Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
بين حر عقيدة وخلاف سياسيٍّ. - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

بين حر عقيدة وخلاف سياسيٍّ.

abu usama almuallimشركة إرترية تسوق حذاءًا مرسومٌ في أسفله مسجد المسلمين، ومعلوم أن المسجد من أعظم شعائر المسلمين الذين يزيد عددهم عن مليار مسلم في كافة أنحاء المعمورة، وقد ورد هذا الخبر السيئ في فلمٍ فيديو بالرابط التالي: http://youtu.be/YXfhQO-VLWk 

لم تكن هذه الحادثة هي الأولى، فمازلنا نذكر جيدًا عددًا من الرسومات المسيئة إلينا دينًا وأدبًا منذ فجر استقلال وطننا الذي صنعنا واقعه نحن المسلمون يوم كان هـؤلاء عملاء أراذل متزلفين إلى إثيوبيا ضد شعبهم ووطنهم، ومن أشهر الرسومات، رجلٌ نصراني يركل شخصًا مسلمًا ليقذفه خارج خريطة إرتريا، وذلك في جريدة إرتريا الحديثة عام1994م، ومكتوبٌ تحت الرسم: (لا مكان للأصوليين في إرتريا)؟! وغيرها كثيرٌ من الرسومات والمقالات، كنعتهم للمسلمين بـ: (متكل زيبلوم)،

أي، أن المسلمين لا ثابت لهم في إرتريا يحكي فيها عبر التأريخ قصة حياتهم، وهو قول قائلهم في اجتماع اليوم التالي في بيت قرقيس، لحزب الوحدة مع إثيوبيا، حيث قال قائلهم للشيخ إبراهيم سلطان-رحمه الله– ما يلي:

" قال الشيخ إبراهيم سلطان-رحمه الله– إن وصولنا يوم 24 نوفمبر 1946 إلى بيت جرجيس كان متأخرًا، ولم نشارك في الاجتماع الأول الذي تم فيه وضع أجندة الاجتماع،.....................الخ، وقال: وكنتُ جالسًا على الأرض منهمكًا، وزاد الطين بلة الإحساس بالجوع، فنهضتُ أريد الذهاب فأمسك بي بلاتا دمساس ودقيات حقوص وقالا لي: لقد أخطأنا، فنحن لم نسأل إخواننا المسلمين رأيهم، فتكلم الآن يا إبراهيم، فقال قلت لهم: ليس لدي ما أقوله ونحن وصلنا للتو من السفر، ولا نمثل المسلمين، فالمسلون لم يأتوا بعدُ، فعمداء قبائل بيت أسقدى، وعمداء قبائل عد شوم، والنارى، والكوناما، وعد نايب في مصوع، وعد شوم الساهو والعساورت والمنفيرى وزعماء الدناكل والجبرتى، كل هؤلاء لم يأتوا ونحن لا نمثل هنا إلا أنفسنا، لهذا أرجو أن تنهوا هذا الاجتماع وحددوا موعدًا لاجتماع آخر يحضره الجميع. بعد أن قلتُ لهم ذلك نهض شاب وبدأ يتحدثُ في حين كان الكبار صامتين، فقال: عجبًا يا ابن سلطان، نحن لسنا عاطلين حتى ندعو كل من هب ودب من المسلمين البدو رعاة الأبقار والجمال، إن ما نقرره هنا سيقبله المسلمون صاغرين، وما نقوله سيتبعونه، وما نفعله سيقبلونه على الرغم من أنفهم..........الخ."  

المصدر كتاب: لن نفترق لمؤلف الأستاذ: ألم سقد تسفاي.

ترجمة: سعيد عبد الحي.

جهة الطباعة: المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة في مصر.

الطبعة الأولى عام 2007م.

إن هذا الكلام يعني تحقير المسلمين وإسقاط كافة حقوقهم الثقافية والوطنية؛ ولما كان الأمر يعني أبعادًا ثقافيةً وسياسيةً وتأريخيةً وحقوقيةً، فثم ما يجب علينا نحن بني الإسلام أن ندحض هذا الصلف والغرور الهمجي، وفي ذلك أقول:

كل امرئ يعبر من موقعه الجمعي ما إن كان في منزلة عالية مترفعة عن دنايا الفكر، ورذائل الخلق، وسخف الطباع، وانحطاط التصور، فهو لذلك يلغ دومًا في المستنقعات الفكرية النتنة لمَّا كان يعاني من التردي الفكري والخلقي بعد إذ انحط من عاليات المُثُل الإنسانية الراقية، فإن كان ذلك منه لأصالة مكون فكره التربوي الذي نتج عنه خلقه هذا، فلا يسعه الانفكاك عن أصلٍ وطبعٍ تمت صناعته بموجبه، وإن كان ذلك لتقمصه بالابتداء غير طبعه وأصله لأسباب جعلته يحيد عن القيم والمثل الراقية، فإن في بني قومنا من النصارى العقلاء والشرفاء الكثير كسائر المجتمعات في كل زمان ومكان، فهؤلاء العقلاء الشرفاء النصارى من بني قومنا، عليهم مسؤولية تفهيم هؤلاء السفهاء بأن الذي بين المسلمين والنصارى من حقوق في إرتريا، إنما هي حقوق شراكة كونية لم نختارها ولم نُستشار عليها لا نحن ولا هم، وهذا النصح يتبعه تصحيح التجاوزات الرعـناء.

إن الذين أساءوا إلى الإسلام والمسلمين في أنحاء المعمورة بهذه الوقاحة، ليسو إلا أتفه المجموعات البشرية في الواقع المعاصر، ولولا ذلك لعلموا أن الإسلام لم، ولا، ولن تضره هذه التصرفات الغبية التي تسيء إليهم قبل غيرهم بعد أن تأخذ حيزها التأريخي فتُقرأ ضمن أسباب الفتن والقلاقل التي تَحدثُ دومًا بين الأمم والشعوب ما لا تحمد عقباه، فإن سوء فعال هؤلاء تزيد بالتأكيد كره واحتقار المسلمين لهم أبدًا، ولهذا يرفض المسلمون لغتهم وفكرة التعايش معهم في واقع اليوم الذي يمثل تراكمات هائلة.

إن من الحكمة والمنطق السليم، أن لا يشغل المسلمون الإرتريون فكرهم وأنفسهم بهذه التصرفات الحاقدة في هذا الوقت، فقد يكون المراد منها صرف العاملين عن أمهات الأمور لتمييع أهدافهم بإضاعة جهودهم في حماقات هذه السهام السامة الجانبية التي ربما أضاعت الوطن بعد إذ غدا لوبي اليوتوب النصراني يُهيئه الوطن لغير أهله، فالرد على هذه السخافات الخُلُقية والفكرية لم يأتي بعدُ زمانه المناسب، ويوم يأتي الوقت المناسب، إما أن يرعوي فيعتذِرَ هؤلاء الأقزام، وإما تكون معاملتهم بالمثل دون الإساءة إلى الديانة النصرانية، ذلك لأن كتاب النصارى الذي هو: (الإنجيل)، كتاب مقدَّسٌ لدى المسلمين، فقد أنزله الله إلى نبي الله عيسى بن مريم- عليه السلام-، كما أنزل قبله التوراة إلى نبي الله موسى- عليه السلام-، وأن الإيمان بهؤلاء الرسل الكرام، وبالكتب التي أنزلت عليهم من عند الله، يعدُّ ركنًا من أركان الإيمان في دين الإسلام، وأن من يكفر بواحد من رسل الله، وبكتاب من كتبه الله المنزلة على رسله وأنبياءه، فقد كفر بالإسلام رغم أنفه، وعندئذٍ لا يُقبل منه صرف ولا عدلٌ.

قال الله جل شأنه: 

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} سورة البقرة، الآية:285

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام عندما جاء في هيئة رجلٍ غريب ليُعلِّم المسلمين أمر دينهم، فسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، والرسول أجابه عن كل ذلك، فعن جزئية الإيمان، قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام:

"أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ وتؤمن بالقدر خيره وشره" رواه مسلم

إن هؤلاء الجهلة لا يعلمون أن مثلَ الإسلام كمثل وتدٍ كلما ضُرب غاص أكثر في الأرض حتى يصعب خلعه من بعد، وأمثلة هذه الصورة هي التي نشاهدها في واقعنا المعاصر، فمسلمي القوقاز الذين أرادت الشيوعية الملحدة سلخهم عن دينهم جملة وتفصيلاً، هاهم اليوم بعد سقوط الشيوعية في مذبلة التأريخ، قاموا وكأن شيئًا لم يحصل لهم خلال العقود السبعة المظلمة، وعقود القيصرية المتعصبة الظالمة قبلها، فوزاراتٍ الشؤون الإسلامية في دول القوقاز الإسلامية اليوم، أقوى بكثير من وزاراتٍ الشؤون الإسلامية في كثيرٍ من دول العالم الإسلامي عامة، والدول العربية خاصة، وتلك هي البوسنة والهرسك التي أراد لها الصرب والكروات وغيرهم، محوها من خريطة البلقان، لكنها قد أقامت دولتها الإسلامية رغمًا عن الجميع في حاضرة الإقليم بصرف النظر عن مكائد ومصالح الغرب في دعم المسلمين، وهذه فلسطين التي تُضرب ليلا ونهارًا بعد إذ تواطأت وتمالأت ضدها دول النفوذ المادي والسياسي الإستراتيجي التي لا ترقُبُ في المسلمين إلاًّ ولا ذمَّةً، بيد أن عقلاء الغرب بعد استقرائهم للأحداث، غدوا يحذرون دولهم من مستقبل قد تكون الحرب فيه بينهم وبين المسلمين بسبب إساءتهم إلى المسلمين بعد أن تورط بعض مفكريهم في خطط أصحاب رؤوس الأموال العالمية المرابين في أميركا خاصة، والغربية عامة، وإذا كان هذا في دولٍ أكثر قدرةٍ وكفاءةٍ، فكيف بشرذمة إرترية أساءت إلينا.

إن ما يجري ضد الإسلام في كل مكان، إنما وراءه قوى الروتشيلد التي تحرك السياسة الأميركية من خلال المحافظين الجدد والكنيسة الإيفانجليكية، والاقتصاد العالمي من أجل تحقيق أرباح مادية طائلة يعجز المرء عن تصور أرقامها، فهم لذلك يقيمون حروبًا وفتنًا وقلاقل بين كافة شعوب العالم في المعمورة كلها، ففي نهاية القرن المنصرم كان أول من استهدفوه بقوة بعد الحربين العالميتين العسكريتين اللاتي كلفتا أوربا أكثر من 80,000,000 إنسان بين قتيل ومفقود، واقتصاد ممحوق قد تولت أميركا مهمة النهوض به وفق خطط أصحاب الأموال العالميين المرابين، ثم عقب الحرب العالمية الثانية كانت الحرب التي عرفت بـ: (الحرب الباردة)، وهي: حرب سياسية ذات بعد اقتصادي صرف، كانت تديرها استخبارات عالمية بعد تقسيمهم للعالم إلى تابعٍ للإتحاد السوفيتي، وتابعٍ لأميركا.

وهكذا تمكن أصحاب رؤوس الأموال المرابيين بقيادة الروتشيلد في هذه الحروب من إنفاق كميات كبيرة جدًا من الأسلحة والمعدات والآليات الحربية المختلة المدمرة، بينما يصنعون واقع هزيمة طرف لصالح طرف آخر في العالم الثالث خاصة.

أما بعد نهاية الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فكان أول من استهدفته القوى الخفية الممسكة بربان قيادة العالم، هو: (الإسلام وأهله)، ذلك بعد أن مهَّدتْ له سلفًا بما قدمه بعض كتَّابها ومثقفيها في أميركا خاصة من أمثال:

-1 كتب بعنوان (نهاية التأريخ) لمؤلفه: (فرانسيس فوكوياما)، وفكرة الكتاب تنتهي إلى أن حضارات وثقافات العالم يجب أن تنتهي لتسود حضارة وثقافة أميرك وحدها، وهنا يؤكد الكاتب بأن الإسلام ربما كان من أسوأ وأقوى مَن ستواجهه أميركا.

-2 كتب بعنوان: (صراع الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي الجديد) لمؤلف: (صامويل هنجنتون)، وفكرة الكتاب ليست بعيدة عن فكرة كتاب نهاية التأريخ، بيد أنه يناقش الواقع العالمي بمنهاج علميٍّ وهو أكثر رزانة وهدوءًا، حتى أنه يصف أميركا بالعجرفة، وأنها قابلة للزوال ما لم تتدارك أمرها.

-3 كتب بعنوان: (نشوء وسقوط القوى العظمى)، لمؤلف: ( بول كندي)، والكتاب من صنف الكتاب الثاني في منهاجه العلمي ورزانته وصفاء ذهن كاتبه، كل ذلك حسب ما بلغه علمي بشأن هذه الكتب.

بناء على فلسفة هؤلاء الكتاب وغيرهم كثير جدًا، وبناء على تقارير الاستخبارات الأميركية والأخرى المتعاونة معها في الشرق والغرب لدى العرب والعجم، فقد خططوا لأحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، وبناء على النتائج السياسية والنفسية والأمنية لهذا الحدث، قرروا غزو أفغانستان في شهر صيام المسلمين بعد إقناع جزء كبير من العالم، واضطرار بعضه للقبول بفكرة أن المسلمين إرهابيين خطيرين، وأنهم هم من فجر برج التجارة العالمي، وأن قاعدة توجد في أفغانستان ممثلة في تنظيم القاعدة....الخ.

ولما تبين لهم من خلال غزوهم لأفغانستان، أن ليس للمسلمين في العقود الراهنة قيادات راشدة، خططوا لغزو العراق بمسرحية تمت تغطيتها بتحالف دولي ادعت لأجلها أميركا عظم وخطورة ما لدى الرئيس صدام حسين من أسلحة دمار شامل تهدد أمن واستقرار العالم كله، وما أن أثار غزو العراق، وتمزيق بنيته البشرية والاقتصادية والثقافية والتأريخية المسلمين بما فعله الأمريكان والمجوس خاصة، قامت ثورات الربيع العربي التي كان أصلها واقع التأزم والانفصام الفكري والجمعي بين الحكام والمواطنين العرب عامة، وبين الإسلاميين والعلمانيين خاصة منذ وقتٍ بعيدٍ وهو ما استغله العرب ببراعة وإحكام، وهكذا تم استغلال  ثورات الربيع العربي بالالتفاف عليها ثم إفراغها عن مطالبها الإصلاحية السياسية والفكرية والاجتماعية.

كل ذلك تحقق بقيادة أصحاب رؤوس الأموال العالميين المرابين الذين يمرِّرُون مخططاتهم الدولية من خلال المؤسسات السيادية الأميركية ممثلة في المحافظين الجدد المتصهْيِنِ بعضهم، والمتنصِّر بعضهم، وكانت القوى المستخدمة في ذلك الـ: CIA والبنتاجون والمؤسسات الإعلام الأميركية، وكان من أهم أهداف كل هذه الإجراءات، ضمان أمن إسرائيل هنالك في الشام.

بيد أن المسلمين قد بدؤوا يؤسسون لثورة إسلامية عالمية، تقوم قاعدتها في العالم الغربي نفسه رغمًا عنه وفق إرثه الثقافي وإبداعه التقني، وكذا في العالم الإسلامي كله شرقًا وغربًا، وشمالاً وجنوبًا بعربهم وعجمهم حيث هم في الزمان والمكان بعز عزيز وبذل ذليل في حركة ثورية ربما غيرت الواقع البشري.

قال الله تبارك وتعالى:

{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ، وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء، وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} سورة آل عمران آية: 140

غير أن هذا التحول الكوني قد يستغرق عددًا من العقود كما هي الحقيقة التأريخية في حالات التحول الفكري والعملي لواقع حياة الأمم والشعوب والجماعات، علمًا بأن الإسلام لا يحـتاج إلى ابتداع فكر جديد، بل إلى قيادات راشدة وترتيب لأولوياته فقط، وأن ما شاهدناه في إرتريا قبل عقدين ونيف من إعلان حركة جهادية إسلامية إرترية قد طُبعت معانيها في نفوس وعقول الكبار والصغار، فهي مازالت حاضرة في ذاكرة المسلمين بصرف النظر عما اعتراها من تراجع بسبب بؤس بعض قياداتها التي تمدينت اضطرارًا فلم يتفق مظهرها بمخبرها، ولهذا لم يكن من خصائصها قراءة الماضي وربطه بالحاضر لتصور مستقبل الأمة، فكانت لذلك تتعامل مع ما كان يجري من حولها بعقلية متخلفة عن قراءة الأحداث، وهي حقائق قد بسطتها في كتاب لي بعنوان: (إرتريا والمأساة التأريخية)، والكتاب في ثلاثة أجزاء على نحو  800صفحة.

إن تجربة حركة الجهاد الإسلامي الإرتري قد تنبعث مجددًا إذا ما لزم الأمر ضمن ما يجري اليوم في الشام والعراق ومصر وليبيا واليمن وغيرها، لكونها حركة فكرية كونية، وليست مطلبية مادية إصلاحية، ولعل هذا مما ينبئ عن واقع تحولات كونية كبيرة قد تحدثَ عنها كثير من الكتاب والمفكرين العالميين.

أمر هامٌ ينبغي الإشارة إليه.

إن المسلمين الإرتريين هم الذين صنعوا واقع إرتريا المعاصر عندما وقفوا ضد المحاولات التي حِيكت ضم وطنهم أرضًا وشعبًا، وكان المراد منها: ضم كل إرتريا إلى إثيوبيا، أو تقسيمها بين إثيوبيا والسودان بالتواطؤ بين أصل لوبي اليوتوب النصراني وبين إثيوبيا وأميركا وبريطانيا وإسرائيل، وما أن أسقط المسلمون هذه المحاولات في أيديهم، لجأ الملأ المتواطئ إلى مصيدة الإتحاد الفيدرالي التي وقفت وراءها نفس القوى العالمية المنتصرة في الحرب العالمية، والقوة الإقليمية آنفة الذكر.

لم يكن ذلك كله إلا من أجل دعم إثيوبيا بجعلها دولة بحرية لجعلها حليفًا إستراتيجيًّا قويًّا لهم في الشاطئ الغربي للبحر الأحمر، فكانت مصيدة الإتحاد الفيدرالي بين إرتريا وإثيوبيا لمدة عشر سنوات ليتفق الطرفان لما بعدها فيما يناسبهم، وبهذا فقد أُحيل الصراع الثقافي الإرتري الإرتري إلى هيئة الأمم المـتحدة، وعلى هذا تمت المصادقة عليه في لعبة سياسية هزيلة بيِّنة العور.

نعم، لقد أُجيز عقد معاهدة الإتحاد الفيدرالي بين إرتريا وإثيوبيا بالتفاصيل المعروفة، بيد أن إثيوبيا فسخت عقد معاهدة الإتحاد الفيدرالي بالتعاون مع ذات الطرف الإرتريين الذي كان يطالب بضم إرتريا إليها، أو بتقسيمها بينها وبين السودان، ومن أجل إرغام وترويع المسلمين، وكافة الوطنيين الإرتريين الأحرار، فقد تزامن هذا النشاط السياسي مع عمليات إرهاب فكري ترجمته عمليات اغتيالات للقيادات الإسلامية من أمثال الشيخ عبد القادر كبيري وغيره كـثير.

ولما كانت كافة الفئات السياسية الإرترية تعالج واقع التحول السياسي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية كلٍ من زاوية نظر بعده الفكري المؤسس على ثابت إرثه الثقافي، فقد كان المسلمون هم الأضعف في نلك اللعبة السياسية لافتقارهم إلى حليف سياسيٍّ إستراتيجيٌ كالذي كان يتمتع به خصمهم النصارى، لهذا قبِلَ المسلمون بفكرة الفيدرالية لكونها أهون بكثير من مخطط ضم وطنهم إلى إثيوبيا أو تقسيمه على أسس بعد فكر قاصر لم يستوفي دراسة كل المسائل والشؤون الوطنية في الحاضر والمستقبل.

ولما لم تكن فكرة الفيدرالية مقصودة لذاتها، بل من أجل تهدئة الواقع المتأزم بين الإرتريين بامتصاص حالة الغضب والتوتر التي كانت بينهم، فإن إثيوبيا وحلفاؤها نكثوا عن عهود ومواثيق الفيدرالية بإجراءات عملية منذ عام 1959، فقد بدأت إثيوبيا علنًا بهدم أركان الاتفاقية حتى أكملت هدمها لها عام 1962 بإسقاط العلم الإرتري وإعلان كون إرتريا جزءًا من إثيوبيا لمَّا أقدمت إلى إلغاء كل معنىً وبعدٍ يفيد كون إرتريا دولة مستقلة، ولم يكن ما يربطها بإثيوبيا إلا معاهدة الإتحاد الفيدرالي، عندئذ انتقل المسلمون الإرتريون إلى مغالبة هذا النكث بإعلان ثورة مسلحة في عام 1961 سبتمبر، وقد دامت الحرب بين الثورة الإرترية وإثيوبيا في حالة كرٍّ وفرٍّ ثلاثة عقود عجاف، أحرقت فيها إثيوبيا الحرث والنسل، وأجبرت الشعب الإرتري إلى لجوء سياسيٍّ كبير لم يعودوا منه حتى هذا التأريخ.

بيد أن إثيوبيا التي كانت مجهزة بأحدث عتاد وآليات ووسائل عسكرية، وأنها كانت متمتع بخبرات عسكرية وبتأييد سياسي إقليمي ودولي، بينما فصائل جبهة التحرير الإرترية القائمة على الفقراء والجياع، المفتقرة إلى السلاح اللازم والتأييد السياسي الإستراتيجي، وأن نسبة الفارق بين سكان إرتريا وإثيوبيا: 10% فقط، ورغم ذلك قد أثخنت ثورة الشعب الإرتري جيش إثيوبيا في نهاية المطاف، فاضطرت لذلك إثيوبيا إلى الاعتراف بحق الشعب الإرتري معلنة هزيمتها من الناحية العملية كما جاءت في بعض تفاصيل محادثات أتلانتا بين الوفد الإثيوبي ووفد الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا.

ورغم ذلك لم يقرر الغرب ولا الشرق حصول إرتريا على استقلالها الوطني الكامل كما قاله الأستاذ الأمين محمد سعيد رئيس وفد الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا في المقابلة التي أجرتها معهم سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن، وقد سمَّى الأستاذ الأمين دولاً كثيرة بعينها على أنها لا تقبل باستقلال إرتريا، ومن ذلك قوله: لا الولايات المتحدة الأميركية تقبل باستقلال إرتريا، ولا الإتحاد السوفيتي، ولا السعودية، ولا السودان، ولا الكتلة الشرقية عمومًا؛ بيد أن الواقع كان عكس ما قاله الأستاذ الأمين إذ قد نالت إرتريا استقلالها الوطني، فما هو تفسير ذلك، هنا أرجو من الجميع الوقوف عند هذه السؤال مليًّا لعظم أهميته التي لم يستوعبها الكثير منا كما ينبغي.

نعم، لم يكن مقررًا استقلال إرتريا من جهة صانعي قرارات السياسة الدولية، ذلك لكون إرتريا تحتل موقعا إستراتيجيًا مؤثرٍ على أمن محيط البحر الأحمر المتصل بالشام والأمن الدولي، ولهذا كانت معاناة المسلمين الإرتريين ومازالت لكونهم هم الأكثر عددًا، ولكونهم مرتبطين بواقع بعدهم الثقافي مع العالم العربي الإسلامي الذي هو في حالة حرب مع إسرائيل، وليت الأمر كان عند هذا الحد، فقد كانت الفاجعة الكبرى للعالم الغربي صانع السياسة الدولية، ولإسرائيل على السواء من قبل المسلمين الإرتريين يوم أعلنوا على أرض الواقع عن ميلاد حركة الجهاد الإسلامي الإرتـري.

نعم، تلك كانت فاجعة كبرى، وأنها تزامنت مع الإعلان عن حكومة إسلامية في السودان، وأن العالم كان له ما يكفيه من قراءة الفكر الجهادي بما حصل في أفغانستان بعد إذ يممها المسلمون بمهجهم وأموالهم من كل حدبٍ وصوب على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ومذاهبهم، وخاصة فئة الشباب الذين ترك بعضهم أعظم متاع الحياة المدنية المعاصرة، وقد ابلوا ثـمَّ جميعًا بلاءً حسنًا في منازلتهم لعلوج السوفيت الملحدين المغرورين، كان ذلك رغم صعوبة التعامل مع أرض وشعب أفغانستان، هذا بصرف النظر عن الفظائع التي انتهى إليها أمرهم من سجون هنا وهناك في بلدان العالم بسبب بؤس قياداتهم والتآمر الدولي المحكم ضدهم، وهو الأمر الذي لم يُعِدُّوا له العدة.

وما أن أعلن الإرتريون عن جهاد مسلح غربي البحر الأحمر، قام الغرب ومعهم إسرائيل ولم يقعدوا حتى أبرموا الاتفاقات اللازمة مع كافة الجهات الحليفة الدولية والإقليمية من أجل وأد حركة الجهاد الإسلامي الإرتري في مهدها من داخلها ومن جهات عدة إقليمية وعالمية، ذلك بعد أن قال الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر:"إن الجهاد في إرتريا ليس كغيره" أي أن الإعلان عن الجهاد في أي مكان من أقوى القوة الجاذبة للمسلمين على ساحاته، وفي الجزيرة العربية خاصة لدعم المجاهدين الإرتريين بالمال والنفس والخطط والدعاء، ذلك لأن إرتريا لا يفصلها عن الجزيرة العربية إلا سطح البحر الأحمر من الوصول إليها، وهو أمر في غاية السهولة لتدني تكاليفه  ومخاطره، وأنه يتم دون الحاجة إلى الجوازات ومحطات العبور وما يترب عليها.

إن مصالح الغرب بهذا الإعلان في جوار الجزيرة العربية سوف تتعرض إلى أخطار عظيمة جدًا جدًّا، حيث البترول والغاز العالمي، وحيث السوق المالية والاستهلاك العالمي العظيم، وفي الجوار ثم أمن إسرائيل في الشام، لهذا تواطأ الملأ فوضعوا عددًا من الخطط، التي كان أهمها:

-1 التنازل عن دعم إثيوبيا وإعطاء إرتريا استقلالها الوطني قبل أن تصل حركة الجهاد الإسلامي الإرتري قدرًا يصعب التفاهم معها، فضلاً عن مقاتلتها في الجبال والوهاد التي هزم فيها الإرتريون إثيوبيا.

-2 تقرير تسليم الاستقلال الوطني لإرتريا أحد التنظيمات الإرترية الأقرب إليهم، فكان تنظيم الجبهة الشعبية لأسباب وحقائق لا يسعها المقام لدقة وكثرة تفاصيلها، ولهذا فقد رأينا كيف تمت عملية دخول جيش الجبهة الشعبية إلى أسمرا دون طلقة، إلا طلقات الفرح التي وجهها بعض المقاتلين إلى السماء ابتهاجًا بالاستقلال، ذلك بعد أن سُحِبتْ قيادة الجيش الإثيوبي العليا إثر إجبار منجستوا إلى قبول اللجوء حيث لقي حتفه، فهام الجيش الإثيوبي على يهيم وجهه متجهًا إلى البحر يريد اليمن والسعودية، وعلى اليابسة صوب جيبوتي والسودان، فلم تكن العملية إلا لعبة سياسية دولية من قبيل لعبة الشطرنج كما جاءت في كتاب وليام غاي كار: (أحجار على رقعة الشطرنج)

 -3 إلهاء القيادة التنفيذية لحركة الجهاد الإسلامي بحوارات مع الجبهة الشعبية والتنظيمات الإرترية بوساطة السودان قبل إعلان الاستقلال، وبينما الجبهة الشعبية لم تزل تنظيمًا لم يُعلن كونها حكومة البلاد، هذا في الوقت الذي كانت فيه الخلافات تتطور بين أجهزة حركة الجهاد، والقيادة لم يسعها أن تلتفت إلى تلك الخلافات الحالقة. راجع الجزء الأول في كتاب لي بعنوان: (إرتريا والمأساة التأريخية)

 -4 الاتفاق مع بعض دول الإقليم والجوار للتضييق على حركة الجهاد الإسلامي الإرتري، فقام السودان بترجمة ذلك يوم عرض على قيادة الحركة خيارات ثلاثة تعجيزية، وسجن أفرادها، وصادر ممتلكاتها، وأغلق مكاتبها، حتى تحققت عمليات التضييق بكل معانيها كما تم الاتفاق عليها، وهو ما نجد تفاصيله في الكتاب المشار إليه أعلاه آنفًا.

 -5 تطوير واقع الخلاف بين مكون حركة الجهاد الإسلامي بالإعلان عن انقسام حركة الجهاد حول كيانٍ يمثل الإخوان المسلمين، وآخر يمثل السلفيين بحجج لا ترقى إلى تمزيق المسلمين.

-6رغم هذه المخازي في ذات تجربة حركة الجهاد الإسلامي الإرتري، إلا أن الإعلان عنها من جهة، ومنازلتها العسكرية المحدودة للجبهة الشعبية من جهة أخرى، كان السبب الرئيس الحقيقي لاضطرار الغرب بقبول استقلال إرتريا والتضحية بإثيوبيا بما جاء بيانه في الكتاب المذكور. 

-7بهذا نفهم أن المسلمين هم دومًا أصحاب الفضل الأعظم لإبقاء إرتريا للإرتريين بخريطتها السياسية، وبمكونها الإثني الثقافي الذي يمثل واقعها المعاصر، كونها دولة حرة مستقلة تتمتع بشخصيتها المتميزة بين دول العالم، وأنها عضو في مؤسساتها العالمية والإقليمية، بيد أن هذا الكلام يحتاج إلى بيان وتفصيل، ذلك لأن الناس ليسو على مستوىً واحدٍ من التجارب والفهم، فما هو البيان والتفصيل اللازمين؟

أولاً، إن القِوَى العالمية التي انتصرت في الحربين العالميتين، هي الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول أوربا التي أهمها المملكة المتحدة-بريطانيا-، وأن أميركا وبريطانيا كانتا وما زلتا تَسِيران بقيادة تنظيم الروتشيلد المالي العالمي المرابي الذي يتحكم على المال العالمي، فهو القوة المالية المرابية العالمية التي تدير البنوك العالمية التابعة للأمم المتحدة، بل أن بعض دول العالم مازالت بنوكها المركزية يتحكم فيها تنظيم الروتشيلد المالي العالمي، وهذه حقيقة يعرفها بعض سياسي العالم.

ثانيًا، من المعلوم بالضرورة أن تنظيم روتشيلد من عائلة يهودية، وأنه منذ نشأته الأولى في ألمانيا في القرن الثامن عشر الميلادي، بدأ يخطط لإقامة دولة لليهود في فلسطين، بيد أنه ما كان له أن يبلغ ذلك قبل أن يتمكن من السيطرة على أوربا بالتقلقل في أنظمتها الملكية لضمان تمرير خططه الإستراتيجية عبرها، ولذلك بدأ بفصل الدين عن الحكم فيها، وهو ما تحقق بقيام الثورة الفرنسية وإعلان الحريات العامة والخاصة بحجة التحرر من هيمنة وجبروت الكنيسة والنبلاء الذين كانوا قد استعبدوا شعوب أوربا، وما إن حقق تنظيم الروتشيلد أهدافه في أوربا، انتقل إلى أميركا ليقود العالم كله من خلالها بقوة المال والسلاح.

ثالثًا، بهذا التخطيط قد حقق تنظيم الروتشيلد التقلقل في أنظمة الحكم الملكي في أوربا، ثم حقق من بعدُ أهدافه الإستراتيجية بالسيطرة المالية وبالدهاء والمكر، حتى تمكن من توجيه أنظمة الحكم في العالم كله مباشرة أو عبر وكلائه الذين يحسن صناعتهم، فهو لذلك يقيم حروب وثورات داخلها أو من حولها دومًا، وقد كانت أشهر أعماله في فترة إعادته لتكوين الأنظمة الأوربية: الثورة الفرنسية وإعلان الحريات، والحرب البريطانية الداخلية، والحرب الأهلية الأميركية، واغتياله لشخصيات أميركا وأوربا النبيهة التي خشي منها كشف خططه، وما إن تمكن من إسقاط المملَكات الوطنية الأوربية، واستبدلها بأنظمة أصبح هو جزءًا من مكونها، انتقل إلى أميركا لأسباب أهما:

-1 أن أوربا وإن تمكنت فيها قوى الروتشيلد بخلع معظم أنظمتها الوطنية الملكية، تظل فيها قوى تعارض وجود وهيمنة اليهود في ذاك الوقت.

-2 إن الولايات المتحدة كانت بلادها ما زالت بكرًا، وأن شعبها ليس بالشعب الأصيل بعكس أمم أوربا كلها، أما شعب أميركا الأصلي الذي يعرف بـ: (الهنود الحمر)، فقد تمت إبادته بأيدي المهاجرين الأوربيين بخطط ومكر البريطانيين سيئ السيرة السياسية والأخلاقية نحو شعوب العالم.

ولما كانت أميركا بتلك المواصفات المادية القيمة بالنسبة للمُستعمرِ، فهذا يعني أنها دولة واعدة لإستراتيجيات المُستعمر، ولما كانت دولة واعدة فما كان ينبغي صرف الوقت والمال والجهد المضني في أوربا التي لا تخلو من متاعب ومشقة.

-3 بعد تحكم الروتشيلد على اقتصاد أميركا، سن حكماؤهم أسس التحكم على العالم بأسره، فكان همهم الأول السيطرة على العالم بالمال كما حصل في أميركا، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، سيطرتهم على البنك المركزي البريطاني حتى هذا التأريخ، وأما همهم الثاني فكان إقامة دولة لليهود في فلسطين، وأن مهمة إقامة دولة لليهود هناك يتضمن تأمين محيط البحر الأحمر والشام وكل ما يتصل بهما.

ثانيًا، من المعلوم بالضرورة أن أعمال البشر في الشأن الجمعي يقوم على أصل عقديٍّ، سواء كانت عقيدة العاملين متصلة بغيبيات كما جاءت في الكتب المنزلة من عند الله على بعض رسله كالتي يؤمن بها اليهود والنصارى والمسلمون، أو غيرها من العقائد الوهمية كعقيدة المجوس والهندوس والبوذيين وكثير غيرهم، أو أنها عقيدة ما دية ملحدة كالتي تعمل على نحوٍ ما وهي تقول: (لا إله والحياة مادة.)

هنا، ربَّ قائلٍ يقول: إن الربط بين هذه المعلومات، قد يكون صعبًا لما يبدو بأن هذه القراءات بعيدةً عن الحديث حول كون شركة إرترية غـدت تسوق حذاءًا مطبوعًا في أسفله أبرز وأهم وأخطر شعار للمسلمين كافة وهو: (المسجد)، فما هو وجه الربط بين هذه التفاصيل المعقدة، وبين حدث اعتداء شركة إرترية على مقدسات المسلمين، ولهؤلاء وغيرهم أقول: إن في الفقرات التالية من ثالثًا وما يليها، ما يبين صورة الربط بالمطلوب بيانه.

ثالثًا، إن ما جرى وما زال يجري في إرترية، صراعٌ ثقافيٌّ بكل معانيه العلمية والواقعية، وأننا في واقع اليوم نعني بالصراع الثقافي، معاني العقائد والحقوق العامة والحقوق التأريخية وموروث العادات والتقاليد الحسنة التي تمثل الأمة، ولولا ذلك لما طالب نصارى إرتريا تارة بالإتحاد مع إثيوبيا، وأخرى بإقامة دولة نصرانية بين تجراي إثيوبيا وتجرينيا إرتريا كما جاء مفصلاً في سفرٍ عظيمٍ وثائقي لكاتب نصراني بعنوان: (لن نفترق) للأستاذ ألم سقد تسفاي.

رابعًا، إن محاولة ضم إرتريا إلى إثيوبيا كان من صنع الغرب الذي استغل رغبة بعض المواطنين، لهذا لم يكن إذن عمل المنظومة الغربية النصرانية عبثًا، بل كان من أجل تمكين إثيوبيا من الشواطئ الإرترية في البحر الأحمر المتصل جنوبًا بالمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، وشرقًا بميناء إيلات في الشام، وبمضيق هرمز في جنوب شرقي البحر الأحمر، وقد كان ذلك ضمن خطط الروتشيلد بقصد إقامة دولة يهودية في فلسطين بتأمين شرق وغرب البحر الأحمر لضمان الشام حيث إسرائيل، ذلك لأن المسلمين الإرتريين لم يُكنْ يُرجى منهم الوقوف ضد المسلمين في الجزيرة العربية والشام لصالح إقامة دولة يهودية في فلسطين بالتضامن مع المخطط الدوليِّ دون توافق بين اليهود والفلسطينيين.

وهو أمرٌ يمثل صورة عدم التوافق بين المسلمين الإرتريين وإثيوبيا لضم إرتريا إلى إثيوبيا بتواطؤ فئة النصارى مع إسقاط بإسقاط كافة حقوق المسلمين، لاسيما أن المسلمين كانوا قد أعلنوا في فترة تقرير المصير تصريحًا وتلميحًا بأنهم جزء من واقع بعدهم الثقافي، كما قاله وفعله النصارى الإرتريون بفعالٍ صراحةٍ طالبوا فيها بضم إرتريا إلى إثيوبيا، وهو الأمر الذي لم ولن يكن محرّمًا على المسلمين.

خامسًا، بمنهاج الاستقراء التحليلي يمكننا القول، لقد حُق للمسلمين والنصارى الإرتريين التعبير عن أبعادهم الثقافية بصريح بالفعال والمقال في فترة تقرير المصير، وهو أمرٌ طبيعيٌّ لكون واقع الحال كان يتطلب النظر الإستراتيجي لما سيؤول إليه مستقبلهم الجمعي، بيد أن ثم فارق عظيم ينبغي أن يُقرأ بأمانة دون الحيدة عن الحقائق الثابتة، ودون الميل إلى الانتصار للجماعة، أي، أن الفرق كبير بين الموقف السياسي الإستراتيجي الذي تبناه مسلمو إرتريا، وبين الموقف الإستراتيجي الذي تبناه نصارى إرتريا، فالمسلمون لم يساوموا بحاضر ومستقبل إرتريا، بل قرروا جهة بعدهم الثقافية والسياسية والأمنية التي هي العالم الإسلامي عامة، والدول العربية خاصة، أما النصارى فلم يقيموا وزنًا للوطن إطلاقًا، بل قضى ساستهم إما إقامة دولة تجراي تجرينيا باجتزاء جنوب إرتريا وضمه إلى شمال إثيوبيا، مسقطين كل حقوق المسلمين الذين يشاطرونهم سكنى الأقاليم الجنوبية الثلاثة، هذا من جهة، وإما ضم إرتريا إلى إثيوبيا كلية، وإما تقسيم إرتريا بين إثيوبيا والسودان؛ وقد فعلوا كل كذلك من أجل اكتساب قوة تحصنهم من الذوبان بين المسلمين حسب ما أفتى به لهم زعماؤهم من جهة أخرى.

سادسًا، إذا كانت تلك الأعمال بررتها لهم فترة تقرير المصير من أجل ضمان مستقبلهم، فما الذي يبررُ اليوم أفعالهم المشينة بالإصرار على إقصاء المسلمين عن سائر شؤون إرتريا، وقد اعتمدوا وسائل تسيء إلى المسلمين كما يقرؤها الجميع بتطبيقاتهم العملية المنزلة على أرض الواقع، وأنهم لم يتورعوا عن أقوال ساخرة غدت مشاعة تُـنبي عن سقوطهم الفكري وتخلفهم عن القراءة الواعية لأحداث التأريخ.

ما هي إذًا القراءة الأخيرة.

لكون القراءة التالية استثنائية، أرجو من القراء الكرام التدقيق فيها كي لا يقع بيننا سوء تفاهم بسبب العجلة والأحكام السابقة تارة، وبسبب ما يقوله الزعماء ويقبله الأتباع دون وعيٍ تارة أخرى في الغالب، وبسبب ربما لكون القائل ليس من الجماعة....الخ.

إن ما أردتُ أن أثبته بهذه القراءة لا يجهله غالبه غالبنا، فإني أعمل من أجل أن أوصِلَ رسالة هامة، والرسالة تقول في جملتها وتفاصيلها لكل الإرتريين من أجل أن يتصوروا واقع مستقبل وطنهم، فالمسلمون الذين صنعوا تلك الأمجاد، قادرين-بإذن الله- لأن يصنعوا مثلها إذا ما استكملوا شروط سنن الله الشرعية والكونية في الزمان والمكان، ومن زاوية نظر هذا البعد يبرز سؤالٍ ذي وأهمية عظيمين وهو يقول:

(هل الأفضل أن يتفق شركاء الوطن لصُنعِ واقع التعايش السلمي بين المكون الوطني الإرتري باثنيته الثـقافية ما دمنا شركاء، ومادامت الأرض تسعنا، ومادامت مواردها الطبيعية تكفينا، ومادام واقع جيل اليوم يختلف عن واقع جيل الآباء، فجيل اليوم لديه من سعة الأفـق والتجارب والعـلوم والمعارف ما يعد أمرًا عظيمًا من بعد انفـتاحهم عـلى العالم كله، أم أن الذين وضعوا شعار الإسلام الأعظم تحت أنعلهم سوف يضطروننا إلى مالا تحمد عقباه؟)

وعن هذا السؤال الملح يتفرع سؤال ملحٌ آخر لا يقل عنه أهمية وإلحاحًا وهو يقول: في حال وقوع مالا تحمد عقباه، تُرى من سيكون الخاسر الأكبر، هل هم أهل السهول الزراعية الفسيحة والمتنوعة كونَا، وفيها حقول رعي خصبة متنوعة، وحقول بترول ومعادن نفيسة مسكوت عنها، وشاطئ بحري طويل الذي بسببه ولأجله دفع المسلمون خاصة، ثمنًا غاليًا وما زلوا يدفعونه دون استحسار؟

أم تراهم أهل الهضبة الجنوبية محدودة الأفق والموارد، لاسيما بعد أن تغيرت المعادلات السياسية التي كانوا يراهنون عليها في فترة تقرير المصير السياسي الإرتري، تلك الفترة التي ربما كانوا محقين فيها وهم يبحثون عن الأفضل وفق مكونهم الثقافي الذي أسسوا عليه أعمالهم السياسية في زمن كان فيه الجميع أقل ثقافة ووعيًا، بيد أن هذه التغيرات في واقع اليوم قد أسقطت رهاناتهم كلها جملة وتفصيلا، وأهم التغيرات التي تحققت في ساحات السياسية الإرترية والإثيوبية، قد بدأت أواخر القرن الماضي نتيجة للتغيرات الدولية عقب نهاية الحرب الباردة وبروز نظام عالمي جديد، وكانت من أهم هذه التغيران ما يلي:

-1 إن إرتريا قد أصبحت دولة حرة مستقلة.

-2 إن إثيوبيا التي كانت تدعي أن إرتريا جزءًا منها، وكانت لذلك تُعملُ ضد الشعب الإرتري وثورته حرب إبادة شاملة لإسكات صوته السياسي وكفاحه المسلح، ها هي أول من اعترف باستقلال إرتريا.

-3 إن التجراي الذين كان التجرينيا يراهنون بهم وعليهم، قد أصبحوا حكام إثيوبيا بجدارة، وهذا يعني بالضرورة العلمية والواقع السياسي، سقوط رهان التجراي تجرينيا، أي ليس من العقل والحكمة والسياسة أن يرجع التجراي من السعة إلى الضيق، فيفكر ليعمل مع التجرينية الإرتريين.

-4 ولو أننا تطرقنا إلى بعض ما يشغل بال البعض الذين كانوا وما زالوا يعملون لتفعيل همومهم فئوية ردحًا من الزمن على أمل تحقيق وحدة بين دولة إرتريا وإثيوبيا، ولا نعلم يقينًا كنه ما يتصورنه لما في واقع اليوم، ورغم ذلك لم أجد ما يمنع من مناقشة هذه الهواجس، لهذا أقول:

-5 لو أن دولتي إرتريا وإثيوبيا توصلتا إلى اتفاق سياسيٍّ إستراتيجي لإقامة وحدة كنفدرالية تجمعهما وفق النظم العالمية المقررة بالتوافق والتراض، أي على أن تتمتع كل دولة فيها بكامل سيادتها الوطنية، تُرى لو حققت الدولتان هذه المعاني السياسية من أجل واقع تكافؤ وتكامل لشعبيهما في مجالات الرخاء الاقتصادي، واستتباب الأمن، واستقرار الشؤون السياسة من أجل خلق واقع الثقة المتبادلة بين الحكومتين وشعبيهما، وتمت الترجمة العملية لذلك على أرض الواقع بالتبادل التجاري والثقافي، تمهيدًا للوصول واقع حال تعايش سلميٍّ آمن، وانسجام بين أفراد الشعبين حتى يغدوا يتشوفون إلى الانتقال من حالة الكنفدرالية إلى فيدرالية حقيقية تمثل طموحًا مشتركًا، لو أننا تصورنا هذه الأبعاد، هل يمكن أن نتصور معها أن تتحقق بمعزل عن حضور وتأثير المسلمين الذين هم الشريك الأكبر؟

-6 أقول جازمًا بثقة عظيمة: كلا وألف كلا، فليعلم إذًا هؤلاء الحمقى بأن المصير النهائي لإرتريا لن يتقرر بمعزل عن المسلمين مهما كانت مظاهر ضعفهم في واقع اليوم، فهم وإن كانوا كذلك اليوم، ليسو أضعف من واقعهم في زمن تقرير المصير، ورغم ذلك، فقد أبقوا الوطن على النحو الذي جاء ذكره.

لقد وردت في الدراسة بعض المقاصد في عبارات تحتاج إلى بيان يوضح المراد منها، إذ لم يكن ممكنًا بحثها أثناء الحديث حيث وردت عبارة لم تكن مقصودة لذاتها في الموضع الذي ذكرت فيه، ومن ذلك:

-1 ورد ذكر: (شرذمة أساءت إلى الجميع.)

-2 وذكر: (التعايش السلمي).

-3وغير ذلك.

-1 فالمقصود بعبارة (شرذمة أساءت إلى الجميع)، هي الفئة النصرانية التي تبنت الإساءة المباشرة إلى الإسلام والمسلمين بجعلها أعظم شعار المسلميـن تحت أنعـلها بما جاء بيانه مفصـَّلاً فـي موضعـه أعلاه، بيد أنها بإساءتها إلى الإسلام والمسلمين، فقد أساءت أيضًا إلى عموم النصارى، فضلاً عن عُـقلائهم وحُكمائهم الذين هم براء من هذه الإساءة القبيحة التي لا يفعلها ولا يقول بها إلا السُّقطِ التافهين الذين يتخفون خلف أكمة وتحت أجمة حزب الجبهة الشعبية، فقد كانت إساءتهم إلى عموم النصارى وعقلائهم وحُكمائهم الكثيرين، لكونهم من جنسهم ومن أهل ملتهم، وهي إساءة بالمنطق التحليلي.  

أما الإساءة المباشرة من هؤلاء السفهاء لهؤلاء الكرام الأحرار من العامة والخاصة، فكانت بالاعتداء على حقوقهم الفكرية والسياسية والمدنية، فكانت النتيجة، السجن والقتل والعزل والتهميش مع إسقاط دينهم وحقوقهم الثقافية والتأريخية، وكأنهم ليسو شركاء في الوطن، ولهذا فقدر الظلم والاعتداء الذي وقع على المسلمين أشد وأعظم وأوسع في الميادين، إذ قد شمل اعتداء هؤلاء الجهلة على المسلمين كافة، الدين والعرض والنفس والممتلكات والموروث الثقافي والتأريخي، هذا بالإضافة إلى حقوقهم الفكرية والسياسية والمدنية التي يتساوى فيها الجميع، ولذا فهذه الممارسات السيئة تعد أمرًا جامعًا بين كل المسلمين لكونها شملتهم ببؤسها، كما أنها تعدُّ أمرًا جامعًا بين كل النصارى لكونها شملتهم لما لم نجد من بينهم من ينكرها بقوة صريحة.  

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr