغيره أن يَتجرأ فيُفتي افتئاتًا على هذا الدين.

خامسًا، وبيان ما قرره أستاذنا بأن المسلمين المنتصرين يُرغمون المهزومين غير المسلمين على دفع الجزية قسرًا صاغرين، كونه كلام مؤسس على جهلٍ بأحكام الشرعية المقررة في هذا الباب بما هو ثبت في سيرة الرسول الله الكريم-صل الله عليه وسلم-، المحققة بجملة فعاله، وإقراره، وأقواله، وأن هذه علوم لا تُدرك إلا بالتتلمذ عليها في كتاب الله وسنة رسوله لمعرفة فقه أحكامها الجهادية، وليس ثقافة عامة تُنال من الصحافة والمدارس والأعمال الدبلوماسية.

إن من أهم الفقه في الجهاد الشرعي، أن يعلم المتحدث عنه، مراتبه، ومنازله، وأحواله، ومسمياته، وهذه التشريعات في الدين الإسلامي، يلزم وجوبًا العلم بها لمن يريد أن يتحدث عنها من طلاب العلم الشرعي، فضلا عن غيرهم بمعرفة الفرق بين الجهاد والقتال قبل أن يُفتي فيها بغير علم.

والسؤال البديهي هاهنا يقول: ما هو إذن الجهاد؟

-1الجهاد لغة: من الجهد، أي الطاقة، ومنها الجهاد بالافتعال.

-2والجهاد اصطلاحا في التشريع الإسلامي يعني محاربة الأعادي والخصوم.

-3ما هي إذًا مراتب الجهاد وأحواله ومسمياته بحسب أحوالها؟

أ- جهاد الطلب أو الفتح، وهو بقصد تبليغ الدين الإسلام في الآفاق.

ب، جهاد الدفع، وهو النفير لدفع عدوٍّ غازٍ-صائل- عن الأرض والعرض.

ج، القتال، والقتال يكون لحماية مصالح دولة الإسلام، أو لنصرة مظلومين، أو ردع مفسدين.

بيان بعض المعاني المجملة أعلاه.

إن جهاد الطلب تقوم به دولة الإسلام الحاضرة المعلومة باسمها وحدودها وشاراتها الظاهرة القائمة على بقعة أرض تعرف بها وتعرف بها، وأنها عند قيامها بهذه الشعيرة ومحاصرتها لدولة أو أي جمعٍ في حاضرة ما، فهي تُخيِّرُ أهل تلك الحاضرة بين الدخول في الإسلام ليتساوى الجميع في الحقوق والواجبات بحق الإخاء في الدين منذ لحظة استتباب الواقع الأمني والسياسي.

لكن ماذا لو أبى أهل تلك الحاضرة الدخول في الإسلام رغبة في البقاء على دينهم، خاصة أهل الكتاب، عندئذ لا يُرغمون على الدخول في الإسلام، وهنا تُوَقِعوا معهم دولة الإسلام عهودًا ومواثيق لضمان التعايش السلمي على قاعدة: (لكم دينُكم ولنا ديننا).

ومن أمثلة العهود والمواثيق الإسلامية، الوثائق التأريخية التي وقعها رسول الله-صل الله عليه وسلم-، أولاً ما كان مع يهود المدينة المنورة لكونهم من سكانها، وأن هذا البُعدُ في دين الإسلام وددتُ لو أن الأستاذ فتحي وغيره درسوه ليعلموا كم هي السياسة الشرعية دقيقة وعظيمة بثابت التشريع الذي لا يميل مع الحكام كما هو الحال لدى أنظمة الحكم الوضعي، فالإسلام يحمي ويصون التعايش السلمي بين سكان الوطن الواحد، وكيف أنه أرسى هذه القاعدة الجليلة قبل غيره من الأنظمة التي تكيل بمكيالين جورًا وكذبًا وتعسفًا.

ثم أن العهود والمواثيق التي أبرمتها دولة الإسلام مع بعض القوى الإقليمية في الجزيرة العربية، وأخرى التي وقعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- في إيلياء عند فتح المسلمون بيت المقدس وفيها النصارى واليهود.

قلتُ في جهاد الفتح، لو أن جيش المسلمين حاصر حاضرة، فإنه يُخيِّر أهلها بين الدخول في الإسلام، وبين بقائهم في دينهم، خاصة أهل الكتاب، وبينتُ فيما لو دخلوا في دين الإسلام ماذا يكون الحكم بحقهم، ولو أنهم رفضوا الدخول في دين الإسلام لكنهم طلبوا السلام والبقاء في دينهم، ماذا يكون الحكم بحقهم، ولو أنهم أبوا لا الدخول في الإسلام، ولا التعايش السلمي بينهم وبين المسلمين، وفضلوا خوض حرب ضد جيش الإسلام، وقدَّر الله هزيمتهم على أرض الواقع، هنا تجري عليهم أحكام مقاصد الدين الإسلامي كما هو الحال مع كافة قوى العالم المتغالبة إذا ما انتهت بينهم معركة المغالبة على حال منتصرٍ ومهزوم، وهذه حقائق معلومة حوادثها في سجلات توثيق التأريخ في القديم والحديث بين حواضر الأمم والشعوب، بيد أن أنصع وأنزه وثائق سجلات حوادث تأريخها على الإطلاقً، هي التي وقعها المسلمون المنتصرون مع غير المسلمين المهزومين بشهادة الوثائق المحفوظة في كتب التأريخ ومتاحف العالم الغربي.

أما جهاد الدفع، فهو نفير عام لكافة المسلمين القادرين على حمل الـسلاح رجـالاً ونساءً، كـبارًا وصغـارًا، وكذا القادرين على تقديم مساندة للمقالتين الدافعين الغزاة المعتدين عن الدين والأرض والعرض والمال، ذلك لأن العدو الغازي الصائل، لن يميز بينهم إذا ما تمكن من دخول ديارهم، بل يقتلهم جميعًا دون تمييز بين ذكرانهم وإناثهم، وبين كبارهم وصغارهم، وأنه ينهب كل ثمين وما يستطيع أن يحمله من أموالهم، وأنه ربما اغتصب نساءهم، وأنه يهدم عمرانهم، وأنه لا يدخر وسعًا لفعل كل منكرٍ وتخريب بحقهم.

وأما القتال، فهو ما يقع عادة من مواجهات عسكرية بين المسلمين وغير المسلمين في مسائل لا تتعلق مباشرة بأمر الدين، لا تبليغًا له ولا دفاعًا عنه، فربما كان بسبب خلاف في حدود بين دولتين وما في حكمه من مصالح متنازع عليها، وربما كان انتصارًا لغير مسلمين تم الاعتداء عليهم ظلمًا، وربما كان بين دولة الإسلام ومسلمين بغاة، وربما كان بين دولة الإسلام وعصابات قطاع طرق الذين ينهبون الأموال ويرعون الآمنين، وربما كان بين دولة الإسلام والمفسدين من صنف المتاجرين بالمحرمات.

فإن كل من لا يعلم هذه الأبجديات من علوم السياسة الشرعية في دين الإسلام لا ينبغي أن يتجرأ على مثل هذا الكلام العظيم الذي لا يُقدِمُ عليه أهل العلم إلا بحذر، ذلك لأن المفتي في منزلة الموقع عن الله تبارك وتعالى، فليحذر الذين لا يعلمون أن يُوَقِّعوا عن الله بجرأة، هذا إن كان الموقع عن الله مسلمًا، أما الكافر فلا يُسال عن مثل هذا، فالكفر بالله أعظم من القول على الله، وبارك الله على امرئ عرف قدر نفسه.

سادسًا، أما عن الإجابة التي حصل عليها أستاذنا الفاضل من الذي استفتاه عن بعض معاني الجهاد فأفتاه، وإن كانت فتوى المُستفتىَ في مجملتها صحيحة، بيد أنه كان عليه أن يبين للمُستفتيِ الأحكام الشرعية لكي لا يقع في أمر الدين بمثل ما وقع فيه جهلاً بأحكامه، وبالقراءة التحقيقية يتضح أن هدف أستاذنا فتحي كان غير الإجابة التي حصل عليها، وإلا فلمَ لم يقف عند حدود الفتوى ما لم يدحضها بدليل صحيح.

سابعًا، هنا لعل القارئ الحصيف الباحث عن الحقائق والكلام المؤسس أن يقول: ماذا تعني يا أبا أسامة من قولك: وبالقراءة التحقيقية يتضح أن هدف الأستاذ فتحي كان غير الإجابة التي حصل عليها، إذ لم يقف عند حدود الفتوى، ومثل هذا التساؤل قد يكون سببه، أهمية ما نجريه بيننا من حوارٍ علميٍّ سياسيٍّ هادفٍ، وأن هذا الحوار إنما هو وثيقة تأريخية سوف نتركها لمن يأتون بعدنا، لهذا فإني أعني ما أقول بما سيأتي بيانه تاليًا في فقرة: (البعد السياسي في المقال) وأن هذا القول قد أسسته على إقرار الأستاذ فتحي، إذ قال: الإجابة التي حصلنا عليها من هؤلاء هي قولهم: "أنهم غير معنيين بتحويل مذهب المهزومين، أو أرغامهم على دفع جزية، عملا بقاعدة لا أكراه في الدين"، وأن قوله الإجابة التي حصلنا عليها من هؤلاء، تفيد هو وهم على النقيض، أي لا يجمعهما الأمر الذي جرى نقاشه بينهما بموجب لغة الخطاب.

وقال: .......، " والحقوق الشرعية كما نفهمها لا تخرج عن المقاصد الخمسة للشريعة وهي: حفـظ النفس والدين والعـقل والـنسل والمال، وهي نفس الحقـوق الإنسانية الأساسية المذكورة أعـلاه، وبهذا يعود صاحب التوصيف الطائفي للصراع إلى المربع الأول بحكم أن الصراع هو صراع من أجل الحقوق كلها بما في ذلك الحقوق الدينية التي تلي منطقا وفهما الحق في الحياة والحق في الحرية. "

نعم، قد يكون ثمَّ قدر من التوافق العام فيما ذهبت إليه من عموم الحقوق الناس في الحياة، لكنك أخطأت عندما زعمت بأن نفس الإنسان تحفـظها أنظمة وضعـية كفرية قد قننت حماية لكافة الحالات المؤدية إلى الاعـتداءات على النفس الإنسانية بصناعتها لواقع الفوضى باسم المدنية وحقوق الإنسان المزعـومة، فهي تحمي تلك الفوضى بما قـننـتـهُ لها في دساتـيـرها، بل لقد أبعدَ الغرب والذين يقتفون آثاره بما سنته حكوماتهم من إباحة ممارسة الزنا صراحة، وقد أثبتت ذلك بنصوص صريحة في دساتيرها، ولهذا فمن حق الفتيات وهن في أسنان مبكرة أن يمارسن الجنس كيفما شئن مع من أحببن، والأسوأ من كل ذلك، لا يهم علم أو جهل الآباء بما يفعله الأبناء، إذ قد جُرِّد أولياء الأمور من حق المراقبة والاعتراض على الأبناء.

نعم، لا يهم علم أو جهل الآباء بما يفعله الأبناء بعد إذ لم يعد لهم حق النظر فيما يفعله الأبناء بعد سنٍّ معينةٍ بموجب الدستور الذي جرَّد الأسرة عن مسؤولية الدين والأخلاق والإنسانية، ولهذا فكما يحق للفتيات ممارسة الزنا، فلهن الحق أيضًا أن يجهضن أجنتهن بموجب القانون، وهذا هو سبب قوة ورواج وانتشار شركات تصنيع وتسويق مواد منع الحمل والإجهاض علانية في أسواق العوالم المادية، وأن معظمها شركات مملوكة لكبار المرابيين الأميركيين.

وأنك أخطأت عندما زعمت بأن الدين الإسلامي يكون تبعًا لغيره كما جاء وبيَّنْتُهُ من قبلُ، وها أنا ذا هنا أبيِّنُهُ أكثر، فهذه الأنظمة قد قننت سلفًا هتك الأعراض بإباحتها فاحشة الزنا، وفاحشة اللواط التي هي أقبح رذيلة كونية من بين جملة الفواحش المباحة في الغرب.

نعم، إنها أقبح رذيلة لكونها تنتهي في مجتمعاتهم بإقرار التزاوج بين الذكران الذي عُرف عندهم بـ: (المثلي)، وهي ظاهرةٌ بعيدة بعدًا سحيقًا عن خلق الآدميين في كـل زمان ومكان، فكم هي شنيعة تقشعر من هولها أنفس الكرام لمجرد تصورها، بصرف النظر عن دياناتهم، لكونها ضد الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها، وأن الجنس البشري لم يعرف في تأريخه أسوأ منها بشاعة على الإطلاق، وإن أقل ما يمكن قوله عن هذا التردي غير المسبوق إباحته وتقنينه، أنه: (ولوغ في مستنقعات الرذيلة الأشنع).

نعم، إن دساتير الغرب تحمي هذا المسخ بـادعاء أنه من لوازم المدنية وحقوق الإنسان بحسب زعمهم المنحرف، وبالتأسيس على ذلك، فالذين يفدون إليهم من دعاة ومصلحين من كل الأديان والمذاهب، لا يحق لهم الاعتراض على هذه الأنظمة الممسوخة الساقطة.

إن كل من يتجرأ لمنع أبنائه من ممارسة هذه الفواحش، فقد تم سلفًا سن قوانين لمعاقبته، وبهذا فقد قضى الغرب وأتباعه على سلطة الأسرة التي قضى الإسلام بأنها شرطٌ من شروط قوامة الحياة بين أفراد الأمة بما جاءت به التشريعات الإسلامية، فقد قال الله جل شأنه في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}

والأمر العجيب المفجع، أن المجتمع الغربي بقضائه على سلطة الأسرة في دساتيره، وتكميمه لصوت العقل والحكمة، قد أحكم تأسيس نظريات مفضية إلى القضاء على مجتمعاته، فعل بها كذلك بعد أن أغرقها في حالة تغييبٍ وتيهٍ وغرورٍ، فقد جاءت دراسات علمية محققة من لدن علماء الغرب أنفسهم، بأن أوربا خلال العقود التالية سوف تصبح أقليات لا قيمة لها في أوطانها، وفي أميركا سوف لن يوجد ابن حلال يرجع إلى أم وأب معروفين تم اقترانهما بزواج معلوم، باستثناء بعض مناطق الريف النصرانية النائية، ويبدو أن أهم أسباب التالية:

-1إن أفراد مجتمعاتهم بدوا يعزفون عن الزواج لتشبعهم بثقافة التحرر عن سلطة الأسرة.

-2إن أفراد مجتمعاتهم وجدوا ما يشبع رغبتهم الجنسية بلا تكاليف مادية وتبعات قانونية.

-3إن أفراد مجتمعاتهم هُيئت بهذه المواصفات والخصائص الحيوانية وهي في هيئة آدمية.

-4إن المراد من صناعة أفراد تلك الأمم على هذه الشاكلة، ليس إلا من أجل تحقيق أبعاد فكرية وسياسية معلومة بأن صانعها هي قوى (الروتشيلد) التي تقود العالم من خلال أميركا خاصة كما جاء ذلك في كتبٍ محققةٍ لكتاب وباحثين غربيين، لذا نجد أفراد هذه المجتمعات أقل ثقافة رغم ما تتمتع به دولهم من إنتاج تقني ومادي متقدمٍ جعل العوالم الأخرى عالة عليه.

-5وفق دساتير أنظمة الغرب، نجد أن حقوق أفرادهم في الحياة قد بُسطت بما يوافق تلبية نمط تطبيعهم بما صنعوهم عليه فكرًا وخلقًا بعد تجريدهم عن الدين والفضيلة.

وأنك أخطأت عندما زعمت بان العقل تحفظه أنظمة وضعية كفرية قد قننت حق تعاطي الخمر صناعة وشربًا وتجارة، لتُبقي مجتمعاتها في حالة لهوٍ وتبلدٍ وربك تيهٍ فكريٍّ دائم، حتى أصبحت طبائع تلك المجتمعات في جملتها، أقرب إلى طبائع الحيوانات.

وأنها بهذا التصنيع إنما تفتك بشعوبها الغافلة لاعتدائها على أنفسهم وعقولهم على السواء، وبمصادرتها لخصائصهم الإنسانية بتسهيلها وإشاعتها لشهوات البطون والفروج وحب المال، بهذا فقد غدت عليهم لصالح أصحاب رؤوس أموال المرابين المسيطرين على أميركا خاصة، أما الإسلام فيأمر بحفظ النفس والعرض والعقل بما جاءت به نصوص شرعية قطعية لا يسع المقام لسردها هنا، فآيات القرآن الكريم التي تحدثت عن العقل مباشرة، أو مقصودٌ بها العقل، قريبة من ألف آية، وكذا الأحاديث كثيرة أيضًا.

وأنك أخطأت عندما زعمت بأن المال تحفظه أنظمة وضعية كفرية تقوم على المراباة في كافة صنوف المعاملات المالية، وأن الجميع من المسلمين وغير المسلمين يعلمون ما فعلته قوى الروتشيلد المرابية بالمجتمع الغربي عندما حطَّمت اقتصاده بما هو ثابتٌ في كتب التأريخ لعلماء الغرب نفسه، ولهذا فالربا محرَّمٌ في الإسلام تحريمًا قطعيًّا.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}

وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-"اجتنبوا الموبقات" قالوا: يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"

القراءة الرابعة، حول ما قاله عن الحياة والحقوق الأساسية فيها.

 ثم معانٍ أخرى ذات أبعادٍ خطيرة ليس بدٌ من الوقوف عليها بشيء من البيان باعتدال يسعه المقام، ذلك لأن تركها بالتعميم والربك الذي أجراه بحقها أستاذنا الفاضل لا يمكن إقراره بالسكون عنه لما فيه من تزييفٍ لحقائق الواقع السياسي، وتحريفٍ لحقائق ثابتةٍ لمقاصد تشريع الدين الإسلامي، ولهذا لا بد من قراءة بعض أبعاد هذه المعاني باختصار لائق لما لم استوفها حقها فيما فات، وهي على النحو التالي:

قال الأستاذ فتحي:" إذن وبموجب القهر السلطوي والحرمان من الحقوق الأساسية فإننا نخوض صراعا من أجل الحقوق الأساسية، أولها حق الحياة ثم الحقوق الأخرى........الخ."؟!

قال بعض الفلاسفة وغيرهم عن الحياة ما جملته بعض النصوص التالية:

"معنى الحياة يلعب دوراً هاماً في المفاهيم الفلسفية والدينية الوجودية، والعلاقات الاجتماعية، والوعي، والسعادة، والعديد من القضايا الأخرى، مثل المعاني الرمزية، الأنطولوجيا-علم الوجود-، القيم، والأهداف، الأخلاق، الخير والشر، الإرادة الحرة، وجود إله واحد أو عدة آلهة، المفاهيم عن الله، الروح، الآخرة.

وقالوا أيضًا: المساهمات العلمية تهتم بوصف الحقائق التجريبية ذات الصلة بالكون، واستكشاف سياق وكيفية الحياة. العلم أيضا يدرس ويقدم التوصيات للسعي من أجل الحفاظ على الوجود وتقديم نموذج لفهم الأخلاق. البديل لذلك، نهج إنساني يطرح السؤال: "ما هو معنى حياتي؟" قيمة الجواب تتعلق بالغرض من الحياة وقد تتعلق مع التقييم للواقع في نهاية المطاف."

وقال أحد الأثرياء من غير المسلمين الذي تمتع بكافة أصناف متع الحياة التي منه أجملها النساء وأطايب المآكل والمشارب، وأرقى الملابس، وأفخر العطور، ومع ذلك لم يجد ما يشبع نهمه وهو يبحث عن ملذات كلها، بل ظل يشعر بفراغ، عندئذ قال: " لماذا أشعر بهذا الفراغ؟ "ثم أجاب نفسه بنفسه فقال: " لأن الله خلقنا لهدف أسمى من مجرد الاستمتاع بحياتنا الحالية."

لقد صدق الرجل، ذلك لأن الرغبة في المزيد من مكاسب الحياة لن تبلغ تمامها ما بقي الإنسان وهو يتشوف إلى مزيد من معانيها المادية، أما في كتاب المسلمين-القرءان القرآن- فقد جاءت معنيين عن الحياة، أحد أهما مذهب الماديين الذين ربطوا بقاء الإنسان في الحياة وزواله عنها بالمعنى المادي المحسوس، وهو ما قالت به المادية الجدلية-الديالتيكية- دون برهان علمي، ومما جاء في القرءان عن ذلك من جهالاتهم قبل أن نسمعها من هؤلاء قول الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}

وأما مذهب المسلمين المؤمنين بالقرآن، فقد فهموا من ربط الله لكلمة الحـياة بكلـمة :(الدنيا)، بأن هذا الربط يفيد أن ثم حياة أخرى عالية غير هذه الحياة الدانية، والحياة الدنيا لذلك ليست أكثر عن كونها دارُ عمل يُستوفى العامل فيها أجره في دار باقية عـالـية مختلـفة تمامًا، فهي لا عمل، ولا موت، ولا نصب، ولا تعب، ولا كدر، ولا هم، ولا غم، ولا هرم فيها.

إن الحياة هناك إما في نعيم مقيم، وإما في عذاب مقيم، وهو عذاب في نار جهنم لا أملٍ للخروج عنه ولا لتخفيفه، ولهذا يقول المؤمنون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، من هنا فإني أقول لتقريب معنى الحياة، الكلام اليسير التالي:

إن فهم معنى الحياة يتحقق بفهم الظواهر أو العناصر المكونة منها الحياة-الوجود-، أي يتضح به فهم واقع معنى وجودنا في الحياة، وأهم الظواهر أو العناصر المكونة للحياةِ هي: الأرض والسماء ومن فيهن، والسنن الكونية الثابتة والمتغيرة فيهما وبينهما، ومن ذلك:

عظمة آيات الليل والنهار، والنوم واليقظة، والحياة والموت، والفرح والترح، والفقر والغنى، والسعادة والحزن، والزروع والقحط، والعدل والجور، إلى آخر ما يمثل تفاصيل معنى الحياة ما ظل الإنسان على الأرض حيًّا، وما يترتب على ذلك بعد موته فيزول عن ظهرها على أي حال كان زواله منها، وهذه أمورٌ يؤمن بها وبما يترتب عليها البعض تحققًا وليس احتمالاً، ويكفر بها آخرون دون القدرة على إثبات ما سينتهي إليه آلهم بعد الممات إلا ظنًا واحتمالاً.

إن هذه المعاني بأبعادها التفصيلية تقودنا إلى فهم معنى خلق الحياة، ومن أعظم ما نصل إليه من فهم صحيح للحياة هو: أنها لم تَصْنعْ نفسها بنفسها، وأن وجود الإنسان فيها لغاية عمارتها، وأنه مكلف فيها، لا كما يقول الملحدون، أن وجود الإنسان فيها لا يتجاوز حد التمتع بالأكل والشرب، وبصنوف ملذاتها من سلطة وممتلكات مادية توفر الرفاهة والسعادة بأطايب ما فيها، وبلذة تبعـل الجنسين فيها بما جاء ذُكره في المجتمعات المدية، وتضييق معنى الحياة على هذا يدل على عقم فكر الملحدين الماديين.

ويقولون أيضًا: أن الإنسان كغيره من الكائنات يتحول مكونه المادي بعد موته إلى سماد يُغذي الأرض، فيصبح مع دورة الحياة جزءًا من زروع ونباتات وأشجار تَنتُجُ عنها ثمار ولحمٌ وحليب، وبهذا لعل أحدنا أكل أو شرب قريبه في ثمرة أو لحم أو ماء أو حليب، ولتأكيد عـقمهم الفكري هذا، لم يتركـوا إرثًا فـكريًا عن الروح، وعن طبـيعتها وسـرها ومصـيرها، بل كل ذلك رموه إلى ما أسموه: (ما وراء الطبيعة)، وأنهم يفسرون هذا الاصطلاح بقولهم: (الأمور التي لا تخضعلـقوانين الطبيعة، أي، أنها الأشياء التي تتجاوز حدود الطبيعة)، وبهذا العقم الفكري قد أصبح هؤلاء دون الذين سألوا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-عن الروح بقصد إحراجه أو اختباره أو طلب المعرفة منه.

ولما لم يكـن لكافة بني الإنسان والمـلائكة والجن، عِـلمٌ بأمـر الـروح عـلى الإطـلاق، ولما كان أمرها مفوضٌ إلى الله الباري جلَّ شأنه، وعظم سلطانه، وتقدست أسماؤه، قال لرسوله-عليه الصلاة وسلم-ردًا على سؤالهم:

{وَيَسْألُونَكَ عَنْ الْرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}

والحقيقة أن المصير النهائي للإنسان خاصة، ليس كما ضل فيه الملحدون، بصرف النظر عن مصير لحمه ودمه وفرثه وعظماه وبقية مكوناته المادية التي أصلها من ماء وتراب، وأنها تعود إلى أصل فطرتها بأمر باريها الذي قدر كونًا ثوابتها ومتغيراتها، ولما لم يكن خَلقُ الإنسان عبثًا، فقد تم تكليفه استثناء بما ميَّزه الله به عن سائر المخلوقات بعقل يفكر ويقدر، فجعله بموجب هذا العقل، سيدًا ظاهرًا في الحياة الدنيا، وأن كونه سيدًا في هذه الحياة يعني: أنه سوف يُسأل في الدار الآخرة استثناءً عن الشؤون العامة والخاصة بموجب استحقاق السيادة التي منحها إياه ربُّهُ، ما إن كان ما أفضى إليه وفق سنن الله الشرعية المحكمة إيمانًا بما جاءت به رسل الله، ثم أداءً لواجباتها من عبادات ومعاملات بحسب استطاعته، أو بالسير فيها وفق سنن الله القدرية التي تحكم حركاته وسكناته، أم أنه قضى حياته فيها وفق تصور أنظمة وضعية تخالف شرع الله وسننه الكونية الثابتة والمتغيرة، تلك السنن الكونية المنتظمة بها نواميس الحياة كلها، وهي بهذا تمثل لدى أهل النهى، عِقدًا جميلاً متكامل التنسيق بفعل حكيمٍ عليمٍ خيرٍ، الذي بدأ خلق الوجود، فله الحلق والأمر.

إن خلق الله للوجود بمقتضى حكمته، أعطى لكل المخلوقات خصائصها الخلقية التي تعني منزلتها في الكون مما نعلمه ومما لا نعلمه، وأن خالقها لقادر لأن يعيدها إلى أصل منشئها، وأن المصير النهائي لبعض مخلوقاته غير المكلفة من الحيوانات والجمادات على اختلافها، هو العدم بعد الاقتصاص من بعضها كما ثبت ذلك في صحيح السنة المطهرة، أما بني الإنسان والجن المكلفين فيها، فيكون مصيرهم النهائي من بعد المحاسبة والاقتصاص، إما إلى جنة أو إلى نار، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}

بهذا الفهم المتقدم لمعنى الحياة، فإن الحياة تمثل بلا ريب مقاصد باريها الذي لم يتركها لتُسيِّر نفسها بنفسها لما لم تكن ذات عقل مكلفة تفكر فتقدم وتؤخر، ولم يتركها أيضًا ليُسيِّرها العقلاء الذين هم جزء من مكونها لما كانوا جزءًا مخلوقًا فيها دون اختيارهم ولا استشارتهم.

وما إن نفهم هذه المعاني بأبعادها الراقية سوف نصبح أهلا لنتصور صناعة واقعٍ جمعيٍّ صحيحٍ مستقيمٍ وفق قدراتنا، وعندئذٍ فقط، سوف نستوعبُ معنى الحياة الذي يتجاوز تعاقب الليل والنهار، والمصالح المادية والملذات، وعندئذ سوف نعيش بسلام ووئام وانسجام تامين، لا أن يتصور أحدنا أن الحياة كائنًا قائمًا مستقلا عاقلا، فنُطالب بحقوقها كقول قائلنا:

"فإننا نخوض صراعا من أجل الحقوق الأساسية، أولها حق الحياة ثم الحـقـوق الأخرى"، أقول ذلك صارفًا النظر عن المقاصد التي ربما تعلل بها بعضنا، فإنما نتعامل بلغة نقدم بها خطاباتنا الفكرية والسياسيَّةٍ وغيرها خطاباتنا الأخرى.

نعم، من دون هذا الفهم المتقدم لا سبيل لصنع واقعٍ جمعيٍّ صحيٍّ نقيم فيه العيش بسلام ووئام وانسجام تصان وتُحفـظ فـيه الضرورات، وإذا ما فشلنا في صنع واقع هذه المعاني، فبلا ريب أبدًا أن البديل هو: تحقق معاني الفوضى، البطش، التخبط، الربك، الاضطراب، سفك الدماء، ضياع الحقوق، إقصاء الضعيف، ولما لم يفهم أو يتجاهل حزب الجبهة الشعبية هذه المعاني بكل أبعادها، فليس ذلك إلاَّ لكونه حجرة صغيرة في رقعة شطرنج الأقوياء الذين لا تهمهم هذه المعاني لصالح الشعوب الأخرى-الجويم-؟!

نعم، هذه هي الأسباب الحقيقة التي جعلت حزب الجبهة الشعبية الحاكم يعمل لتهيئة إرتريا لغير أهلها، ذلك بإنفاذ خطط صانع الشطرنج المتحكم في إدارتها، ثم يأتي من يدعونا إلى توصيف الحرب التي يشنها ضدنا هذا الحزب الذي لا يفتأ ينشر بين المواطنين كل معاني الفساد والتفسخ والانحلال، عن الدين وعن كل القيمة الفاضلة، كما هي حال المجتمعات الغربية التي أسست نظمها الجمعية على مسخ وانحلال كل أفرادها، وكون حزب الجبهة الشعبية يسير وفق خطط صانعي رقعة الشطرنج، إنما يريد من ذلك انفراط عقد المجتمع الإرتري كما انفرط عقد المجتمع الغربي، وكثير من المجتمعات الشرقية من أجل تحقيق أهداف صانعي الشطرنج، فالمجتمعات الغربية والتي تتبعتها، يرون اليوم أن ما كان في مجتمعاتهم ذات يومٍ فضيلة، فقد غدا اليوم عندهم رذيلة، وما كان عندهم ذات يومٍ دينًا وخلقًا قويما توارثته أجيالهم جيلاً بعد جيلٍ، قد غدا عندهم اليوم تخلفًا ومصادرةً للحريات الخاصة والعامة، إنه المسخ الذي يحاكي مسخ الله جل جلاله لبعض بني إسرائيل إلى قرود حقيقية عقابًا لهم كما جاء ذلك مفصلا في كتاب الله.

ما هو بعد هذه القراء؟

بهذه القراءة الواعية التي تُصوِّر البون الشاسع بين المعاني الراقية الناهضة بالإنسان، وبين المعاني الساقطة التي تجعل الناس يلغون في مستنقعات الرذائل، نعلم أن المعاني الراقية في بعدها الديني قد جاءت من قبلُ في التوراة والإنجيل على أي صيغة كانت مخاطبته لتلك المجتمعات بها في زمانها وواقعها الجمعي الحضاري الغابر، وخُتمتْ بالقرآن الكريم للتأكيد على الفضائل ودحض الرذائل، وبهذا فقد قال كثير من الحكماء والأدباء والمصلحون في الأزمان الغابرة، كما هم يقولون بها في واقعنا المعاصر، ذلك لأن الكتب المقدسة كلها منزلة من عند الله الواحد الأحد، وأن الحكماء والأدباء والمصلحون كانوا من مدرسة هذه الكتب، فهم إذًا خيار شعوبهم، وهذا هو مراد الله من إنزال الكتب لإصلاح المجتمعات البشرية.

أيضًا من معاني الحياة والحقوق الأساسية فيها.

إننا هنا أمام دعوة للتفكر بإلحاحٍ لازم القراءة بغرض معرفة معـنى الحياة بناء عـلى قول أستاذنا: "وعندما يشن النظام حربه على الشعب فهو لا يشن حربا دينية هدفها تحويل الشعب من معتقد إلى معتقد، أو يقوم بحملات صليبية بهدف تنصير كل إرتري مسلم، ولكنه يستولي على السلطة والثروة ويحرم الناس من حقوقها الأساسية والتي من ضمنها الحق الثقافي، والذي يأتي تاليا لحق الحياة الأساسي والحق الاقتصادي في الارتزاق، والحق في الحرية والحركة" بهذا التقديم للمتأخر، وتهوين الأولويات، نجدنا أمام ربكٍ كبير لإعادة نظم هذا الخلط بين جملة المعاني المطلوب تحقيقها، وهذا تقرير يحتاج إلى إعادة الصيغة، وقد تكلمتُ عن كثير عما جاء في هذا الشأن، بيد أني هنا بصدد قراءة أخرى لمعاني الحياة مما لم أتعرض له أعلاه بحسب المقاصد لبيان المعاني.

في القراءة الثالثة قد دحضتُ نظرية الأستاذ فتحي القائلة بتبرير شن حزب الجبهة الشعبية حربه ضد الشعب الإرتري، كونها حربٌ من أجل الاستيلاء على السلطة والثروة من جهة، وليس الهدف منها تحويل الشعب من معتقد إلى معتقد من جهة ثانية، وأنها ليست حملات صليبية الهدف منها تنصير مسلمي إرتريا من جهة ثالثة، وأثبتُ أن هذه أفكار غير صحيحة، وأنها تنطوي على معانٍ وأبعاد غير عادية أبدًا، لذا كان لا بد من دراستها وبحثها بروية بما أفهمه من مفردات اللغة العربية، وأبجديات علوم السياسة التي أصبحت قدرنا منذ نشأتنا، وفي هذه القراءة سوف أكمل الحديث عن بعض المسائل التي لم أسبر أغوارها، فبين أيدينا حديث متكرر عن ‘حق الحياة’، ولكن بقراءة أخرى، فتكرار الحديث عن حق الحياة من زاوية أخرى يوحي بتوكيد أبعادٍ فكرية يراد تحقيقها على أرض الواقع، وأن هذا التوكيد لا شك يتعلق بحاضر ومستقبل إرتريا، بيد أن المراد من ذلك لم يتضح لي، فأعدتُ قراءتها مراتٍ ولم ازدد علمًا، فهو وحده الذي يملك بيان مراده، ولن نصل إلى ذلك إلا بالإجابة على بعض الأسئلة المهمة عما أسس عليه أستاذنا فتحي معنى حق الحياة كما يعتقدها ويريدنا أن نفهمها ثم نعتقدها كذلك، والأسئلة التي أعني، هي على النحو التالية:

أولاً، هل الحياة كائنًا حيًّا عاقلاً، أم غير حي ولا عاقل؟

ثانيًا، ما هي حقوقها التي كافة الحقوق تأتي تاليًا لحقوقها كما هو مقرر في نص المقال؟

ثالثًا، مَن المسؤول عن استيفائها حقوقها التي أسميتها حق أساسي؟

رابعًا، ما هو الفرق بين حق الحياة وحقوق الناس في الحياة حسب ما ذهبت إليه؟

خامسًا، إذا كان المراد بالحياة أنماط المعاش المترجمة في نظم حكم الدول لدى المجتمعات المدنية خاصة، ونظم التعليم، ونظم الاقتصاد والتجارة، وحدود الحقوق والحريات الفردية، وحدود الحقوق الفكرية والسياسية العامة بما درج عليه الناس وكذلك نفهمه، إذا كان المراد كذلك، فهل هي:

-1الحقوق المؤسسة على المناهج المادية الإباحية المتفسخة المنحلة كما هي في دساتير الغرب التي مسخت مجتمعاتها، ثم غدت تمسخ مجتمعات العوالم الأخرى؟

-2أم هي الحقوق المؤسسة على المنهاج الإلهي المفصل في التشريع الإسلامي الذي يُراعي بين ما تعارف عليه الناسُ وهو لا يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية لموافقته الفطرة التي تكون فيه حرية الإنسان في الحياة نسبية، لكونها تخضع لمقاصد التشريع الإسلامية أصالة، وليس لنزوات وشهوات الإنسان؟

هذه التساؤلات لا بد من الإجابة عليها من أجل خلق واقع وعي مشتركٍ يُمكننا من الاتفاق على فهم يكون أقرب إلى الحق والصواب، وبذلك فقط نتمكن من النهوض بمجتمعنا بالتزام أولوياته الضرورية بعيدًا عن التنظير الفلسفي الذي لا يخدمنا في حاضرنا ولا في مستقبلنا.

القراءة الخامسة، بمعرفة صانع الحدث، يُعرف الهدفُ من الحدث.

مقال الأستاذ فتحي من أوله إلى آخره كان عن سبب حرب حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة ضد المسلمين خاصة، ولما كانت القراءات الأربعة لنصوص مقال الأستاذ فتحي بمنهاج الاستقراء التحليلي المؤسس على معانٍ فكريَّةٍ، وأهدافٍ سياسيةٍ، فالقراءة الخامسة تستنبطُ معانٍ أخرى باستقراء التعرف على حزب الجبهة الشعبية لمعرفة الأهداف التي يريد تحقيقها من صناعته لواقع أحداثها، وليس من أصل بُعد فكر كاتب المقال، فما هي القراءة المستنبطة إذًا.

قبل الدخول إلى ما أريد قوله، من الأفضل أن نشترك في فهمٍ عامٍّ لمعنى الاستنباط لغة واصطلاحًا، ففي اللغة العربية التي هي لغة ثقافتنا وأداة تحاورنا لعرض أفكارنا من خلالها، فمصدر كلمة استنباط هو: (النَّبَطُ)، أي الماء الذي يَنْبُطُ، أي يخرج من قعر بئر إذا ما حُفرَ، وطلب الماء النابط في قعر البئر من بعد استقراره فيه يقال له: (استنباط)، أي استخراج الماء المتجمع في البئر، كقولنا استغفار، أي طلب مغفرة من جهة ما عن خطأ ما، وكقولنا: استبيان، أي طلب بيان من جهة ما، تملك حق بيان فكرة ما أو قصد ما...............الخ.

أما اصطلاحًا، فالمراد بكلمة: (استنباط) يعني في ميادين العلم والمعرفة، استخراج معانٍ ومقاصدَ أحكامٍ وأقضيةٍ عظيمةٍ في مسائل الحقوق، وكذلك معانٍ عظيمةٍ أيضًا في البعد الفكري والسياسي عند معالجة واقع شأن من شؤون الناس، كل ذلك ببذل جهد مقدرٍ في قراء مواد المسائل المعنية، وهو جهدٌ يشبه حفر بئر لاستخراج ماء منه من أجل ضرورة الحياة.

بهذا التمهيد أحسبني هيأتُ المُناخ لبيان ما أردتُ استنباطه بقراءة أصول فعال حزب الجبهة الشعبية، لا من مثل القول التالي للكاتب: "وعندما يشن النظام حربه على الشعـب فهو لا يشن حربا ديـنـية هـدفها تحـويل الشعب من معتقد إلى معتقد، أو يقوم بحملات صليبية بهدف تنصير كل ارتري مسلم......"،

وسياق الاستنباط الذي أعني هو القراءة التالية:

أولا، لا بد من معرفة حقيقة حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، وكيف ومتى نشأ، وما هي أهدافه؟

وهذا السؤال إجابة استقرائية بحثية لبيان مراد الأستاذ فتحي الذي جاء في نهاية حديثه حيث قال: "وترتيب الأولويات الغرض منه التوصيف السليم للنظام، وتحديد أسباب وأدوات الصراع ومنتهاه ومبتداه"، ولعل هذا القول هو الأفضل على الإطلاق لتوجيه القراءة الصحيحة بغرض بلوغ معرفة نظام حزب الجبهة الشعبية، فمن المعلوم بالضرورة أن لكل شيء أصله في الكون، فما هو أصل حزب الجبهة الشعبية الحاكم بما كان وبما هو متجلٍ به في واقع اليوم؟

إن الإجابة العلمية المؤسسة على الاستقراء التحليلي لحوادث التأريخ منذ نهاية الحرب الثانية التي أعقبها نشوء أحزاب سياسية قامت على أسسٍ مذهبية ثقافية إسلامية ونصرانية، وقد تجلت أبعاد تلك الأحزاب في مطالبها السياسية التي تمت معالجتها من قبل قوى الحزب النصراني بإجراءات عنف وتعسف ضد قوى الحزب الإسلامي بالاستقراء الموثق التالي:

-1أصل حزب الجبهة الشعبية الحاكم من حزب: (إندنت) الذي كان أحد الأحزاب السياسية الدينية النصرانية التي نشأت في تلك الفترة بغرض تقرير المصير السياسي النهائي لإرتريا عقب الحرب العالمية الثانية، وقد برزت مطالب حزب إندنت، تارة بالعمل والقول الصريح لضم إرتريا إلى إثيوبيا، وأخرى بتقسيمها بين إثيوبيا والسودان، وثالثة بفصل أقاليم الجنوب الإرتري عن وطنه الأصلي، والشمال الإثيوبي عن وطنه الأصلي، كل ذلك من أجل إقامة كيان دولة تجراي تجرينيا بالتأسيس على ما بين تجراي إثيوبيا وتجرينيا إرتريا من اشتراك في اللغة والدين والمصالح والهم المشترك.

لقد أسسوا تجرينيا إرتريا مطالبهم تلك، بالاستناد على بعدهم الفكري القائم على أصل كرههم للإسلام والمسلمين من جهة، وخوفهم من الذوبان في بوتقة المسلمين الإرتريين بحجة كون المسلمين أكثر عددًا، وأفضل حالا بما لهم من أرض واسعة وثروات كثير ومتنوعة، وأنهم سكان البحر الأحمر، أي أن المسلمين هم من يتمتع بحظوة الاتصال بالعالم الخارجي، وهذا عدُّوه أمرًا مخيفًا سواء أعلنوه أم لم يعلنوه.

أما تجراي إثيوبيا فقد أسسوا مطلبهم تلك-وإن كانوا أقل حماسًا مقارنة بتجرينيا إرتريا-، على خلفية ما كان بينهم وبين طبقة الأمهر الذين ساموهم سوء العذاب، وجعلوهم أكثر تخلفًا وعوزًا وهم أصل أعظم إمبراطورية في القرن الإفريقي، حيث مملكة أكسوم الشهيرة، والملك العادل النجاشي الذي هاجر إليه صحابة رسول الله-صل الله عليه وسلم- فرارًا بدينهم من بطش وجبروت قومهم في مكة.

-2وما إن فشلت هذه الطموحات بسبب إصرار المسلمين على إبقاء إرتريا موحدة بواقعها الجغرافي وموروثها الإثني من الاستعمار الأوربي كما هو مفصل في كتب التأريخ، ابتدعت دول الحلف التي انتصرت في الحرب الثانية مخطط الاتحاد الفيدرالي بين إرتريا وإثيوبيا، فتحول حزب إندنت إلى ممثلٍ شرعيٍّ لإثيوبيا في إرتريا نيابة عن كافة الإرتريين، فقام مقام إثيوبيا من خلال الإدارات المدنية والأمنية، لينال من المسلمين ما يناله عدو من عدوه.

-3وما إن قررت إثيوبيا النكث عن اتفاق الفدرالية، تواطأت معهم بموجب تمثيلهم لها في وطنهم إرتريا، وبهذا أعلنت إثيوبيا ضم إرتريا إلى إليها، وأعلنت أن إرتريا أحد أهم أقاليمها بإسقاطها للعلم الإرتري، وبحلها للشرطة الإرترية، وبإقصائها الدستور الإرتري، وكل ما شارةٍ ومعلمٍ تُميِّز إرتريا كونها كيانًا مستقلاً ليس بينه وبين إثيوبيا إلا نصوص اتفاق الفيدرالية التي كان مقررا لها عقدًا واحدًا فقط، ثم ينظر بعد ذلك إلى ما تتوصلان إليه الدولتان من اتفاقات بينهما، وكان هدف إثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر، وليس رغبة أو حرصًا على النصارى الإرتريين البتة، بيد أن اعتنائها بهم كان في المقام الأول ثمنًا لهذا الغدر عالي السقف من أجل وصولها إلى البحر الأحمر.

-4لقد رفض المسلمون الغدر، وعبروا عن ذلك بإعلان ثورة مسلحة ضد إثيوبيا من والاها، فما كان من إثيوبيا إلا أن قررت إبادة الشعب الإرتري وثورته، وكانت أهم وأقوى آلياتها العسكرية لإبادة شعب إرتريا وثورته، قوات الكوماندوز ومحاكم التفتيش الأمنية السرية التي كانت تأخذ المتهمين ليلا ونهارًا كما يفعل اليوم حزب الجبهة الشعبية، وأن تلك القوى كانت من نصارى إرتريا الذين تم تدريبهم على أيدي ضباط واستخبارات إسرائيل، وكانت مهمتها الاستثنائية سحق الشعب الإرتري بكل وسيلة في كل مكان من إرتريا.

وفي هذا من العدالة القـول، أن هذا الكلام لا يعني عدم وجود من شاركهم هذه الجرائم من المسلمين بصرف النظر عن تلك المشاركة ما إن كانت بأصالةً أو ابتداءً، كما لا يعني عدم وجود نصارى أحرار شرفاء من شارك المسلمين في هذه المفاخر، لكن كل هؤلاء كانت أعدادهم ضئيلة لا يعتد بها، وهو أمرٌ طبيعيٌّ يحصل في كل المجتمعات.

-5في عام 1974تغيرت قواعد الحرب الباردة في البحر الأحمر والجزيرة العربية والشام ضد مصالح أميركا وأمن إسرائيل، ذلك لما بلغ الإتحاد السوفيتي البحر الأحمر بعد تحول إثيوبيا من رعاية البيت الأبيض، إلى رعاية قبة الكرملين السوفيتي، حيث سعى السوفيت حثيثًا للتنسيق بين إثيوبيا الشيـوعية حديثًا، واليمين الجنوبي الأقدم شيـوعية، وكذا الصومال الأقدم شيـوعية أيضًا، فتحولـت الـولايات المتحـدة البرغماتية مع هذا التحول، إذ قررت التعامل مع الثورة الإرترية ممثلة في جبهة التحرير الإرترية وقوات التحرير الشعبية، لكونهما أخف ضررٍ من الشيوعيين الذين جلبوا الإتحاد السوفيتي إلى هذه المنطقة التي ظلت محرمة عليه، لاسيما أن هذين التنظيمين كانا يوصفان لدى دوائر الاستخبارات والأبحاث الغربية والعربية التابعة لها، على أنهما ذوي بعدٍ عربيٍّ إسلاميٍّ، عندئذ هرع أحفاد حزب إندنت إلى الثورة الإرترية لتهيئة أنفسهم من أجل أن يكونوا القوة التي لا يمكن تجازها إذا ما تحقق استقلال إرتريا على أرض الواقع بهذه التحولات المفاجئة.

-6أَمَا وقد استقر لهم المقام في الثورة الإرترية بعد إذ تبددت آمالهم عن الاستئثار بإدارة إرتريا على أمل إقصاء المسلمين منها من خلف أكمة ومن تحت أجمة إثيوبيا، بدؤوا يُعيدُّون ترتيب واقعهم الجديد من أجل التأسيس لمستقبلهم في إرتريا، فأصدروا لذلك وثيقة تلبي حاجتهم في الإرشاد التنظيميِّ والتوعية السياسيَّة، وترتيب صفوفهم ضمن الثورة الإرترية، فكانت أهم أعمالهم: إصدارهم كتابًا بعنوان: (نحنان علامانان)، أي نحن وأهدافنا، وكان من المهم لإنفاذ أهدافهم تلك، ضرورة صناعة آلية أمنية وعسكرية وسياسية وتنظيمية واقتصادية متوائمة مع الواقع الثوري في الساحة النضالية، فكان تنظيم (الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا)، هذا وهم داخل تنظيم قوات التحرير الشعبية دون الإعلان عنه بدايةً، وكانت قيادتهم السرية ضمن مجموعة: (سلفي ناظنت)، وكان من أهم الأعمال التي قام بها هذا التنظيم السري داخل إرتريا وفي إثيوبيا وفي العالم، إدارة قواعد اللعبة السياسية التي نتجت عن هذا التحول.

-7قلتُ قام تنظيم سري داخل إرتريا وفي إثيوبيا وفي العالم، بإدارة قواعد اللعبة السياسية التي نتجت عن ذاك التحول الذي جرت أحداثه عام 1974، فتغيرت بموجبه قواعد الحرب الباردة بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية في محيط البحر الأحمر من جزيرة العرب وحتى الشام ومضيق هرمز، هذا بالإضافة إلى القرن الإفريقي بما هو معلوم، ولأن أميركا كانت أقوى حضورًا في الأقاليم، فقد أوعزت إلى جامعة الدول العربية للتوسط بينها وبين تنظيمي جبهة التحرير الإرترية وقوات التحرير الشعبية من أجل منح إرتريا استقلالها الوطني وفق شروط لا تصعـب قراءتها.

-8وجدت جامعة الدول العربية ضالتها من أجل استقلال إرتريا، فسعت بقوة وسرعة لخلق وحدة سياسية بيـن تـنظـيمي جبهة تحرير إرتريا، في هذه الفترة كان لقوات التحرير الشعبية قيادتين متنافرتين، وهما قيادة سياسية برئاسة عـثمان سبى -رحمه الله-، والأخرى عسكرية ميدانية برئاسة أسياس أفورق، في بادي الأمر وافقت القيادة العسكرية على الوحدة على نحو لا يتحمل المقام بعرض تفاصيله الدقيقة، وما إن بلغت المساعي مرحلة عقد مؤتمر الخرطوم في عام 1975بغية تحقيق الوحدة بين التنظيمين برعاية جامعة الدول العربية، أعلنت القيادة العسكرية رفضها للوحدة، وقالت حول ذلك كلامًا كثيرًا لا يسعه المقام، وهكذا أفشل سلف ناظنت الوحدة لكي يُفوِّت الفرصة على الذين لم يحسموا خيار مستقبلهم لما لا يسعه المقام، وهكذا انتهت الجولة لصالح سلفي ناظنت، لكونه كان قد حسم خيار مستقبله.

9- في هذا الظرف تم اغتيال الأستاذ عثمان صالح سبى في مصر بينما كان يتلقى علاجًا قد برأ منه وبدأ يجري اتصالاته مع أجهزة تنظيمه، والمتهم الأول غي اغتياله هي، قيادة الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا بالتواطؤ مع بعض الأفراد المصريين وعلى رأسهم بطرس غالي؛ ذلك لأن تجاوزهم لسبى وهو حيٌّ وقادر على العمل كان غير ممكن، ولهذا تغييبه عن الحياة ضرورة سياسية وفكرية، وهكذا خلت لهم الساحة السياسية إذ لم يعُد يوجد فيها من يقوم مقامه ضدهم في ذاك الوقت ولا بعد حتى حينه بشهادة الواقع، لاسيما أنه كان صانع التنظيم نفسه، وأنه كان على رأس قيادته السياسية، وأنه كان هو المُتعرف به في الداخل والخارج، بما فيها دوائر الغرب ضمنًا.

10- في هذا الظرف أوعزت قيادة الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا برئاسة أسياس أفورق إلى أيديها الخفية التي كان بعضها يشغل أهم المناصب القيادية في جبهة التحرير الإرترية للقضاء على بقية قوات التحرير الشعبية الإرترية، فطاردت جبهة التحرير الإرترية بجدارة بقايا قوات التحرير الشعبية حتى قضت عليها.

11- ما إن خلت الساحة الإرترية للجبهة الشعبية لتحرير إرتريا بقيادة أسياس أفورق عن أي منافس سياسيٍّ بعد اغتيالهم لخصمهم السياسي-عثمان سبى-، ولم يبقى أمامهم إلا خصم عسكريٍّ واحدٌ قوي المراس هو، جبهة التحرير الإرترية، وأنهما كانا على حلف وتواد في ظاهرين من خلال حزب العمل الشيوعي المتنفذ في جبهة التحرير الإرترية، وبهذا فالجبهة الشعبية أحالت جبهة التحرير الإرترية إلى تنظيم بلا قيادة فاعلة، فأصبح جيش جبهة التحرير الإرترية البطل على العهد، لكنه جيش قد خذلته قيادته، وهكذا تحكمت عليه الجبهة الشعبية من خلال وكلائها فيه، حتى ساقت ذلك الجيش العملاق الأبي من كل أنحاء إرتريا إلى موضعٍ في الحدود السودانية في عام 1981، ذلك بعد إذ تمت دراسة الحدث سلفًا مع جهات إقليمية ودولية، وبهذا التآمر الخطير، تم القضاء على تنظيم جبهة التحرير الإرترية العملاق الذي ما كان ليُقضى عليه هكذا، إلا بغدرٍ ومكرٍ محكمين من داخله.

12- في هذا الظرف العصيب شعر المسلمون بهزيمة نكراء، فانتفضوا جميعًا، وتداعوا من كل حدبٍ وصوبٍ، حتى خلصوا إلى إقامة تنظيم إسلامي جهاديٍّ مسلحٍ تم توحيده من كافة الجماعات باسم: (حركة الجهاد الإسلامي الإرتري) في عام 1989، وهنا قامت قيامة العالم الغربي وإسرائيل وبعض الأنظمة فزعًا من هذا الإعلان في محيط البحر الأحمر القريب من الشام حيث إسرائيل وأرض صراع الحضارات.

لقد كان الحدث بعد أن تعامل العالم مع تجربة الجهاد الإسلامي المسلح في أفغانستان التي التقى فيها المسلمون من كافة أنحاء الأرض، نصرة لدينهم، ومساعدة لإخوانهم الأفغانيين الذين غزاهم الإتحاد السوفيتي الملحد، ومن هناك علم العالم كيف أن بعض شباب المسلمين تركوا أهليهم، ورفاه المدنية رغبة في إحدى الحسنيين، هذا وهم يعلمون أن شعب أفغانستان عجميٌّ غليظ، وأن أرضهم أيضًا غليظة.

كل تلك اعتبارات لم تثنيهم عن الجهاد بالنفس والمال، فحققوا معاني الجهاد بهزيمتهم جحفل السوفيت، هذا بصرف النظر عما انتهى إليه عملهم على أرض الواقع بسبب الجهل، والمؤامرات التي تجلت في صراعات الجماعات، وهو ما لا تسعه طبيعة المادة.

-13إذا كانت أحداث أفغانستان قد أفادت الجميع دروسًا عملية عظيمة عن معانى الجهاد، وهي بلاد معلومة بأن طبيعتها الجغرافية صعبة جدًا، وأن شعبها عجمي غليظ، وأن آلية التفاهم بين الوافدين إليها وبين أفراد شعبها غير ميسورة، وأن التكاليف المادية والمخطر الأمني حتى الصول إليها عالي السقف، ومع هذا فكل تلك المعوقات لم تمنع الراغبين في الجهاد من الوصول إليها، وإذا كان الراغبون في الجهاد حطموا كل تلك الصعاب والحواجز بقوة وعظيمة وإصرار الرجال حيث اختبرت معادنهم هنالك، فحققوا كل معاني الجهاد، فكيف بهؤلاء المجاهدين في إرتريا التي ليس فيها ولا واحدة من تلك العوائق لتقف أمامهم، خاصة المجاهدين العرب الذي تصدروا قائمة المجاهدين في العمل الجهادي في تلك الديار، وأبناء جزيرة العرب منهم خاصة، فإرتريا لا يفصلها عن الجزيرة العربية إلا سطح البحر الأحمر الذي يضيق أكثر كلما اتجهنا إلى جنوبه حيث مضيق باب المندب، لتصبح المساحة الفاصلة ما بين 29-28ميل بحري، أي ليس أكثر من 60كلم على اليابسة؟

-14إن الذين فزعوا من الإعلان عن حركة الجهاد في إرتريا، خططوا لمواجهة هذا الخطر في هذه المنطقة وهو ما زال في مهده، ذلك إثر تحذير رئيس أميركا الأسبق جيمي كارتر الذي قال علنًا وبصراحة: "إن الجهاد في إرتريا ليس كغيره" ومن أهم ما علمناه عن مخطط الفَزِعِين ضد حركة الجهاد الإسلامي في إرتريا، سواء بدليل أو قرينة أو استقـراء تحليلي، كان من محاور خمسة لمواجهة إعلان الجهاد وهو في مهده، وقد بينتُ بعضه في المجلد الأول من كتابي: (إرتريا والمأساة التأريخية)، وسكتُ عن بعضه لما كان كل ما يُعلمُ لا يُقالُ في كل الأحوال.

إن ما يهمنا بهذه القراءة هو: ما قام به حزب الجبهة الشعبية بالتنسيق والتواطؤ مع بعض القوى الإقليمية والدولية لإنجاز مهام وأد حركة الجهاد الإسلامي الإرتري، وخاصة السودان الذي واجهتُ بعض قياداته المدنية والعسكرية، فكنتُ أول من سمع الخيارات الثلاثة.

نعم، إن ما يهمنا بهذه القراءة هو: كيف حقق فعلاً تنظيم الجبهة الشعبية هدف وأد حركة الجهاد الإسلامي الإرتري في مهدها، وما إن ضمنت الجبهة الشعبية أمن جبهتها الغربية من جهة السودان حيث حركة الجهاد، وبعض التنظيمات الوطنية، وكانت قد ضمنت سلفًا جبهتها الجنوبية الإثيوبية، ليس فقط في الشأن العسكري، بل باتفاقات سرية بين التجراي تجرينيا عما ينبغي أن تؤول إليه علاقة البلدين من بعد استقلال إرتريا بهزيمة النظام الشيوعي في إثيوبيا، وهو ما جاء بعض بيانه في خطاب استقلال إرتريا الذي قرأه أسياس أفورق، وبهذا تفرغت الجبهة الشعبية لإجراء المحادثات التي عُرفت بـ: (محادثات أتلانتا)، وبناء على ذلك دخلت قوات الجبهة الشعبية عاصمة إرتريا-أسمرا- دون أدنى مقاومة بعد أن أجبرت القوة الصانعة للحدث رئيس جمهورية إثيوبيا وقائد جيشها الأعلى منجستو هايلى ماريام، على اللجوء إلى زمبابويبترتيب متقنٍ سلفًا، وسحبت كبار ضباط الجيش الإثيوبي من جبهات القتال في إرتريا ليتبعثر الجيش الإثيوبي الذي كان يزيد عدده عن 250,000جندي من القوة الجوية والبحرية والبرية، هذا وهو مجهز بأحدث العتاد العسكري السوفيتي.

أما قراءة ما قد قام به حزب الجبهة الشعبية من بعد دخوله إلى أسمرا عام 1991وإعلانه عن نفسه كونه حكومة إرتريا المؤقتة، وما أجراه وما زال يجريه من تطبـيقات عملـية على أرض الواقع منذ ذاك، هو الذي أعمل لأصور حقائق أهدافه الثقافية والسياسية بقراءتها تحت عنوان: "بمعرفة صانع الحدث، يُعرف الهدفُ من الحدث.

إن ما أردتُ أن أخلُص إليه بهذه الدراسة البحثية التدقيقية التي بين أيدينا هو: بقدر معرفتنا لحقيقية صانع الحدث، نتمكن من معرفة الأهداف التي يُنزل أحداثها على أرض الواقع عمليًّا، وبهذا فإني أرجو أن أكون قد مهدتُ للباحث والمفكر، أرضية مناسبة لإثراء هذه الدراسة البحثية المتواضعة، وعلى من له وجهة نظر مخالفة، فيجب أن يكون قادرًا على تقديم قراءة صحيحة مؤسسة على منهاج علمي، وإلا فلسنا في حاجة إلى كلامٍ إنشائيٍّ قائمٍ على عواطف صبيانية مبتدئةٍ، بل علينا معرفة حقيقة صانع الحدث لمعرفة الهدف من الحدث، أي معرفة ما الذي يعتقده ويفكر فيه ويرجوه صانع الحدث، وهذا لا يتحقق فيما جاء في مقال الأستاذ فتحي التالي نصه: "وتقديم الحق الديني على حق الحياة والحرية هو الذي يؤدي خطأ إلى توصيف الصراع بأنه صراع طائفي".

والواضح أنه أراد بكلمة (توصيف)، تحديد أهداف الصراع، فالعقل والمنطق هنا يقضيان بعدم إمكانية تحديد أهداف الصراع، ما لم نعرف سلفًا البعد الثقافي لطرفي الصراع الميداني، ذلك لأن خوض أي حالة من الصراع بين المجموعات البشرية، لا بد لها من أهدافٍ مؤسسةٌ على أصل بعدها الثقافي الذي ترجو تحقيقه على أرض الواقع، أما أن تحصل صراعات غير واضحة الأهداف، فهذا لا يقول به عاقل، ولكن من الممكن أن تخفى عنا الأهداف الحقيقية لأمد قصير، سواء كانت بين بعض فئات المجتمع الواحد كما هو حالنا، أو بين دولتين، أو بين مجموعات من دول متحالفة ضد طرف آخر مثلاً، وقد تكون سياسية قابلة للتصالح والتسوية ببعض تنازلات عملية، وقد تكون فكرية عقائدية يصعب التنازل عن أي قدرٍ منها بالتراضي، لا من قبل هؤلاء ولا من قبل أولئك، بصرف النظر عن نتيجة المعركة على أرض الواقع، وعن التدخل الدولي.

القراءة السادسة، عن البعد الفكري في مقال الأستاذ فتحي.

 المادة التي قدمها إلينا أستاذنا الكريم فتحي، مادة سياسية تحمل أبعادًا فكرية صريحة ومقروءة يفهما كل من يحسن القراءة في الشؤون السياسية والفكرية، والأمر الجلي الذي لا يخفى أيضًا على هذا النصف القراء هو: أن الأستاذ فتحي حدد قطعًا فيما قاله طرفي النزاع الإرتري الجاري، والطرفان المعنيان بصريح كلامه والمقروء منه هما: الإسلام، أي الإسلام كله وليس مسألة من مسائل التشريع الإسلامي في شؤون العـقيدة أو العبادات والمعاملات في كافة ميادينها، سواء بين المسلمين، أو بين المسلمين وغيرهم من محاربين وغير محاربين؛ ذلك بقراءة صريح نصوص مقاله، وبقراءةٍ مستنبطةٍ متكاملةٍ مع صريح النصوص التي كونت جميعها بُعدَ الفكر الذي أراد تأكيده أو إبرازه أو تقريره أو تمكينه أو التمهيد له نيابة عن الحزب الحاكم من جهة، وأنه لم يأتي بجديد نجهله كون حزب الجبهة الشعبية يشن حربًا ضد شعبه من جهة أخرى، وأما الجديد الذي قدمه لنا فهو: تفسيره بأن حرب حزب الجبهة الشعبية ضد شعبه ليست حربًا دينية دون أن يقف على اعتداءات الحزب على خصائص دين الإسلام، وإن لم تكن دينية فما هو تفسيره لها، ببيان التوليفة كونها من أجل السلطة والمال.

 وبعد أن قرر أن الحرب التي تشنها الجبهة الشعبية ضد شعبيها ليست حربًا دينية ضد الإسلام والمسلمين، وإذا ما فسرها المسلمون بأنها حربٌ دينيةٌ، وإذا ما قررها المسلمون أنها حربٌ دينيةٌ، وأن الهدف من الحرب الدينية هو إحدى الحسنيين هما: إما النصر أو الشهادة، وقال أن النصر يعني كسر شوكة العدو لإعلاء كلمة الله؛ وأن هذا يعني كسر شوكة أسياس وأتباعه وقسرهم على تحويل دينهم أو دفع الجزية صاغرين، فهذا يعني رفضًا لهذه الأهداف الدينية التي لو انتصر المسلمون سوف ينزلونها في ساحات أسياس وجماعته.

هنا في سياق متناقضٍ قرر الأستاذ فتحي مسائل خطيرة لا يخطئها الباحث المفكر، منها:

-1أنه قرر بقوة ملحوظة تبرئة نظام حزب الجبهة الشعبية من تهمة كون الحرب التي يشنها ضد المسلمين ليست دينية، بينما هو ينال بقوم قاتلة من أخص خصائص المسلمين؟

-2أنه قرر بقوة ملحوظة لو أن المسلمين هكذا فسروها بما يترتب عليها، فهذا تفسير خاطئ بما يترتب عليها من إجراءات خاطئة؟

-3أنه بينما هكذا قرر، لم يأتي بتفسير علميٍّ لبيان هذه التوليفة العجيبة الغريبة بوصفه للحرب التي يشنها حزب الجبهة الشعبية ضد المسلمين حسب تحديده النهائي لطرفي الحرب، بأنها من أجل الاستيلاء على المال والسلطة، بينما الحرب التي مازال يجريها حزب الجبهة الشعبية ليست إلا ضد مدنيين عزل؟

-4إنه بهذا التفسير يصور لنا طبيعة حرب حزب الشعبية ضد شعبه، وأكنها صراع وتنافس مدنيٌّ بين حزب العمال والمحافظين في بريطانيا، أو بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة مثلا.

بهذه القراءة أجدني لستُ متجنيّا أو مفتئتًا، فالإجابة على الأسئلة التالية هي محل الاختبار الحقيقي لمدى صحة الأفكار التي ذهب إليها الأستاذ فتحي، وإنا نتعلم من بعضنا ما بقينا، وكما يقول مثل أهلنا: (العقل كينبوع العين)، فالعين يأتي ماؤها شيئًا فشيئًا ببطء، لكنه يروي الظمآن ويملأ آنية السقاة.

وأما الأسئلة التي أعني فمنها:

-1ما هي الفائدة التي حققناها من قراءتنا لذات مقال الأستاذ الفاضل فتحي؟

-2ما هي الفائدة التي حققناها وسنحققها من قراءتنا لهذه الدراسة البحثية التي أجريتُها في مقال أستاذنا؟

-3ما هو البعد الفكري الذي أراد أستاذنا تأكيده أو إبرازه أو تقريره أو تمكينه أو التمهيد له؟

-4لماذا حصر أستاذنا الصراع الجاري بين الإسلام وحزب الجبهة الشعبية بصريح مقاله؟

-5لماذا تعمد الأستاذ فتحي التأكيد على ما كان يتوهمه بعض النصارى بأن المسلمين إذا ما هزَمُوا أسياس وجماعته، فسوف يُجبرونهم إما على تحويل دينهم قسرًا، أو على دفع الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، ليحرضهم بذلك ضد المسلمين فيضاعفوا قتلهم وتشريدهم لهم؟

-6ترى من المستفيد من هذا التحريض بين المكون الوطني الذي ما زلنا نسعى بصريح الكلام والفعال لأن نوجد له أفكارًا صالحة تُنتج واقع التعايش السلمي؟

-7لماذا تعمد الأستاذ فتحي هذا التحريض الخطير بعد أن سمع من المسلمين الذين حاورهم، كلامًا يتنافى هذا التحريض، إذ قال: "والإجابة التي حصلنا عليها من هؤلاء بأنهم غير معنيين بتحويل مذهب المهزوم أو أرغامه على دفع جزية عملا بقاعدة لا أكراه في الدين"؟

-8ما الهدف إذًا من إضافة هذه القنابل المدمرة إلى بنية المكون الإثني الوطني الإرتري؟

-9مَن المستفيد من هذا التحريض التدميري الذي ضد الوطن في حاضره ومستقبله؟

-10أنَّى للأستاذ فتحي أن يُفتي عن أحكام الجهاد والقتال وهو يجهلها، بدلا من أن يُفتي عن مطالب التعايش السلمي الملح الذي أرسى قواعده رسول الله-صل الله عليه وسلم- في المدينة المنورة بين الإسلام وأهل الكتاب حال كونهم شركاء في الوطن كما جاء، وأن هذا الميدان ربما يُمكنه أن يُفتي فيه وينفع به أمته من جهة قوانين الأنظمة العالمية في هذا الباب؟

-11أنى للأستاذ فتحي أن يتجرأ على فتاوى الأحكام السلطانية التي لا يقول بها إلا أهل اختصاص ضالعين في علوم السياسة الشرعية، ذلك لأن أحكام الجهاد ومنازلها ومراتبها وما يترتب عليها من عهود ومواثيق، وأحكام الأسرَى، والفـدية، والعفو، والجزية، وما فيحكمها، لا يقوم بها إلا دولة الخلافة الإسلامية القائمة على أرض الواقع، المعروفة لدى الجميع باسمها وحدودها وشاراتها، وأن الخلافة الإسلامية في واقعنا المعاصر لا بد لها من:

أ- لا بد لها من أن تكون إحدى القوى العالمية المرغوبة والمرهوبة، ولن تكن كذلك ما لم:

-1لا بد لها من أن يمتد سلطانها على مساحات واسعة يدين لها فيها عدد كبير من المسلمين.

-2لا بد من أن يكون لها جيش عصري يكون جزءًا من أقوى جيوش العالم المُهابة والمرغوبة بعددها وعتادها من القوة الجوية والبحرية والبرية.

-3لا بد من أن يكون لها سلاح نووي عابر للقارات، فهو السلاح الأخطر والأعلى منزلة، وهو السلاح الأعلى صوتًا، فهو الذي به وحده تحدد منزلتها بين قوى العالم المعاصر لها.

-4لا بد لها من أن تكون من أقوى دول العالم في الصناعات العسكرية والمدنية.

-5لا بد لها من أن تكون من أقوى دول العالم في بالاقتصاد المعاصر المنافس في أسواق البورصة العالمية.

ب- بهذا لا بد من أن يكون لها صوتٌ عالٍ للحد من هيمنة الروتشيلد على العالم، ومن ذلك:

-1لا بد من أن يُعاد ميثاق وأنظمة عمل هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات المتفرعة عنها.

-2لا بد من أن يعاد ميثاق وأنظمة عمل مجلس الأمن.

-3لا بد من أن يلغى حق الفيتو نهائيًّا.

-4لا بد من أن تُعاد أنظمة وسياسات صندوق النقد الدولي وما في حكمه.

عندئذٍ فقط يكون الحق لمثل هذه الدولة أن تفرض الجزية على من تقهرهم بجهاد فتح بينما تتمتع بهذه المزايا التي تمنحها خصائص الرغبة عليها والرهبة منها، وليس مجموعة إسلامية إرترية تنصر على أسياس وجماعته كما عبر عنه الأستاذ فتحي، وكما ربما يتوهمه بعض المبتدئين.

بهذا أرجو أن تكون بانت القراءة المطلوبة، وبها أيضًا أرجو أن تكون بانت ما إن كانت هذه هي القراءة التي نحن في حاجة إليها، أم القراءة التحريضية التي قدمها لنا أستاذنا الفاضل فتحي، وما الذي ينتظره الشعب الإرتري من مثقفيه.

القراءة السابعة، كون الإسلام طرفًا ثانيًا في الصراع.

قال أستاذنا: "نعم الصراع في ارتريا ليس طائفيا بين أديان ومذاهب، بل هو صراع مرير من أجل حقوق إنسانية أساسية ووطيدة، والحق في العقيدة والدين والعبادات هو أحدها ولكنه ليس أولها، وأردف، التكليف الشرعي ذاته يفترض أن يكون الإنسان حيا، لأداء حق الله عليه، ويفترض كذلك في هذا الإنسان الحرية، ويفترض فيه التمييز وأخيرا العقل. فالإنسان تسقط عنه الصلاة بالوفاة، وهو قطعا لا يستطيع أداءها وهو يجود بأنفاسه الأخيرة نتيجة جوع مهلك أو جرح يثعب دما، كما لا تجب عليه إذا كان فاقدا لرشده وعقله......."

هكذا قد جعل الأستاذ فتحي ذات الدين الإسلامي الطرفً الثاني في الصراع مع حزب الجبهة الشعبية أثناء مناقشته لطبيعة الحرب التي غدا حزب الجبهة الشعبية يشُنها ضد شعبه، وبهذا فقد حصر بأن الصراع الجاري في إرتريا هو فقط بين حزب الجبهة الشعبية والإسلام، ولا أدري بالضبط ما هو تفسيره لواقع التنظيمات الإرترية الأخرى، بيد أنه وإن جعـل الإسلام طرفًا ثانيًا في هذا الصراع، فقد صوره الطرف الأضعف والأقل أهمية، فهو بذلك قرر وجوب أن يكون تابعًا للطرف القوي، لا كونه شريكًا، له حق الإسهام في صناعة واقع الوطن بما لديه من إرثٍ ثقافي وحضاريٍّ في الشؤون العامة والخاصة، أو في مرتبة دون هذه الندية فيكون من حقه الاستقلال بشؤونه الخاصة دون الوصاية أو الهيمنة عليه.

لا أرى مسوغًا واقعيًّا لهذا البعد الفكري، ومع انتفاء هذه المعاني، يبدو أن الأمر مقُصود لذاته من أجل خلق واقعٍ جمعيٍّ يُمكِّنُ من تحقيق بعدٍ فكريٍّ آخر تترتب عليه أهدافٍ لقوى إستراتيجيةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ، ولما كان الأمر كذلك، فالقراءة تكون من وجهين، هما:

الوجه الأول، قراءة من زاوية نظر بعدٍ أدبيٍّ.

الوجه الثاني، قراءة من زاوية بعدٍ سياسيٍ وفكريٍ.

الوجه الأول.

أصل المادة دراسة بحثية سياسية وفكرية، أي ليس البعد الأدبي من خصائصها، لهذا لا أرى الوقوف كثيرًا على المسائل الأدبية المستفزة التي فيها، ذلك كي لا نخرج عن أصل المادة بمناقشة قوله، كون الصلاة لا تفرض على ميِّتٍ، وقوله كون الإنسان لا بد من أن يكون حيًّا لكي يُطالب بالصلاة، وما جاء من قبيل عباراتها التي تشبه تفسير الماء بالماء بعد جهد، أو أنها عبارات تنبي بالتلاعب والاستخفاف بعقول المُخاطبين، واستهتار بالشريعة الإسلامية، وكأنه يقول لله العليم جل في علاه: (أحسنت تشريعًا يا الله لما لم تُطالب الميت بأداء الصلاة)! وبهذا كأني به يُثني على قدرته العقلية الفذة التي وازت حكمة الله في تشريعه.

 إن مثل هذا الخطاب لا يمكن أن يتصور العقلاء أبدًا، أن إنسانًا عاقلا يوجه هذا الخطاب إلى عقلاء راشدين يعملون في حقول شؤون الاجتماع بقراءتهم للماضي ومناقشتهم للحاضر، هذا وهم يتشوفون مستقبلاً أفضل، فالخطاب من قبيل قولنا لعاقل محترمٍ وقورٍ دون مناسبة ولا مسوغ: (أنت كغيرك من الناس تأكل وتشرب)! ولو أن هذا الخطاب تم توجيهه إلى أطفال هم في مرحلة التكوين الفكري والتهذيب الخُلقي، لربما ساغ مع ما فيه من ملاحظات حتى بحق الناشئة المبتدئين الذين هم تحت أيدي صانعيهم على هيئة ما، والقول في جملته يصنف، من قبيل شططٍ سياسيٍّ، وترفٍ فكريٍّ يكتبه صاحبه على رمالٍ يُورى فيها المنطق السليم.

الوجه الثاني.

إن البعد السياسي والفكري الذي يتخفى خلف هذه الأقوال، إنما هو من قبيل من يوحي إلى الأعادي ومعهم ناشئة المسلمين بأن: (الدين الإسلامي ليس بذي شأن حتى يتوهم أتباعه بأنه يأتي ضمن أولويات النضال الوطني الذي هو من أجل تحقيق الحريات الوطنية الشاملة لكم ولغيركم من الأشباه والأضداد.

أي دعونا نحقق مطالب الحريات الوطنية التي لن تبخل عليكم بحق أداء العبادة، فإنكم لن تستطيعوا أداء الصلاة دون تحقيق مطلب الحريات الوطنية، فالإنسان في واقع غياب الحريات كالميت، والميت لا يطالب بالصلاة ولا بالصيام ولا بغيرها من شعائر العبادة.

هكذا نجدنا أمام قراءة واضحة لما يُراد لنا في مستقبلنا على وطننا من قبل أبنائنا قبل أعدائنا بتخطيط تغييبنا عن ساحات العمل الوطني المشترك من أجل صناعة مستقبل وطنيٍّ يكفل الحريات الفكرية بكل أبعادها الثقافية والتأريخية والأخلاقية، والحريات السياسية ضمن مجتمعٍ إرتريٍّ مدنيٍّ متحضِّرٍ كنا نحن المسلمون من صنع واقعه المعاصر عندما أبقيناه على قيد الحياة المستقلة بعد إذ أراد له الآخرون الزوال بما تقدم ذكر حقائق أحداثه التأريخية.

إن هذا المخطط التغييبي، هو عين إقصاء الإسلام عن الاشتراك من أجل صناعة الحياة، وهو ما تريده قوى العالم المتنفذة التي تهيمن على أجزاء من أوربا، وكامل العالم الثالث بقيادة الروتشيلد بعد استيلائها على أميركا كلها من خلال الكنيسة الإيفانجليكية التي جاء ذكرها أعلاه في موضعها.

إن الفكر العلماني الذي آمن به بعض أنصاف المثقفين، وتترس به آخرون ممن كانوا قد حسموا خياراتهم، هو الذي على أساسه تحقق للجبهة الشعبية إقصاء كافة التنظيمات الوطنية تمهيدًا لبلوغ استتباب الحكم لها دون شريك ولا منافس، ولم تحقق الجبهة الشعبية هذه الإنجازات العظيمة إلا بجهد جبار أسس له سلف ناظت منذ تخفيه خلف الفكر الشيوعي الذي استمد قوته إبان فترة الكفاح الوطني المسلح من بعض أبناء المسلمين السذج الذين صدقوا بأن فردوس الاشتراكية والقومية العربية قد غدت بين أيديهم من خلال الكلاشنكوف.

نعم، لقد قدَّمُوا لهم أول ثمار فردوس الفكر الإلحادي، في قوارير خمر حقيقية أنيقة لم يعرفوها في سالف عهدهم، وفي قوارير الجنس الناعم من المناضلات اللاتي تم دسَّهُنَّ في أحضانهم بعد أن تأكدوا من مسخهم وإيهامهم بأنهم أصبحوا رفاقًا مناضلين أشاوس أحرارًا، وقد كان غالب هؤلاء المتوهمين، ممن تمدينوا اضطرارًا بما غُرِّروا به من مظاهر خارجية كالتي لم تتوافق مع مخبرهم، فظنوا أنهم على شيء وهم في حالة تخلف فكريٍّ وأداء متردٍ، ذلك لأن البداوة والتخلف، تم تزويرهما لهم بتلك القوارير الناعمة اللاتي أحكمن تمام مسخهم، فغدوا لذلك يتكلفون التحدث بالتجرينية لإثبات تمدينهم، وهم يتوددون إليهن دون أن يشعروا بما كانوا يعملون، هذا في الوقت الذي كانوا يناصبون فيه العداء لشركاء مصيرهم الحقيقيين، بينما كنوا يؤدون المهام الموكلة إليهم بحسب المخطط الذي رُسم لهم، فكانت النتيجة هي المترجمة في واقع اليوم المأساوي.

ولئن كانت تلك نتيجة لواقع اليوم المأساوي بما صنعه سلف ناظنت، فثم من أسهم معه في صناعة هذا الواقع المأساوي من جهة خصومه الذين كانوا يعملون ضد أنفسهم وأمتهم وهم لا يدرون بما كان يجري من حولهم، بسبب تخلف قراءتهم لأحداث التأريخ، وليس ذلك إلا لأن جل أولئك الداعمين لمخططات سلف ناظنت، كونهم من القيادات القبلية والإقليمية المتخلفة التي كانت تعمل دومًا سرًّا وعلانيَّةً لرعاية مصالح أفراد القبلية أو الإقليم بدلا من العمل لصالح أهداف الأمة في حاضرها ومستقبلها، وهو ما تنطق به حقائق التأريخ التي لا يمكن إزالتها عن صفحاته، فهي التي لا تنطق إلا بماستودعه فيها الإنسان وهي غير غاشةٍ ولا مزورةٍ ولا مختلقةٍ، ذلك لاختلاف قوانين آية التأريخ، عن قوانين البشر.

لم يتوقف مسلسل مأساة الأمة من جهة أبنائها، إضافة إلى ما هو دومًا من جهة أعدائها وخصومها الذين لا يرقُبُون فيها إلا ولا ذمة، إذ ها هي بعض الأفكار المُربكة لنا تأينا حينًا بعد آخر من لدن أبنائنا، فتدفعُنا إلى واقع نزاعات ليست أبدًا من أولويات حاجات الأمة الحقيقية الملحة التي تخدم آمالنا وطموحاتنا؛ لهذا نجدنا دومًا تتبعثر كل قوانا فنصبح أشتاتًا هينين على خصومنا دون أن نُبالي بالزمن الذي يمضي ونحن في تيه كتيه بني إسرائيل الذي كتبه الله عليهم عندما أكثروا من الكلام والجدال.

وإذا كان ذلك واقع بني إسرائيل بسبب كثرة كلامهم وجدالهم بعد إذ نجاهم الله من بطش وجبروت فرعون وقومه، فلا غرو أن تكون عاقبتنا كعاقبتهم ما شابهناهم في القول والعمل، وتلك بعض الحكمة من ذكر قصتهم للبشرية، فالذين لا يصنعون واقع ما يلبي المطالب الحقيقية التي تَصلحُ بها أحوال أمتهم في حاضرها ومستقبلها، إنما يهيئون أمتهم دومًا ليستغلها الأعادي والخصوم مادامت في واقع تيهٍ وربكٍ منصرفة عن جادة العمل الذي يثبت وصين كافة حقوقها، ثم هم يحافظون عليها.

ملخص القول.

إن الأمر الواضح أن هذه القراءة التي قدمها لنا الأستاذ فتحي لا تخدم الشعب الإرتري لا في حاضره ولا في مستقبله، وهي كالقراءة التي قدمها لنا سابقًا الدكتور جلال محمد صالح فأثار بها فتنة ما عرف بـ: (التجري والشماقلى)، فالقراءتان إن لم تخدما الشعب الإرتري لا في حاضره ولا في مستقبله، فما هي الأهداف الإستراتيجية الإقليمية أو الدولية التي تخدمهما مثل هذه القراءات يا ترى؟

وهكذا فقد فرغت من مناقشة ما تفضل به علينا أخانا الفاضل الأستاذ فتحي مشكورًا، وبهذا ننتقل إلى الدراسة البحثية في القسم الثاني كما قررتها، وقبل مغادرة الصفحة أود أن أسجل بعدًا أخلاقيًا يجب أن يحكم أقوالنا وأفعالنا على النحو التالي:

إن هذه المناقشة وإن بدا فيها شيء من الحدة، ليس ذلك إلا من باب بيان ما يعتقده الكاتب بما تم به تكوينه الفكري من جهة المدرسة المسؤولة عن ذلك، فمن المعلوم أن لكل منَّا مدرسته التي استقى منها علومه ومعارفه وآدابه حيث غدا اليوم يترجمها في واقع الحياة الفكرية والعملية المهنية؛ ليس إذًا المقصود شخص الأستاذ فتحي الموقرة المحترمة المكرمة، ولا شخص الدكتور جلال الموقرة المحترمة المكرمة، بل هي طبيعة الخلاف والتباين الفكري المؤسس على خلاف وتباين المدارس المسؤولة عن تكوين فكر كل منا في مرحلة من عمره، لهذا أرجو من الأخوين الفاضلين أن يتجاوزا عن أخيهما ويحسنا به الظن.

وإلى قراءة القسم الثاني.

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr