Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
عن قليل مما انساب بين السودان و إرتريا - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

عن قليل مما انساب بين السودان و إرتريا

بقلم: عمر جعـفـر السّـوْري 2/يناير 2013/ نقلا عن سودانايل

عفــو الخاطــر:

للبحر مد و جزر، و للقمر نقص و كمال، و للزمن صيف و شتاء، أما الحق فلا

يحول و لا يزول و لا يتغير.    (جبران خليل جبران)

رغم الوشائج الوطيدة و الصلات الراسخة بين الشعبين، لم تحظ العلاقات السودانية الإرترية في كل مراحلها و على مدى الأزمان من الجانبين السوداني و الإرتري، على حد سواء، الا بقدر متواضع من الاهتمام الدراسي  و التوثيق، و هي العلاقات التي كانت و لم تزل ذات الأثر العميق في ماضي و حاضر و مستقبل البلدين و الشعبين. رسم تلك العلائق في كل الحقب تدفق أنهر من ترحال دائم بين القبائل و العشائر و بين بطون و أفخاذ تلك القبائل، و تجارة رائجة لم تحدها حدود، و لم تقف في وجهها معارك جرت عبر نقاط التماس أو في قلب البلدين. بعض تلك الانهر كان ظاهراً على وجه البسيطة، ينهل منه الناس و ترتوي بمياهه الأنعم، و يسقي زرع الوشائج فتخضر و تنمو و تزهر و تزدهر، أو يعكر صفوه ماء آسن وجد طريقه الى مجاريه؛ و بعضها الآخر يجري تحت الأرض تتشكل منه بحيرات ترفد المستقبل، إن دعت الحاجة و بلغ القحط مبلغه. كذلك خط أشخاص كثر على صفحة العلاقات علامات بارزة، لكن علا تضاريسها غباراً تراكم على مر السنين في انتظار أيدٍ تزيله و تكشف أسراره حتى تضئ مواقع الاقدام و تنشر بيارق نصره. كان من بين الذين حاولوا سبر غور تلك الانهر، حسب الله محمد أحمد، في منتصف ستينيات القرن المنصرم؛ و قد كان موظفاً إدارياً في وزارة الخارجية السودانية يومئذٍ، له اهتمام بالتاريخ و حكاياته و صلات بقيادات إرترية أقامت في السودان من بينهم ادريس قلايدوس و سيد أحمد محمد هاشم و محمد نور أحمد، سفير إرتريا السابق لدى الصين الذي غادر منصبه لاجئاً الى استراليا بعد أن اختلف مع الحكومة الإرترية و رئيسها. لكن كتاب الصحافي السوداني الراحل، أحمد طيفور، "حقيقة جبهة التحرير الإرترية" الذي وقف خلف اصداره الملحق العسكري الاثيوبي في الخرطوم، العقيد ترّقي، منتصف ستينيات القرن الماضي أيضاً، كاد أن ينكأ جراحاً لم تندمل حينذاك، حينما سلمت حكومة الفريق ابراهيم عبود في العام 1963 سبعة من المناضلين الإرتريين الى الحكومة الاثيوبية و يعكر صفو تلك العلائق لولا يقظة القيادات الإرترية و القوى السياسية و النقابية السودانية و المثقفين و الكتاب و الصحافيين. و مما يثير العجب ان مقدمة الكتاب تؤكد على عمق تلك الروابط الازلية رغم تعارضها مع الهدف الذي رمت اليه الاستخبارات الاثيوبية و فشلت في تحقيقه فشلاً ذريعاً؛ فقد بدأت المقدمة كما يلي: "مدفوعاً بصلات الدم و القربى سرت بعيداً مع جبهة التحرير الإرترية..." أقر طيفور اذن بصلات الدم و القربى لتبرير رحلته مع الثوار الإرتريين و مقالاته المناصرة لهم التي نشرها في جريدة "21 أكتوبر" حيث كان يعمل بها سكرتيراً للتحرير.. قال الصحافي و الشاعر السوداني الراحل حسين عثمان منصور حينما اطلع على مسّودة الكتاب الذي لم يكن قد وضع بعد على رفوف المكتبات يومئذٍ: "إن هذه المقدمة المختصرة، و بهذه العبارات تحديداً، لا يكتبها الا اثنان في هذا البلد، أنا و عبدالله عبيد؛ و أنا لم أكتبها." كان طيفور أول صحافي يدخل الى ميدان المعركة مع الثوار و يعود مدججاً بذخيرة وافرة من القصص و الحكايات و المعلومات و الصور الضوئية التي تقطع الشك باليقين، و تزيل اللبس بين ما تدعيه الحكومة الاثيوبية و ما يجري على أرض الواقع. كان ما نشرته "21 أكتوبر" اختراقاً واسعاً للتعتيم الذي عانت منه الثورة الإرترية و ضوءً كاشفاً أماط استار الظلام المخيم حولها.

صدرت كتب عددا عن إرتريا و تاريخها و ثورتها و قضيتها، من بينها – على سبيل المثال لا الحصر - ما كتبه الزعيم الإرتري الراحل، عثمان صالح سبي، "تاريخ إرتريا" و آخر كتبه استاذ القانون الدولي المساعد بجامعة دنقلا، علي عباس حبيب، "إرتريا عبر التاريخ"، و غير ذلك، لكن العلاقات السودانية – الإرترية بقيت مهملة حتى اليوم، ما تناولتها الابحاث و الدراسات بعد بصورة مستفيضة، رغم أن اثارها لم تزل و ستظل واضحة المعالم في تربة البلدين، و ستبقى مساراتها تسهم في تقرير مصير الشعبين و رسم حدودهما الجغرافية، و هو ما يبدو قيد الاجراء اليوم بغير إرادة اصحاب الارض و القوى الفاعلة في كلا القطرين، و قد بلغ الوهن بهذه القوى في يومنا هذا درجة قيد حركتها و الغى فعلها و قدرتها.

أنني هنا سأسرد – عفو الخاطر – بعض ما شاهدت و قليل مما شهدت، و لُمعاً مما سمعت من أفواه ثُقات كانوا من صانعي الحدث، أو شهوداً عليه أو قريبين منه أو من صانعيه، و سأترك البحث و التحري و التوثيق و الدرس للمتخصصين، الذين أدعوهم الى رصد ذلك لأثره العميق في مجرى الاحداث في السودان اليوم فضلاً عن إرتريا و القرن الافريقي، و فيما سيتمخض عنه في مقبل الايام.  و من بين الاحداث و المؤثرين فيها، التي أرجو أن يقفوا عليها و عندها طويلاً، تلك التي جرت قبيل الحرب العالمية الثانية مباشرة و في أعقابها و حتى اللحظة. بعضها يتذكره الناس و في حلوقهم غصص كهياج الجنود السودانيين، الذين دخلوا اسمرا مع جنود الحلفاء، و استباحتهم المدينة ذات يوم، و قتلهم الناس دون تمييز بعد خلاف فردي جرى بين جندي سوداني و أحد المواطنين الإرتريين من غير المسلمين، و أخرى ما زالت تضئ دروباً و تفتح آفاقاً. و لعل الدور الذي لعبه الصحافي و الأديب السوداني حسب الله الحاج يوسف "ود محلق" حينما دخلت القوات الايطالية الى مدينة كسلا، شرقي السودان، ظل مبهما الى يومنا هذا، و أخشى أن يكون قد طواه الثرى الى الابد مع جسد الصحافي الراحل الذي بقي بيننا قرناً من الزمان أو يزيد و نحن في غفلة عنه، ثم أدواراً أخرى لضباط سودانيين تسلموا مقاليد الحكم فيما بعد في العام  1958 و بعضهم اقترن بإرتريات منهم الأميرلاي محي الدين أحمد عبدالله، و احداثاً كان في قلبها الشيخ علي بيتاي و الشيخ كنتيباي و سواهما من شيوخ القبائل المشتركة و زعماء الطرق الصوفية و غيرهم.

و ليس الحدث السياسي وحده الذي يستحق المراجعة و الاهتمام بل مجمل الفعل الانساني الذي قام به تجار و مهربون و مغامرون أثناء الحرب العالمية الثانية و بعدها مثل علي درمه و حمد التلب و ابراهيم المقبول، الذي أغرته اثيوبيا أكثر فرحل اليها، و بكري جعفر الذي بقي في تلك البلاد معاصراً الايطاليين و البريطانيين و الحكم الوطني في الاطار الفدرالي و هيلي سلاسي و منقستو هيلي مريام و اسياس افورقي. تغيرت الاحوال و هو لم يتغير، غادرت نُظم و جيوش ثم جاءت غيرها و هو ما برح يتاجر، يرصد حركة القادة و المقاتلين القادمين من وراء الجبال و التلال و السهول يحطون رحلهم في نُزل امباسيرا المواجه لداره، أو أولئك المغادرين و هم يحزمون امتعتهم على عجل في رحلة بلا عودة، الى أن توسد الثرى هناك؛ و بينهم صاغة لبوا جميع الاذواق، أكانت للمواطنين على مختلف عقائدهم و أصولهم أو لأبناء و بنات الجاليات التي سكنت البلاد و بعضها توطنت. أحدث هؤلاء الصاغة اثراً لا تخطئه العين في ذائقة عملائهم و تركوا بصمتهم حتى اليوم في تصاميم المشغولات الذهبية و الفضية، و كان من أبرز هؤلاء الصاغة أولاد تبيدي الامدرمانيين الذين بقي منهم الحاج أبو القاسم تبيدي ردحاً طويلاً من الزمن بعد أن عادوا الى امدرمان مرة اخرى. و مازالت تصاميم الحاج أبو القاسم و نقوشه تطبع ذلك الذوق و تميّز الارتريات دون غيرهن؛ و معلمين انتدبتهم الادارة العسكرية البريطانية بعد اندحار ايطاليا الفاشية بينهم الاخوة الثلاثة عبدالله و الرياحي و جعفر أبناء الشريف عمر السّوري، و الاستاذ محمد حسين الذي آثر البقاء في تسني حيث توفي، و كان قد اقترن في أيامه الاخيرة بسيدة ذات اصول حجازية من آل سُنبل. و قد نعته صحيفة الزمان التي كانت تصدر باللغة العربية و رصيفتها الصادرة بالتقرينية، لكن إلكوتيديانو ارتريو "إرتريا اليومية" باللغة الايطالية – و هي الاوسع انتشاراً و الاكثر توزيعاً – لم تشر الى وفاته. ربما يعود ذلك الى أن قراءها هم من ابناء الجالية الايطالية الكبيرة حينئذٍ و من المتعلمين الإرتريين الذي تربوا في المدارس الايطالية، ثم تمطوا – ما شاء الله لهم أن يتمطوا على كراسي الادارة بعد خروج الايطاليين مندحرين – و يستحوذوا على الخدمة المدنية. كانت الايطالية هي لغة الادارة في الدواوين الإرترية، لا سيما البلديات الى منتصف الستينيات و ربما بعدها بقليل.  و كذلك أثّر مهندسون شقوا القنوات في غربي إرتريا، كان على رأسهم زعيم الحزب الجمهوري، الاستاذ محمود محمد طه الذي لم يكتف بذلك، بل تطوع في حملة يخلّص بها مجتمع  تلك السهول من عادات و موروثات بالية مثلما دأب على فعله في السودان؛ و بينهم مطربين منهم الحاج محمد أحمد سرور، الذي توفي هناك و دفن في العاصمة الإرترية، أسمرا، و الموسيقار اسماعيل عبد المعين، و المطرب و الملحن التيجاني السيوفي الذي لم يعد يذكره أحد في بلاده و هو الذي لحن و غنى خريدة حسن دراوي "الندامى" التي شدا بها من بعده كثر أبرزهم الخير عثمان:

أدر الكأس على العشاق صفواً ومدامه     يا حبيب القلب والروح و يا روح الندامى

أيها الرافل في مجد من الحسن دوامـا      ماست الأغصان لما عشقت منك القواما

لقد بلغ من طرب الناس هناك بالتيجاني و احتفائهم به أن وصّى له البلاتا سليمان تامر، من أعيان مصوع، بعود من مصر موشى بالعاج و الذهب و مطّعم بالفسيفساء، كلفه خمسين جنيهاً ذهبياً من جنيهات جورج الخامس في أربعينيات القرن العشرين. ثم غادر السيوفي الى جيبوتي الى أن استقر في عدن نجاراً يصنع المراكب، ليس خشية من الطوفان أو انتظاراً له؛ كذلك دور الغانيات اللائي أردن المجد فولجن لعبة التنقيب عن المعلومات و استخراجها و من ثم بيعها مقابل الاصفر الرنان، لكنهن رحلن عن الفانية فقيرات معدمات، و أشهرهن نفيسة حسين، تلك الفارعة الطول، تحسبها طوداً شامخاً، جهيرة الصوت، تحمله الريح  من عداقه بعراي حتى جزيرة مصوع، إن استبد بها الغضب، لكنها توفيت في ذلك الحي الذي ردد صدى صوتها بالقرب من مقبرة قتلى الحرب الايطاليين في نهاية جادة كلابريا؛ ضريرة، ظلت تأبي أن يقودها أحد، تتعرف على الناس من وقع أقدامهم – و هم حفاة - قبل سماع صوتهم، و تعرف الاماكن المحيطة بها و النقود و العملات الورقية معرفة يقين العين، يظنها الغريب مبصرة حينما يرى عينيها الواسعتين المحدقتين في اللانهائي و هي ترنو من علٍ:

و المجد عند الغانيات رغيبة      يبغى كما يبغى الجمال و يعشق

و غير هؤلاء و تلكم، أعداد من رجال الشرطة الذين بقي قلة من ضباطهم في هذا السلك حتى منتصف ستينيات القرن العشرين يطاردون الثوار الإرتريين بحسبانهم قطاع طرق "شفتا"، بعد أن نقلوا بنادقهم من كتف نافح عن البريطانيين ثم الحكومة الإرترية الى كتف الاحتلال الاثيوبي.

و في مرحلة تقرير المصير في اربعينيات القرن الماضي لم يتوان بعض السودانيين من الانغماس في تلك المعركة بكل جوانبها السياسية و الثقافية و الاجتماعية، فها هو جعفر السَّوْري و محمود الربعة يؤسسان جريدة "اسمرا الاسبوعية" التي سرعان ما أغضبت الادارة العسكرية البريطانية فأغلقت الصحيفة و أبعدت جعفر السَّوْري الى السودان ليلتحق الى حين بحوار أبيه، الشيخ على بيتاي، في مشروعه التنويري و الاصلاحي المشع من همشكوريب. و كان جعفر السَّوْري قد أسهم، قبل ذلك، مع عديله المحسن الإرتري الكبير و السياسي الوطني الثري صالح باشا كيكيا في تأسيس مدرسة حرقيقو، بالقرب من ميناء مصوع، التي لعبت دوراً رائدا في الحفاظ على اللغة العربية و نشر التعليم و الوعي الوطني، إذ كان من بين تلاميذها ثم معلماً بها ثم مديراً لها القائد الإرتري الراحل، عثمان صالح سبي. و كان سبي قد حدثني كثيراً عن دور مدرسة حرقيقو في الحركة الوطنية الإرترية مما يجدر تسجيله في غير هذا الموضع. و حرقيقو لم تكن قرية بداوتها تبدو، بل بلدة ترفد البندر بحاجته من العنصر البشري المؤهل. مما يذكر للباشا أيضاً موقفه الحاسم في انهاء النقاش عن اعتماد اللغة العربية لغة رسمية اثناء المداولات التي جرت في البرلمان الإرتري حول مشروع الدستور الذي وضعته الامم المتحدة بناء على قرار فدرالي ربط بين أثيوبيا و إرتريا في اتحاد قسري، وصفه مندوب الاتحاد السوفيتي، اندريه قروميكو، قبيل صدوره "بانه زواج كاثوليكي بالإكراه".

حينما احتدم النقاش تحت قبة البرلمان، و كان من فرسانه صالح باشا كيكيا مدافعاً عن اللغة العربية و متمسكاً بها، توجه اليه تلاّ بايرو، أول رئيس وزراء لإرتريا، و زعيم حزب الوحدة الذي نادى بالانضمام الى اثيوبيا، بسؤال خيم بعده السكون الذي يسبق العاصفة، و ران الصمت على جميع من في القاعة كأن على رؤوسهم الطير. سأل بايرو الباشا إن كان يتحدث بالعربية مع أهل بيته؟ عما يدور في الدور، و عن همس المخادع يسأل الوزير الاول؟! على نفسها جنت براقش إذن! حينها انفجر صالح باشا في وجه تلا بايرو و خاطبه من غير القاب مشيراً اليه بأصبعه، و تلك غاية الاهانة عند أهل تلك البلاد: "تلاّ! أتريد أن تعرف باي لغة اتحدث مع أهلي و كيف؟" هنا أدرك رئيس الوزراء عظم الخطيئة التي ارتكبها و الكفر البواح الذي تلفظ به، فسارع الى الاعتذار و إظهار الندم على ما قال، ليطُوي الحديث عن موضوع اللغة و ليثبت البرلمان العربية لغة رسمية لإرتريا الى جانب التقرينية. لكن الامر عاد بعد ذلك بنصف قرن أو يزيد، و ها هي لغة الضاد تعاني ما تعاني اليوم في تلك البلاد.

كان تلا بايرو محدثاً مفوهاً، و قارئاً نهماً و مثقفاً لا يبارى، يتقن لغاتٍ عددا بينها الانقليزية و الامهرية و الايطالية و السويدية الى جانب لغته الام "التقرينية"، و يتحدث العربية. فصيحاً حينما يلجأ الى الانقليزية مما ألجم السنة خصومه في الادارة العسكرية البريطانية التي تولت مقاليد الامور بعد فتح البلاد. حدثني، ذات مرة، السير كينيدي تريفاسكس، السكرتير الاداري البريطاني في تلك الحقبة، ان بايرو اجتهد كثيراً لإخفاء هويته حينما كان يكتب عنهم مقالات معادية تحت اسم مستعار، الا ان تريفاسكس كان يكتشفه من خطئه المتكرر عند كتابة اسم عائلته، فهو لم يحسن تهجئة اسم السكرتير الاداري قط، فيستدعيه للتحقيق، لينكر تلا بايرو الأمر مراراً و تكراراً، ثم ينجو بفعلته، فالخطأ الهجائي في اسم العائلة لم يكن دليلاً و لا قرينة ادانة.

زار تلا بايرو العاصمة السودانية في شتاء العام 1971 قادماً من العاصمة السويدية استوكهولم التي لجأ اليها بعد مغادرته أثيوبيا، و قد كان سفيراً للإمبراطور فيها. كان في طريقه الى إرتريا لحضور المؤتمر الوطني الاول الذي انعقد في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من نفس العام. و قد تكرم بقبول دعوتي للإقامة في منزلنا بحي العمدة الامدرماني؛ إذ من بين اجراءات الامن و التأمين لوفود ذلك المؤتمر هو تحاشي الاقامة في النُزل و الفنادق حتى لا ينتبه الاثيوبيون و غيرهم، ما عدا قلة قليلة بينهم أحد زعماء العفر، الراحل شحيم ابراهيم شحيم، لأسباب و ظروف مختلفة. بقي بايرو بيننا اسبوعاً أو نحو ذلك، ثم غادر عائداًً الى تلك المدينة الاسكندنافية، تاركاً خلفه رسالة للمؤتمرين. كنت حريصاُ على صحبته، ساعدني في ذلك عملي بجريدة "سودان استاندرد"، و رئيس تحريرها النبيل، الزميل محمد عمر الخضر، ففزت بساعات عمل مرنة، و بغياب مبرر أحيانا!

مما قاله لي تلا بايرو في تلك الايام و الليالي ان لسانه لم يخنه و ما زل قط الا مرتين في حياته كلها، حتى حينما يكرع حتى الثمالة، و هو الذي يتوهج ذكاء كلما ارتشف من بنت الحان، تحل وثاقه و تطلق لسانه. المرة الاولى كانت في البرلمان حينما سأل كيكيا باشا عن اللغة التي يتحدث بها مع أهله، و قد ندم على تلك السقطة، كما قال. أما الثانية ففي مؤتمر صحافي بدمشق العام 1967 يوم أعلن انشقاقه عن إثيوبيا و انضمامه لجبهة التحرير الإرترية، إذ سأله أحد الصحافيين عما يحس به الان و ما كان بالأمس. رد بالقول: "إنني لم أكن شيئاً قبل اليوم ". قال لي: "تلك كانت السقطة الثانية. لقد كنت طيلة حياتي رجلاً مهماً فاعلاً، بل كنت رقماً صعباً في السياسة و الدبلوماسية، و في الحياة ككل. لا أدري كيف و لما قلت إنني لم أكن شيئاً قبل التحاقي بالجبهة."

في فترة تقرير المصير أيضاً و أثناء عرض مصير المستعمرات الايطالية السابقة في أفريقيا على الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ذهبت وفود إرترية الى نيويورك تدافع عن حق شعبها في الحرية و الاستقلال، و كان السودان معبراً لتلك الوفود، كما كانت النخب السياسية السودانية معيناً لهم، لا سيما في الشرق و على وجه الخصوص في القضارف، تحتفي بهم و تستضيفهم في بيوتها. فكانت الوفود التي رأسها الزعيم التأريخي ابراهيم سلطان تلقى الحفاوة و الترحيب و يشد عضدها سياسيون سودانيون، بعضهم كان يتطلع الى خوض ذات التجربة في اللجوء الى الامم المتحدة، و يسأل الإرتريين بعد عودتهم عن تفاصيل ما جرى معهم و لهم هناك و ما وجدوا. و بعد تطبيق القرار الفدرالي الاممي رقم (390-أ-5) الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة و خرق الحكومة الاثيوبية المستمر لنصوصه بُح صوت الإرتريين من كثرة الشكوى، فلم يجدوا من قناصل الدول العظمى في اسمرا أو من الامم المتحدة اذناً صاغية، فما بقي لهم من مناص الا أن تتحرك وفودهم مرة أخرى الى نيويورك. ذهب المحامي و الزعيم الوطني، محمد عمر قاضي، الى الهيئة الدولية. لكنه جاء الى السودان في طريقه الى هناك، فوجد العون و المساندة، إذ ساعده البعض في اعداد مذكرة ضافية عن "قضية إرتريا الوطنية تحت ظل النظام الفدرالي الاثيوبي" ليقدمها لمندوبي الدول الاعضاء؛ طبعتها في كتاب مطبعة التقدم بالخرطوم في العام 1956 و جرى توزيعها على نطاق واسع لتستنهض الهمم دفاعاً عن حقوق مهدرة. من بين من شد ازره السياسي و الوزير الراحل، محمد جبارة العوض، الذي درس في القضارف مع مؤسس جبهة التحرير الإرترية و رئيس البرلمان الإرتري الاسبق، ادريس محمد أدم. لقد عرفت الشيخ ادريس معرفة وثيقة، و امتدت معرفتي به لنحو ثلاثة عقود و نيف، تحدثنا خلالها مطولاً عن تلك الحقبة، و خصوصاً حينما مكثنا سوياً داخل و خارج عريشتيه في "درور نقيب" ثم "امبراسيت" بجبال آر القريبة من مدينة طوكر لشهر كامل في نوفمبر/تشرين الثاني العام 1971 أثناء انعقاد المؤتمر الوطني الاول للجبهة.

كان ادريس محمد ادم و ابراهيم سلطان قد لجئا الى القاهرة التي سبقهما اليها القائد النقابي، ولدآب ولدماريام. هناك ولدت جبهة التحرير الإرترية التي صممت على اعتماد الكفاح المسلح وسيلة وحيدة لانتزاع الحقوق من بين فكي أسد يهوذا، الامبراطور هيلي سيلاسي، بعد أن بطش نظامه بالوطنيين و منظماتهم ممن اعتمدوا وسائل النضال السلمي، و بين تلك المنظمات حركة تحرير إرتريا التي تكونت بعض فروعها في العام 1958 وسط الإرتريين العاملين في السودان و الناشطين في النقابات و الاحزاب السودانية. كان من بين القيادات المؤسسة لتنظيم "الحركة" الاديب الراحل محمد سعيد ناود الذي انضم الى الحزب الشيوعي السوداني و فرع اتحاد نقابات عمال السودان ببورتسودان. و بينهم ايضاً الراحل محمد موسى محمد (م م م) الذي ما انفك يصدر بيانات الحركة من الخرطوم، بعضها موقع بأحرف اسمه الاولى الثلاثة و أحياناً يكتفي بميمين. كان محمد موسى يعمل لدى أحد تجار الخرطوم المعروفين، الراحل حسن حيموره. و كان م م مثله مثل ناود قريباً من الحزب الشيوعي السوداني، ساعده في ذلك شقيق حسن، الصيدلاني الراحل السر حيموره، الذي درس الصيدلة في جمهورية المانيا الديموقراطية ببعثة دراسية من الحزب الشيوعي.

شق الإرتريون طريقهم الى البلدان العربية و اتصلوا بها دون وساطة من أحد، كما يدعي البعض زوراً و بهتانا. فقد استغل ادريس محمد ادم وجوده في القاهرة مدعوماً من عثمان صالح سبي بعد خروجه من اثيوبيا للاتصال بالسعوديين و اليمنيين و السوريين و التونسيين و الكويتيين و العراقيين. وجدا ترحاباً في سورية التي فتحت لهم أول مكتب رسمي في شارع الفردوس بقلب العاصمة دمشق و امدتهم بالسلاح و التدريب العسكري و البعثات الدراسية و المال، و ذلك بعد تولي حزب البعث العربي الاشتراكي مقاليد السلطة في 8 مارس/آذار 1963. لكن الإرتريين كانوا على اتصال بالنظام السوري الذي سبق البعث قبل ذلك بسنة أو أكثر قليلاً. إذ أن المذكرة القانونية التي ما فتئوا يقدمونها الى الامم المتحدة و المنظمات الاخرى و الدول و الافراد كتبها وزير خارجية سورية في العهد الديموقراطي الذي أتى بعد انفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة. سطر الفقيه القانوني الراحل، الدكتور معروف الدواليبي تلك المذكرة التي تُرجمت الى لغات مختلفة، و طُبعت في كتاب ذي غلاف ارجواني، و اذاعها راديو مقديشو، إبان حكم رئيس الوزراء، عبدالرشيد علي شارماركي، في حلقات ظل يعيد بثها بين حين و آخر. كان ذلك أول انتصار اعلامي للإرتريين، إذ ان البرنامج الذي قدمه ولدآب ولدماريام من إذاعة القاهرة توقف بعد فترة قصيرة نتيجة الضغوط الهائلة التي مارسها الامبراطور على الرئيس جمال عبد الناصر. اتخذ مسؤول العلاقات الخارجية للثورة، عثمان سبي، من دمشق مقراً و مستقراً، و من مكتب الفردوس دائرة ينطلق منها. لم يكن محمد أبو القاسم حاج حمد في صورة الحدث يومئذِ.

بدأت علاقة محمد أبو القاسم بالإرتريين عن طريق ادريس قلايدوس، مسؤول شؤون الثورة في جبهة التحرير الإرترية، إبان أزمة كتاب أحمد طيفور. التقى قلايدوس بأبي القاسم من خلال البعثيين و الاشتراكيين  و الناصريين السودانيين و من بينهم المحامي بدر الدين مدثر و اسحق شداد و عبد الله محمد عبد الرحمن (الانفزبول the invisible). قد توطدت العلاقة بين الاثنين الى حد فتح فيه أبو القاسم داره ليكون مكتباً سرياً لقيادة الجبهة الموجودة في العاصمة السودانية، و كان قلايدوس يقيم في ذلك المنزل إقامة شبه دائمة، إذ كانت القيادة الإرترية بحاجة الى ملجأ بعيداً عن أعين جواسيس اثيوبيا، يتيح لها العمل في هدوء و سكينة و اطمئنان لا تعكره مراجعة الإرتريين من أعضاء الجبهة، و العمال، و الجنود القادمين للعلاج أو الراحة. لكن بعد أن غادر أبو القاسم الى سورية، وجد القادة الإرتريين في منزل مهندس الاتصالات خضر خليل، الذي يطل على محطة الغالي و فندق باريس، بديلاً عنه.

كان خضر خليل، النوبي القح، من الاشتراكيين العرب الناشطين، ايمانه بالعروبة لا يتزحزح، و هو الذي يتحدث مع والدته، تلك المرأة القديسة المكافحة، برطانتهم و ليس بالعربية. مثله مثل نوبي سوداني آخر، هو عبدالناصر عبدالحميد، الذي قاد القوات المحمولة لحركة فتح في السويداء بجبل العرب، و ترقّى في صفوف الحركة الى أن انتخب عضواً في مجلسها الثوري. حينما بطش ياسر عرفات بالجناح اليساري في ذلك المجلس من فلسطينيين و مصريين و عراقيين و غيرهم، أبقى على عبدالناصر (السوداني) و لم يمسسه قط، لاحترامه و تقديره له. عرفت عبدالناصر للمرة الاولى حينما سرنا سوياً مسافة طويلة على الاقدام صحبة الصحافي الفرنسي اللامع جاك ابوشار و فريقه من القناة الفرنسية الثانية (لم تكن الفضائيات حتى حلماً يومئذٍ) في داخل الاراضي الإرترية المحررة. لم يكدر صفو تلك الرحلة الا الانشقاق الذي حدث في صفوف القيادة العامة لجيش التحرير الإرترية و عقد بعض أعضائها اجتماعاً عرف "بمؤتمر عوبل". ثم استمرت هذه العلاقة في كل المحطات من السويداء الى دمشق و بيروت و القاهرة.

اتخذت القيادة الإرترية أول مكتب لها في منزل عمال عازبين اشتهر بالبيت الابيض في منطقة السجانة بالخرطوم، ثم انتقلت الى مكتب آخر في ديم القنا بالديوم الشرقية، كان دار ضيافة للجرحى و المرضى من جنود جيش التحرير في ذات الوقت، و مقراً للجنة فرع مديرية الخرطوم التي كانت تشرف على "تشكيلات" الجبهة و عضويتها في مدن و ضواحي المديرية. كانت لجنة الفرع تضم ممثلاُ عن كل مكون من مكونات المجتمع الإرتري، خلا المسيحيين، الذين لم يلتحقوا بركب الثورة بعد في ذلك الوقت، و لم تؤسس المنطقة العسكرية الخامسة التي عملت في المرتفعات الإرترية. كان على رأس اللجنة الفرعية، عمر هيابو، أحد كبار موظفي البنك العثماني بأمدرمان و لكنها ضمت اثنين من السودانيين الذين ربطتهم بإرتريا وشائج و عُرى وثقى. أحد الاثنين هو الراحل محمد عبدالله ابراهيم الذي كان عضواً في اتحاد الشباب السوداني. و قد أرسله الاتحاد الى بلغاريا في بعثة دراسية، عاد بعدها الى السودان ليواصل نضاله في صفوف الإرتريين، و يعمل على تأسيس اتحاد الشباب الإرتري و يصبح أول رئيس له. و من بين عضوية تلك اللجنة اسماعيل ناده، زعيم حركة الكوناما اليوم، و الصائغ محمد على محمود، الذي اتخذ الرئيس ادريس محمد أدم من منزله و متجره في السجانة مقراً له.

ثم انتقلت الجبهة الى حي "الزهور فتحت" بالقرب من مكاتب لثوار الكنقو، الا انهم أبقوا على مكتب الديوم داراً للنقاهة، تولى الاشراف عليه عمر محمد بخيت، الذي أصبح بعد سنوات من كبار موظفي مكتب المندوب السامي لشؤون اللاجئين في جنيف بُعيد اكتسابه الجنسية السويدية. لكن القيادة  العامة لجيش التحرير الإرتري، اثر اطاحتها بالمجلس الاعلى لجبهة التحرير الإرترية في العام 1969، رأت أن تنتقل الى مكتب آخر في ذات الحي كان ملتقاهم، في بداية عهدهم به، "بالنقيب" خليفة كرار و مساعديه عندما استولى العقيد جعفر نميري على السلطة، ثم تعددت المكاتب من بعد ذلك. كان الراحل خليفة كرار مولّجاً من جهاز الأمن القومي بإضبارة حركات المعارضة في دول الجوار، يوم كان ضباطه و عناصره يجوبون شوارع الخرطوم بسيارات حديثة من طراز "هيلمان هنتر" البريطانية الصنع التي عرفوا بها في ذلك الوقت، و هو أمر مستغرب من جهاز يفترض أن يحيط عمله بالسرية و ينشط في الخفاء.

غادر محمد أبو القاسم الى دمشق في مهمة تتعلق بالبعثيين السودانيين، لكنه التقى هناك بعثمان صالح سبي و بالعمرين (عمر محمد بخيت – الذي ترك مهمة الاشراف على علاج جرحى و مرضى جيش التحرير الإرتري في الخرطوم – و عمر محمد ابراهيم) ليصبح جزءاً من مكتب الجبهة. أدار الثلاثة المكتب في غياب سبي كثير الاسفار. كان الفرسان الثلاثة نجوم دمشق المتلألئة، يعرفهم القاصي و الداني فيها، و دمشق يومئذ هي الفيحاء التي جاء وصفها في رواية "قلوب على الاسلاك" للأديب و الطبيب السوري عبد السلام العجيلي، و التي صورها الشعراء جميعا: روح و جنات و ريحان، و يصدق فيها قول الشاعر الفلسطيني، محمود درويش:

في دمشق تسير السماء على الطرقات القديمة حافية

حافية، فما حاجة الشعراء الى الوحي و الوزن و القافية

و لكن في نفس الوقت كانت تمور في دمشق صراعات كثيرة بين اجنحة البعث المختلفة و في داخل المؤسسة العسكرية و أجهزة الاستخبارات. و لحق بالعرب المقيمين هناك رذاذ من عنف ذلك الصراع و تجاذباته، دفع أحد الطلاب السودانيين حياته ثمناً له، إذ القي به من فوق مبني المدينة الجامعية. كان محمد أبو القاسم من المتدفئين بنيران ذلك الصراع، كما كان للعمرين صلة بصراع الاجهزة. انعكس ذلك على مجلة "الثورة" الناطقة بلسان جبهة التحرير الإرترية، و هي مجلة فصلية لم تكن الجبهة تملك وسيلة اعلامية غيرها. كان من المؤمل أن تعبر المجلة عن الشأن الإرتري و همومه و طموح الإرتريين و قضيتهم و انتصارات ثورتهم، فأدخلها أبو القاسم في أتون ذلك الصراع، و صارت تنشر مقالات لخالد أبو خالد و غيره، لا تهم الإرتري من قريب أو بعيد. و في ذات الوقت احتدم الصراع داخل جبهة التحرير الإرترية بين أعضاء المجلس الاعلى، و كذلك بين المناطق العسكرية الخمس و بين الكادر المتقدم، فكان صراعاً مركباً. اختار أبو القاسم جانب عثمان سبي، فنشط في التحضير "لمؤتمر عمّان" الذي كان رداً على مؤتمر ادوبحا العسكري حيث الغيت المناطق العسكرية التي نُقلت بكل حذافيرها عن تجربة الولايات الجزائرية ابان حرب التحرير ضد الفرنسيين، و جرى في ادوبحا توحيد جيش التحرير تحت امرة القيادة العامة التي انتخبها المؤتمر في ختام أعماله. و في مؤتمر بيروت الذي كان منطلقاً لقوات التحرير الشعبية التي اسسها عثمان سبي التقى أبو القاسم بأسياس أفورقي العائد منذ زمن قريب من بعثة عسكرية في الصين الشعبية، يحمل أفكاراً عن حرب التحرير الشعبية طويلة الامد و تجربة صين ماو تسي تونق. و من هناك الى الامارات العربية المتحدة و محطات اخرى. يذكرني الراحل أبو القاسم بوصف ابن الصيرفي للأمير المملوكي تاني بك المحمدي في تاريخه "إنباء الهصر بأبناء العصر" إذ يقول (كان عفا الله عنه يظلم نفسه)، لكنني أيضا كلما ذكرته تداعى الى خاطري قول الجواهري:

و ما في همتي قصر، و لكن                         قدحت مطالبي فكبا زنادي

في الحلقة القادمة نعرض لمسيرة  الكفاح المسلح و اسهام السودان و السودانيين فيها و مصادر التسليح و طرق ادخاله، و خرافات شراء السلاح من المناصير و غيرها.

هذا ما تداعى عفو الخاطر عن مياه متدفقة بين السودان و إرتريا تستحق النظر اليها ملياً، و اختبارها. و ما سبق يسترجع للذاكرة ما كتبه الدكتور طه حسين في نهاية كتابه "مع المتنبي" اذ يقول: (إن هذا الكتاب ان صور شيئاً فهو خليق أن يصورني أنا في بعض لحظات الحياة، أثناء الصيف الماضي، أكثر مما يصور المتنبي، انه لمن الغرور أن يقرأ احدنا شعر الشاعر أو نثر الناثر، حتى امتلأت نفسه بما قرأ، أو بالعواطف و الخواطر التي يثيرها فيه ما قرأ، فأملى هذا أو سجله في كتاب، ظن انه صور الشاعر كما كان، أو درسه كما ينبغي أن يدرس، على حين انه لم يصور الا نفسه، و لم يعرض على الناس الا ما اضطرب فيها من الخواطر و الآراء.)

و يردف عميد الادب العربي القول: (انما اريد ان الفتك الى شيء يسير، و هو ان ديوان المتنبي ان صور شيئاً فإنما يصور لحظات من حياة المتنبي، لا أكثر و لا أقل، كما ان هذا الكتاب الذي بين يديك إن صور شيئاً فإنما يصور لحظات من حياتي أنا، لا أكثر و لا أقل.)

المقال الثانى بتاريخ/ السبت, 2فبراير 2013

مما انساب بين السودان وإرتريا: رفقة السلاح والكفاح .. بقلم: عمر جعـفـر السّـوْري    

عفــو الخاطــر:

و جـلا الســيولُ عن الطلـولِ              كأنها زبـرٌ تجـدُّ متونـَها أقـلامُـها

لـبيد بن ربيعة العامري

أحدث البحث القيم العميق الضافي الذي قدمه حسب الله محمد أحمد (من جماعة بعث التاريخ السوداني التي نشطت في ستينيات القرن الماضي) في ندوة بنادي الخريجين بأمدرمان العام 1965عن هجرة عشيرة "النابتاب" من شمال السودان و استقرارهم في غربي إرتريا، و عن اصولهم و خصائصهم و تسميتهم و لغتهم و اكتسابهم لها و اسباب تلك الهجرة و دورهم قبلها في السودان و بعدها في إرتريا، و قيادتهم للمجتمعات التي حلوا بديارها و أقاموا بينها، عن رضى و ليس عن قهر، و تأثيرهم و تأثرهم بالبيئة المحيطة، أحدث أثراً عميقاً في مستمعيه من سودانيين و إرتريين. أعقب قراءة البحث الطويل نقاش مستفيض، ترك أيضاُ أثراُ واضحاُ يدفع الناس الى الغوص عميقاً في بحور صلة الجوار بين البلدين. لكن ذلك الاثر لم يدم طويلاً عقب انفضاض الندوة، بل طوت الاحداث المتلاحقة نتائجه، و أصبح نسياً منسيا من بعد ذلك. أراد البعض أن يسبر غور ما جرى بين السودان و إرتريا في فترات ممتدة عبر تاريخ البلدين و الشعبين، لكن مجريات الامور دهمته، و جرفته سيول الملمات، فترك التيار يأخذه حيثما يشاء.

لهذا لم يفطن كثيرون الى هجرة معاكسة من إرتريا الى السودان ثم العودة مرة أخرى ليلتحقوا بصفوف الثورة، أو بدولة الاحتلال، بل حسبوا ذلك من المسلمات و غفلوا عما أحدثته و ما خلفته في بعض المناطق المتاخمة للحدود كما البعيدة عنها على حد سواء.

كانت "أورطة العرب الشرقية" التي تأسست بُعيد سقوط الدولة المهدية مقصداُ لكثير من الإرتريين الذين التحقوا بصفوفها، ثم انضموا الى وحدات قوة دفاع السودان و بعدها الى الجيش السوداني في الفترة التي أعقبت الجلاء. لم يعملوا في مناطق الشرق فحسب، بل في جميع أرجاء البلاد. لقد كان والد الدبلوماسي و الوزير الاثيوبي ذي الاصول الإرترية، صالح حنيت، على سبيل المثال، من جنود تلك الأورطة. فقد ولد صالح في امدرمان في العام 1923، و تلقى أولى دروسه على يد "سيدنا محمد صالح"، والد الشاعر السوداني – الإرتري، كجراي، ثم نال تعليمه في مدارس القضارف و بورتسودان و بربر حتى تخرج من كلية قوردون التذكارية ليلتحق بالعمل الاداري مفتشاً بأمدرمان. هذه المدارس التي تعلم بها صالح حنيت تشير الى المدن التي انتقل اليها والده مع وحدته العسكرية، جندياً في صفوف القوات النظامية السودانية إبان فترة الحكم الثنائي الانقليزي – المصري. بعد سنة واحدة اختارته الادارة البريطانية العام 1948، مع غيره من رجال الخدمة المدنية في السودان، للعمل في مدينة تسني التي حررتها جيوش الحلفاء من القوات الايطالية. و من هناك، و منذ ذلك الوقت، أخذ في صعود السلم الوظيفي قفزاً، فاختار الانحياز الى اثيوبيا، إذ عاد الى مسقط رأسه سفيراُ لأثيوبيا في الخرطوم، ثم غادرها ليصبح فيما بعد وزيراً للاتصالات الى أن عزله الامبراطور هيلي سيلاسي، فلم يجد بداً من الوقوف بالقرب من باب القصر الامبراطوري يؤدي التحية المعروفة ب(ادجنات)، و هي الانحناء عند خروج الامبراطور من قصره قاصداً مكتبه أو أية وجهة أخرى. تلك الانحناءة كانت تعبيراً عن الولاء المطلق لأسد يهوذا، يرجو فيها الواقف على عتبات القصر الرضى و القبول و المن و الغفران، و كذلك السلوى و الحلوى، إن رضي و غفر و تفضل ثعلب السياسة الافريقية بالعفو، و ذلك كله في الصيف و الشتاء، تحت وابل من المطر، أو سياط لاسعة من الشمس المحرقة أو الزمهرير القارس. لكن ملك الملوك لم يرض عنه، فظل الرجل واقفاً هناك الى أن سقط سبط يهوذا من عرشه، ليعمل السفير و الوزير مترجماً في منظمة الوحدة الافريقية حتى توفاه الله بعيداً عن مسقط رأسه السودان و عن موطنه إرتريا في العام 1995، و كانت الثورة قد انتصرت منذ حين. مثله كثير من الإرتريين آثروا البقاء في اثيوبيا، و بعضهم له صلات وثيقة بالسودان.

أما الاخوة عندوم، فقد كان حظ أصغرهم عاثراً عندما قضى في مذبحة أودت بحياة عسكريين اثيوبيين كثر من مختلف القوميات و القبائل، و كان هو رئيسهم و قائدهم الذي تربع على سدة العرش فور الاطاحة بالإمبراطور. عاد ملّس عندوم الى الخرطوم سفيراً لإثيوبيا أيضاً، و ترقى شقيقه عاثر الحظ، أمان، في درجات العسكرية الى رتبة الجنرال ليختاره الجنود المتمردون في سبعينيات القرن الماضي رئيساً للمجلس العسكري (الدرق) الذي استولى على السلطة، لكن منقستو هيلي مريام و رهطه سفكوا دمه و دماء من معه بدم بارد، و قتلوهم عن بكرة أبيهم من غير أن يرف لهم جفن. أما شقيقهم الأكبر فقد مكث في اسمرا، يسعى في مناكبها، يحدث عن أيام بورتسودان و يروي الامثال السودانية و شعر الدوبيت – كما لم يروه أحد – و ذلك كلما التقى بأصدقائه أو عاد مريضاً، أو زف عريساً و عروساً، أو جاء معزياً أو زائراُ.

حينما اندلع الكفاح المسلح في إرتريا في أول سبتمبر/أيلول 1961 بقيادة الشخصية الوطنية الفريدة، حامد ادريس عواتي، لم تكن لديه أو لدى رفاقه الامكانات و الوسائل التي قد تعبد الطريق تحت اقدامهم أو تفسح لهم دروباُ وعرة و موحشة، لكنهم قرروا، بعزيمة لا تهن، اجتيازها. جاء اليه جنود عملوا في الجيش السوداني ببنادق أكل عليها الزمن و شرب و كلّ زنادها من معارك غابرة. بدأوا بتلك "الطبنجات" طريقهم نحو الحرية. لم تشتر الثورة سلاحاً من السودان قط، و لم يزودها أي من أصدقائها السودانيين بقطعة سلاح واحدة، بيضاء أو نارية، كما تردد ادعاءً زائفاً و هرطقة و تزويراً؛ و لم تأت من المناصير حتى رصاصة فارغة. السودان لم يكن مصدراً للسلاح، بل كان ممراً له. لكنه لعب دوراً أهم من ذلك، و هو دور الحاضن للثورة، و الخلفية التي يتكئ عليها، و شريان الامداد و التموين، و الملجأ الذي يلوذ به ضحايا حملات الابادة و الارض المحروقة و التنكيل و العسف، و بعض ذلك ما زال يجري على أيدي ذوي القربى، و رفاق الدرب و اخوة السلاح. لنقرأ معاً شهادة رئيس جبهة التحرير الإرترية الراحل، الشيخ ادريس محمد ادم، من مذكراته:

"أذكر للتأريخ أن القائد البطل حامد إدريس عواتي قرر أن يعلن الثورة المسلحة قبل أن نوفر له الإمكانيات المادية المتفق عليها ، فلجأ الى جبال ( آدال) في غرب إرتريا في شهر سبتمبر 1961 ومعه 12 رجلا من أنصاره ، وكان سلاحهم بندقية انجليزية (303) جيدة تخص القائد عواتي وبعض البنادق الايطالية القديمة وقليل من الذخيرة . لقد فاجأنا توقيت هذه الخطوة وكان السؤال المركزي أمامنا : هل نتبنى هذه الثورة ونتحرك بالقليل من الامكانيات المتوفرة لدينا لدعمها وحمايتها أم نتريث ونتابع الموقف ونستمر في جهودنا لتقوية التنظيم وجمع السلاح والمال وكسب التأييد حتى تنضج الظروف الملائمة لانطلاق الكفاح المسلح .وأذكر للتأريخ أن موقف قيادة الجبهة كان حاسما وواضحا . فهذه هي ثورة الشعب الإرتري و عواتي هو قائدها الميداني وأن الجبهة هي القيادة السياسية المسؤولة عنها ، وأنه لابد من التحرك فورا لدعم عواتي ورفاقه . فبادرنا بإرسال المال الذي جمعناه من تبرعات العمال الإرتريين في السعودية لفرع الجبهة في كسلا ( مجموعة العسكريين ) وطلبنا منهم إقامة اتصال مباشر بالقائد عواتي وإبلاغه بمساندة التنظيم له ، والاستفادة من هذا المال في شراء السلاح من داخل إثيوبيا وتزويد المقاتلين به وتزويدنا بتقرير شامل عن موقف عواتي وإمكاناته وظروف إعلانه الكفاح المسلح ، وأكدنا لهم أن ساعة العمل الثوري قد حانت فعليهم الاستعداد للانخراط في الثورة المسلحة . لقد تبين لنا من المعلومات المتوفرة والموثوقة أن القائد عواتي أضطر لحمل السلاح بعد أن تأكد له أن إثيوبيا تشك فيه وأنها قررت اعتقاله حتى تمنعه من حمل السلاح ضدها ، فبادر الى التحرك السريع .وبالفعل فإن إثيوبيا أرسلت الوحدات الخاصة ( الفيلد فورس) من الشرطة لقمع حركة عواتي والقضاء عليها في مهدها . حدثت مناوشات بين الثوار وهذه القوات الخاصة التي نظمتها ودربتها الحكومة الاستعمارية البريطانية ، إلا أن القائد عواتي بخبرته وشهرته كمقاتل فذ كان يتفادى الدخول في معارك حاسمة ومباشرة مع هذه القوات ويعتمد أسلوب حرب العصابات في الكر والفر ويستفيد من طبيعة الأرض الجبلية وتأييد الشعب في تفادي الوقوع في الكمائن التي تعدها له الوحدات الخاصة . لقد نجح القائد المغوار في إطلاق الثورة وتحدي الإمبراطورية الاثيوبية بهذه الإمكانات المتواضعة وحافظ على قوته  الصغيرة ، وبهذا العمل التاريخي فتح الطريق أمام أبناء الشعب للانضمام اليه والالتفاف حوله حتى اشتد ساعد الثوار وقويت شوكتهم وارتفعت رايتهم .وفي استجابة مباشرة انضم أحد عشر عسكريا من أعضاء الجبهة الى القائد عواتي في مارس 1962 بعد أن استقالوا من الجيش السوداني وهم يحملون بنادق إيطالية قديمة تم شراؤها من تبرعات العمال في السعودية ، فرحب بهم القائد البطل وسلمهم قيادة مجموعات الثوار فبدأوا بتدريب المتطوعين ورفع كفاءة المقاتلين ووضعوا خطة للهجوم على أحد مراكز الشرطة النائية بغرض الحصول على السلاح ، إلا أن تنفيذ الخطة كان يتطلب توفر سلاح حديث وذخيرة كافية حيث أن البنادق الايطالية القديمة لا تصلح لتنفيذ الخطة لقدمها وعدم توفر ذخيرتها . ومن ثم صرف النظر عن ذلك بعد أن تنبهت الحكومة الاثيوبية فعززت مراكز الشرطة بالرجال والسلاح الحديث ومن بينها مركز تسني .

وفي إبريل 1962 انضم عضو قيادة الجبهة في القاهرة المجاهد الشهيد سعيد حسين الى الثوار في الميدان للاستفادة من خبرته العسكرية في مصر حيث شارك مع أبناء الشعب المصري في حرب عام 1956 ضد قوات الغزو البريطاني الفرنسي الاسرائيلي . لقد التحق سعيد بكتائب المتطوعين التي حاربت في سيناء تأكيدا لعمق الروابط بين الشعب الإرتري وشعب مصر العربية. وعاد بعد الحرب ليكمل تعليمه حتى حانت ساعة العمل الثوري فلبى النداء والتحق بالمجاهدين في الريف في 1962. فور وصوله تم عقد اجتماع في كسلا حضره مندوبون من الثوار في الميدان وممثلون لفروع الجبهة في السودان تقرر فيه تكوين قيادة عسكرية تشرف على العمل الثوري وتكون حلقة صلة بين الميدان والقيادة السياسية  في الخارج ويكون مقرها في كسلا لموقعها القريب من الحدود مع إرتريا وأطلق على هذه القيادة ( القيادة الثورية الشعبية ) وتفرغ المجاهد سعيد حسين لقيادة مجموعات الفدائيين في المدن الإرترية.

وصول أول دفعة من السلاح للمقاتلين في الريف

لقد فشلت أول محاولة لشراء السلاح من داخل إثيوبيا بعد أن اكتشفتها السلطات الاثيوبية . فقد قمنا بجمع مبلغ من المال من أعضاء الجبهة في السعودية وأرسلناه الى الأخ والصديق محمود محمد عمر ابراهيم في أسمرة مع شخصين من أعضاء الجبهة في السودان وطلبنا منه شراء سلاح من داخل إثيوبيا وتهريبه الى أرتريا وتسليمه للثوار في سرية تامة . كلف الأخ محمود شخصا يثق فيه وفعلا تم شراء السلاح من إثيوبيا ونقل الى أرتريا إلا أن حكومة أرتريا العميلة اكتشفت أمر السلاح فصادرته وقبضت على الأخ آدم ملكين والأخ محمود محمد عمر وأخضعتهما لتعذيب شديد ثم حكمت عليهما بالسجن عدة سنوات بعد أن تأكدت أنني وراء هذه المحاولة . ثم كانت المحاولة الثانية الناجحة في شراء السلاح من الخارج وتهريبه عبر السودان الى أرتريا ، وهذه هي القصة .

تبرع العمال المقيمون في السعودية بالمال من أجل شراء السلاح ليدعموا به الثورة  وقد أدى الأخ المجاهد الشهيد عثمان صالح سبي دورا هاما في تقوية فروع الجبهة في جدة والرياض وبقية المدن السعودية التي تتواجد فيها الجالية الإرترية . فقد كان شخصا نشطا تتوفر فيه شروط القيادة ويمتاز بحديثه الجذاب وأسلوبه المرن في التعامل مع الآخرين . تم تكليف الأخ عثمان بالتوجه إلى عدن التي كانت في ذلك الوقت تحت الاستعمار البريطاني بغرض شراء سلاح بهذا المال. وفعلا اشترى بنادق إنجليزية ومسدسات وذخائر من السوق. تم جمع الأسلحة ووضعها في حقائب بمساعدة أعضاء الجبهة ومن ثم سافرت الى الخرطوم بالطائرة ومعي هذه الشحنة . كانت اللحظة الحاسمة تقترب . كنت أسأل نفسي هل أنجح في إيصال هذا السلاح لأيدي الثوار في جبال إرتريا الذين ينتظرونه بفارغ الصبر. دخلنا المطار وفي قاعة الجمارك لفت نظر المفتش منظر الحقائب فطلب مني أن أفتحها ، اعترضت على طلبه بحكم أنني أحمل جواز سفر دبلوماسيا صوماليا وأتمتع بالحصانة الدبلوماسية ، فزادت شكوكه لاسيما وأن لهجتي في الحديث ومنظر ( الشلوخ ) على وجهي توحي بأنني سوداني وأن في هذه الحقائب سلاحا ربما يخص الاحزاب السودانية المعارضة للحكومة العسكرية بقيادة الفريق ابراهيم عبود . وبعد جدال وإصرار من جانبي على عدم تفتيش الحقائب والسماح لي بإدخالها كما هي أو العودة بها من حيث أتيت ، اتفقت مع المفتش أن تبقى الحقائب في المطار ويسمح لي بالدخول لأعالج هذا الموضوع مع المسؤولين في الحكومة . نزلت في الفندق ومن هناك اتصلت بفرع الجبهة لأعلمهم بالوضع ومن ثم بحثت عن صديق للجبهة كان يعمل في القنصلية السودانية في جدة. نجحت في الاتصال بالسيد الفاضل ( علي طالب الله ) وكان وقتها قد انتقل الى وزارة الخارجية وأطلعته على الموقف بالتفصيل ، فبادر بإعداد رسالة من وزارة الخارجية الى سلطة الجمارك في المطار يطلب فيها السماح بإدخال الحقائب لأنها تحتوي على منشورات سياسية تخص ثوار إرتريا . قابلت مسؤول الجمارك في المطار وسلمته الرسالة فرفضها رفضا تاما قائلا أن الامر لا يخص وزارة الخارجية ، ثم سألني : لماذا ترفض تفتيش الحقائب ، فأجبته لأنني أتمتع بالحصانة الدبلوماسية وهذا حق وعرف معتمد فكما أنه يحق لي الدخول بدون تفتيش في مطار الخرطوم فكذلك تعامل حكومة الصومال الدبلوماسيين السودانيين في مطار مقديشو . قال: ألا يوجد سلاح في هذه الحقائب؟ أجبته ضاحكا: كنت أتوقع أن تسألني هل يوجد فيها مخدرات؟ رد قائلا: أتحلف بشرفك أنه لا يوجد فيها سلاح ؟ قلت - وبدون تردد ليقيني بأن لا مخرج آخر أمامي لإدخال السلاح الذي ينتظره المجاهدون في جبال إرتريا بفارغ الصبر - بشرفي لا  يوجد فيها سلاح. عندئذ وافق على أن أتسلم الحقائب بدون تفتيش . حمدت الله كثيرا أن يسر لي إدخال هذه الشحنة الهامة. اتجهت فورا الى فرع الجبهة في الخرطوم ومعي الحقائب حيث قام الشباب بتوزيعها في حقائب أصغر حجما وكلفوا عددا من الأعضاء بحملها في القطار متجهين الى مدينة كسلا في اليوم التالي بواقع حقيبة واحدة مع كل شاب . اتفقنا على أن أغادر الى القاهرة قبل أن تكتشف السلطات السودانية الأمر . سافرت الى القاهرة في اليوم التالي وعندما سأل عني رجال الأمن في الفندق أبلغوهم بأنني قد غادرته. وفي كسلا تولت القيادة العسكرية استلام السلاح وتهريبه عبر الحدود الى إرتريا برفقة عدد من المجاهدين الذين قرروا الالتحاق بالثورة . كما قمت بتهريب السلاح عدة مرات آخري بوضعه في حقائب سفر والدخول الى السودان مستغلا جوازي الدبلوماسي الصومالي ونجحت في تسليمه لأعضاء الجبهة الذين تولوا نقله الى الثوار في الميدان ." انتهى الاقتباس.

يضيف الراحل محمد شيخ فرس في كتابه "نضالي مع الثورة الإرترية" ما يؤكد ذلك، إذ يقول: "مكثت حوالي ثلاثة أشهر في عدن، وبعدها حضر ادريس (ادريس محمد ادم) وعثمان (عثمان سبي)، وقابلني عثمان وشرح لي كل التفاصيل الهامة وأخبرني بعزمهما التوجه إلى الصومال ومنها إلى العراق لاستلام أسلحة من حاكم العراق آنذاك الرئيس عبد الكريم قاسم، واحضار هذه الأسلحة إلى عدن، حيث أقوم أنا بنقلها إلى أرتريا بالبحر. وكنت بانتظارهما حتى عادا، ولكن بدون أن يكون معهما السلاح....... وفي هذا الوقت كانت مع عثمان رسالة من المناضل حامد ادريس عواتي، يطلب فيها المدد الفوري، وكان عثمان، قد وعده بذلك بناء على وعد الرئيس العراقي. وطلب مني عثمان ايجاد حل بصفتي لدي معارف في عدن، وكذلك كان يعلم ان لدي حسابا في البنك الهندي في عدن، فطلب مني شراء السلاح من مالي الخاص حتى لا يتعرض لإحراج القيادة العسكرية، واتفقت مع عثمان على شراء السلاح مناصفة، أدفع أنا جزءاً، ويتحمل هو الجزء الباقي، والجزء الذي كان يجب أن يدفعه عثمان، دفعه صديقي..، وذلك بكفالتي على أن يسدد له عثمان فيما بعد. وبعد الاتفاق اتجهنا ليلاً إلى محمية (دار سعد) وكان معي ادريس محمد آدم، وعثمان سبي والوسيط، وبعدها قمنا بفحص الأسلحة. وبعد التأكد من صلاحيتها اشترينا خمس بنادق من طراز أبو عشرة ماركة 4 وخمسة آلاف رصاصة. وأبدى ادريس محمد آدم رغبته في نقل السلاح لأنه كان يملك جواز سفر دبلوماسيا فحمل السلاح في حقيبته الدبلوماسية، وبقي معي عثمان وطلب الا يسافر خالي اليدين، فاشتريت من جيبي الخاص(7) مسدسات ومع كل مسدس(42) رصاصة".

و في شهادة اخرى لعثمان صالح سبي يقول:  "ان جبهة التحرير نشـأت في عام 1960 بين الجاليات الإرترية في الخارج والتي فرضت عليها الهجرة بأساليب الابادة الجماعية والارض المحروقة التي استخدمها الامبراطور الاثيوبي ضد شعبنا. بدأت الجبهة بعدد اصابع اليد الواحدة من الرجال واسلحة بدون ذخيرة وفي الشهور الثلاثة الاولى كان كل ما تمكنا من فعله هو جمع بعض المال حوالي 500 جنيهه سوداني تبرع بها عمال من السعودية والسودان، اشترينا بها تسعة بنادق ايطالية قديمة واذكر ان بعض الإرتريين ارسلوا من داخل إرتريا إلى الثوار رشاشتين اثنين وبندقية أمريكية الصنع وسبع قنابل يدوية وهذه الاشياء رغم بساطتها كانت تشكل حينذاك قوة دفع ضخمة، فالرشاش كان بالنسبة لنا حلما، وفي تلك الفترة باع عمال إرتريا كل ما يملكون من منقولات لتمويل انطلاقتنا الاولى ولن ننسى ذلك العامل الذي جلب لي بذلته، والاخرين الذين باعوا اسرتهم وناموا على الارض كل ذلك من اجل تحرير الوطن."

بدأت الثورة في الانتشار و التمدد غربي البلاد بعد معركة أدال في 1/9/1961التي كانت الشرارة الاولى لانطلاقة الكفاح المسلح. أعقبتها معركة أخرى في "أومال هتريت" بعد عشرين يوماً، سقط فيها أول شهيد للثورة هو عبده محمد فايد. ثم تلاحقت المعارك التي خاضها عواتي و تلك الكوكبة قليلة العدد و التسليح، شحيحة التموين و الامداد الذين أتى معظمهم من بين صفوف الجيش السوداني، فدارت معارك في "امنايت" بمنطقة القاش، ثم "هناق هنجر" لم تخسر فيهما الثورة شهداء أو جرحى الى أن استشهد اثنان من الرعيل الاول في معركة "بلاقندا" في ربيع العام التالي للانطلاقة. استمرت هذه المعارك الفدائية الخاطفة بين حين و آخر الى ان قاد محمد على أبو رجيله في 15 مارس/آذار 1964معركة تقوروبا التأريخية، لتشكل علامة فاصلة في مشيرة الثورة، و نقلة نوعية في أساليب و وسائل الكفاح المسلح، و شكلت نصراً مؤزراً آذن بانتصارات متوالية. قرر الإرتريون اعتبار يوم تقوروبا عيداً لجيش التحرير، يحتفلون به في كل عام، و ذلك لأنها كانت أول مواجهة مباشرة مع الجيش الاثيوبي الذي عاد من حرب كوريا و عمليات السلام في الكنقو (ليوبولدفيل) منتفخ الاوداج، مزهواً بمغامراته عبر الحدود. كانت هزيمة الجيش الاثيوبي ماحقة ساحقة، و كانت الأولى منذ نهاية الحرب ضد الايطاليين، و على أيدي ثوار يفوقهم جيش الاحتلال عدة و عديدا.

بعد تلك المعركة كلفت القيادة أبا رجيلة بتأمين جلب السلاح عبر منافذ التهريب في سواحل البحر الاحمر، و قد استطاع عثمان سبي شراء زورق صغير، أطلق عليه اسم "الوليد" ينقل السلاح الى تلك المنافذ. لعب ذلك الزورق لفترة من الزمن دوراً مركزياً في نقل الاسلحة من مصادر قد تبدو بعيدة في ذلك الزمان، بعضها في البحر الابيض المتوسط، و أبعد قليلا.

و في العام 1965 جاءت أول امدادات كبيرة و نوعية من سورية. كانت تلك الاسلحة هي الوحيدة التي نقلت جواً. لم تكن سورية تملك طائرات نقل جبارة تنقل شحنات مقدرة من الاسلحة و الذخائر، فلم تجد مناصاً من نقلها على متن طيرانها التجاري، و هي طائرات صغيرة، ذات حمولة محدودة،  لم تكن مهيأة لمثل هذه الشحنات. كانت عند شركة الطيران العربية السورية يومئذٍ طائرات من طراز "كرافيل" الفرنسية، قبل أن تمتلك في بداية السبعينيات طائرات أكبر قليلا من طراز "سوبر كرافيل"؛ ثم عززت اسطولها، بعد سنوات بطائرات اليوشن الروسية. و كلها صغيرة الحجم محدودة السعة. و بعد حرب الخليج الاولى في بداية تسعينيات القرن الماضي التي شاركت فيها سورية بقوات كبيرة الى جانب الحلفاء، قادها اللواء علي حبيب، اهدتها الكويت طائرتي بوينق جمبو صغيرتي الحجم، تبدوان كلعب الاطفال حينما تحطا في المطارات، ينظر اليهما الناس باستغراب و ابتسام. لم تكن الطائرتان الفريدتان تعبّران حتى عن ذرة من الامتنان!

قال عواتي للذين أتوا للالتحاق به مع بنادقهم في تلك الأيام الاولى: "لن يبقى بين صفوفنا من يقول ان هذه بندقيتي، و سوف امنع رفاقي من استعمالها و القتال بها. و ليعلم الجميع ان كل هذه البنادق (أبو عشرة كانت أو أبو خمسة) هي ملك الشعب الإرتري منذ هذه اللحظة. و بعد الاستقلال سوف نعلقها في المكاتب أو المتاحف تذكرة للناس بمشقة الطريق الذي سلكناه الى الحرية." ثم مضى الى القول – و تلك لعمري ما يجب أن يدين به كل من ينهض دفاعاً عن شعب أو عن حقوق سليبة -: "أقول لكل من تسول له نفسه اليوم أو في أي وقت، أو من له ثأر يريد أخذه بهذا السلاح، أو من ينهب أو يغتصب نساء شعبنا، فليخرج من بين صفوفنا فوراً. و ان ارتكب هذه الجرائم سيكون عقابه أشد مما قد يتصور." ليعد الإرتريون الى صفاء ينابيع البدايات و ليتمثل بهم ادعياء الثورة اليوم، فكل البلاد رحيبة.

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها                      و لكن اخلاق الرجال تضيق

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr