Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
دور قبائل التماس في تحقيق التعايش السلمي بعد إنفصال جنوب السودان - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

دور قبائل التماس في تحقيق التعايش السلمي بعد إنفصال جنوب السودان..

((دراسة حالة قبيلتي الدينكا و الرزيقات ))

إعداد: موسى محمد الدود جبارة /ديسمبر/2010م

مقدمة:-

لا تنبع الاهمية الإستراتيجية لمناطق التماس من موقعها الجغرافي فحسب،بل لما تلعبه هذه المناطق من دور قتصادي وإجتماعي في إطار تعزيز الحراك الإجتماعي وتحقيق الإندماج والتمازج بين سكان شمال وجنوب السودان.فمن حيث الأهمية الجغرافية،تقع مناطق التماس في إقليم السافنا.حيث تهطل الأمطار بغزارة. وتجرى في هذ المناطق العديد من الأودية والخيران والأنهار.فبينما تنتشر في مناطق التماس الشمالية أشجار وحشائش متوسطة الكثافة والطول،فإن مناطق التماس الجنوبية تغطيها أشجار وحشائش كثيفة وطويلة.وفوق ذلك،فقد صارت هذه المناطق بيئة صالحة لسكن الإنسان و حياة الحيوانات الأليفة والبرية.

وأما الأهمية الإقتصادية لمناطق التماس،فلا تنحصر فقط في ذخرها بتعدد الموارد الطبيعية وتنوع أنماط  الحياة ووجود كميات تجارية من خام البترول السوداني( في حقول  شارف،وأبوجابرة،أم رمتة وهجليج والمجلد ،والفولة ،والوحدة،وعدارييل)[1]، بل تتجلى في تواجد بعض المعادن ذات القيمة الإقتصادية في هذه المناطق كالنحاس (في حفرة النحاس) والحديد واليورانيوم والكروم في جبال النوبة)[2].بجانب وجود الذهب في ولاية النيل الأزرق.وما ينبغي لفت النظر إليه هو أن مناطق التماس  تعد من أهم مناطق السودان إنتاجاً للمحاصيل الغذائية والنقدية كالفول السوداني والسمسم والكركدي وحب البطيخ والدخن واللوبيا.وفضلاً عن ذلك،فإن هذه المناطق  تنتج حوالي 60% تقريباً من صادرات السودان من الصمغ العربي والثروة الحيوانية( الأبقار والأغنام).وكما  تذخر بالثروة السمكية (في بحرالعرب والبطاح والبرك والدحول وروافد النيلين الأبيض والأزرق).

وكذلك تشكل هذه المناطق مكاناً غنياً بالحياة البرية  ولا سيما في محميتي الدندر والردوم .علماً أن توفر المراعي البرية والبيئة الطبيعية ساهم في جعل التكلفة الحدية لصادرات الثروة الحيوانية والمحصولات الزراعية المنتجة في مناطق التماس منخفضة نسبياً مقارنةً مع تكلفة إنتاج نفس هذه المحاصيل والحيوانات في مناطق السودان الأخرى.وإجمالاً يمكن القول أن مشاركة مناطق التماس في حصيلة الصادرات السودانية مرتفعة نسبياً مقارنة  بقية مناطق السودان الأخرى ،وعلى الرغم من ذلك،فإن نصيب سكان  هذه المناطق من ثروة وسلطة السودان بالكاد يذكر.

وأما الأهمية الديمغرافية لمناطق التماس ،فتتبدى في حقائق عديدة، فإذا كان بعض الباحثين يقدرون عدد  قبائل السودان  بحوالي"590" قبيلة[3]

فبنظرة فاحصة لمجموع قبائل التماس آنفة الذكر نجدها تبلغ (81) قبيلة:أي أن  حوالي 14% من قبائل السودان تسكن في مناطق التماس.حيث ظلت هذه المناطق  من جانب تشكل موطناً جاذباً لمختلف المجموعات  القبلية ومن جانب ثانٍ صارت بوتقةً للتعايش الإجتماعي والإنصهار بين مختلف قطاعات الشعب السوداني[4].وإذا ما تم التسليم بأن سكان السودان يناهزون (40) مليون نسمة حسب آخر تعداد سكاني،فإن سكان مناطق التماس يقدرون بثلث هؤلاء السكان( أي حوالي 13 مليون نسمة)[5]

وهذا هو عين ما ظلت تشير إليه  تصريحات قيادات الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان.علما أن جزء مناطق التماس الشمالية الواقع في ولاية جنوب دارفور وحده يسكنه( 4) ملايين نسمة(تكنة،2010)[6].

وقد جعلت عوامل المناخ والبيئة  معظم سكان مناطق التماس يمتهنون تربية الماشية وحياة البداوة والترحال نشاطاً رئيسياً ، ويمارسون الزراعة والصيد وجمع الثمار البرية نشاطاً ثانوياً.وقد تكون على إثر ذلك حراك إجتماعي وتعايش سلمي نجم عنه إختلاط إثني وتداخل ثقافي ديني بفعل العلاقات التي تكونت بين قبائل التماس الشمالية وقبائل التماس الجنوبية.وقد كان لذلك التداخل الإثني دوره في حصول تمازج وتلاقح ثقافي وحضاري

[7].إذ تكونت  على إثره علاقات إثنية ثقافية أفريقية عربية إسلامية ممزوجةً  بمصالح مشتركة بين الجنوبيين والشماليين

[8].وما فتأت مناطق التماس،فوق ذلك كله، تشكل حلقة للوصل بين سكان جنوب السودان وشماله ، مما يؤهلها   لتصبح نموذجاً مصغراً  لمستقبل التماذج الإثني والثقافي بعد إفصال جنوب السودان

[9]. وقد لا تكون هنالك مبالغة إن تم القول  بأن هذه المناطق تمثل رمزاً لوحدة السودان الإثنية في حالتي الوحدة والانفصال وذلك ليس لما ظلت تشهده من تمازجٍ بين الدماء العربية والأفريقية جراء التزاوج على سبيل المثال وليس الحصر بين أفراد قبائل البقارة  ذات الجذورالعربية وغيرها من القبائل الشمالية مع قبائل الدينكا  والشلك والفرتيت ذات الجذورالأفريقية وغيرها من القبائل الجنوبية.وتتجلى  أهمية الدور الذي يلعبه هكذا تمازج في تمتين العلاقة الإستراتيجية بين دولتي الجنوب والشمال إذا رجح  الجنوبيون خيار الإنفصال.

وتبدو الأهمية الديمغرافية والإستراتيجية لمناطق التماس جليةً من خلال قراءة الإفادات التالية[10]:-

*السيد/قرنق أقوير(والي ولاية شمال بحرالغزال سابقا ):

نحن مقتنعون بأن ولايات التمازج(مناطق التماس) هي التي سوف تقود إلى وحدة حقيقية في السودان.هذه الوحدة تأتي من ولايات التماس(دارفور وكردفان وشمال بحرالغزال) التي تصاهرت قبائلها وأهلها ، لأن عملية  السلام والوحدة تهم أبناء هذه المنطقة أكثر من أية منطقة أخرى.

*السيد/احمد صالح صلوحة(وزير شئون إجتماعية سابق بولاية غرب كردفان):هنالك علاقات تداخل وتزاوج وطبيعة مشتركة ولا يستطيع أي شخص أن يفصل الناس عن بعض(يعني سكان مناطق التماس).

*السيد/دينق قاو توت(معتمد سابق لمحلية أريات بولاية شمال بحرالغزال): توجد علاقات راسخة وأزلية بين أبناء مناطق التمازج(مناطق التماس).إن التمازج بين قبائل الرزيقات والمسيرية والدينكا سوف يقود السودان إلى التقدم.وهذا الحديث ليس للإستهلاك السياسي ولكن هذه القيم والعادات ترسخت منذ فترة أجدادنا الذين وحدوا السودان.حيث هنالك علاقات رحمية وهنالك مشاركات وطنية في الثورة المهدية وحتى تم طرد  المستعمر وتوحد السودان.

*الأمير/مختار بابو نمر(أمير المسيرية أولاد كامل):لولا التوزيع الجغرافي للمنطقة (يعني مناطق التماس الشمالية والجنوبية) لكنا قبيلة واحدة لا تعرف الحدود والأسماء.لأن الناس(سكان التماس) أصلا في تمازج في الإنصهار والأنساب.ولكن الحرب في الجنوب شردت الناس- شماليين وجنوبيين - وبالرغم من ذلك الجميع متعايش سواء في القرى أو الفرقان.

وفي ضوء الحيثيات السالفة لابد من توضيح حقيقة جوهرية، وهي أن مناطق التماس تعد مصنعاً  لتفريخ الشخصية السودانوية.وهذا مرده إلى كونها تذخر بمختلف ضروب الثقافات والسحنات السودانية الهجين.حيث يشير أفراد وزعماء قبائل التماس، وغيرهم من الأفراد الآخرين الذين إرتبط نظامهم المعاشي بهذه المناطق ، إلى وحدة مصيرهم المشترك الذي تكون منذ مئات السنين.حيث يصر سكان مناطق التماس  على أهمية  تطوير الحراك الثقافي والإجتماعي والديمغرافي السلمي  والحفاظ عليه بفعل تقاليدهم الشعبية لإدارة إختلافاتهم القبلية كما تدل على ذلك الإفادات التالية[11]:-

*الناظر/سعيد محمود موسى مادبو(ناظر عموم الرزيقات):نؤكد على أن قبيلتي الرزيقات والدينكا جزء لا يتجزأ من بعض.وأن المشاكل التي تحدث من وقت لآخر(بين القبيلتين) تتم معالجتها كوحدة واحدة.

*السلطان/إبراهيم ويل(سلطان الدينكا بمدينة الضعين):لنا علاقة قديمة مع أهلنا الرزيقات...عدد الدينكا بالضعين حوالي(65)ألف نسمة يعيشيون في سلام دون نزاعات أو مشاكل مع أهلنا الرزيقات ... نحن نعيش في مدينة الضعين(بشمال السودان) بحرية تامة، حيث نحتكم إلى العرف والعادات والتقاليد في معالجة مشاكلنا.

*الأمير/إسماعيل حامدين حميدان(أمارة المسيرية أولاد عمران):الإدارة الأهلية (أمراء وسلاطين) يقدمون نموذجاً للأمن القبلي والتعايش الوطيد،كل عبر عاداته وتقاليده ..وكل قبائل الشريط الحدودي (قبائل التماس) تقف مع الوحدة ، لأننا في الشريط الحدودي نعرف التعايش مع بعض..الإشكالية ليست في الجنوبية أوالشمالية ولكن مشكلتنا في التنمية،فإذا توفرت معيناتها ستشهد المنطقة الإستقرار.

*السيد/جمعة عوض الكريم(من أعيان المسيرية):المسيرية والدينكا في تزاوج وتمازج ثقافي وتاريخي.لو السياسيين تركونا على هذه الحالة لما حدثت أي مشاكل نزاعية أو حدودية...إذا جاء الإستفتاء نحن شعب واحد ولا خيار لنا إلا أن نعيش سوياً.

السلطان/ضل دينق ضل(رئيس مجلس سلاطين الولايات الجنوبية بولاية جنوب دارفور):توجد علاقات قوية بين سكان ولايتي شمال وغرب بحرالغزال وسكان ولاية جنوب دارفور وبخاصةً بين أفراد قبيلتي الرزيقات والدينكا.فهنالك تزاوج بين الرزيقات والدينكا،حيث يوجد دينكا منحدرين من دماء الرزيقات ويوجد رزيقات  منحدرين من الدينكا.فمثلاً أنا عندي أهلي وسط قبيلة الرزيقات وعندما يزوجون بناتهم أنا بحضر للضعين وبشيل  نصيبي من البقر التي تدفع عند زواج بناتهم والعكس بالعكس هم بحضروا لديار الدينكا في بحرالغزال ليأخذوا نصيبهم من البقر في حالة الزواج[12].

وبناءاً على ما تقدم يمكن القول أن العلاقات الإثنية والمصالح المشتركة بين قبائل التماس الشمالية(الرزيقات) و قبائل التماس الجنوبية(الدينكا) تعتبر صمام أمان لإستمرار التعايش السلمي في مناطق التماس في حالة حدوث الإنفصال آخذين في الإعتبار  أن هكذا إنفصال سيكون جغرافي وليس إثني في حقيقته.حيث  لا يمكن لخط جغرافي وهمي أن يقضي بكل بساطة على العلاقات التاريخية  التي تكونت بين سكان مناطق التماس.وهذا عين ما يتماشى مع قول السيد/رئيس الجمهورية المشير عمر حسن احمد البشير عند مخاطبته للجلسة الختامية لمجلس شورى المؤتمر الوطني:"...إن الإنفصال إذا وقع،فهو ليس إنفصالاً وجدانياً بل هو إنفصال جغرافي وستظل العلاقات الإجتماعية والإقتصادية كما هي"[13].

وفوق ذلك،فإن الحيثيات الواردة بالفقرة الأخيرة  تعضد صحة  الدعوة إلى مآزرة الأصوات المنادية بأهمية أن تضم وفود الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان للمفاوضات حول قضايا ما بعد الإنفصال ذات الصلة بمناطق التماس ممثلين  عن سكان المناطق.ويتأتى ذلك من كون أن مشاركة أفراد  قبائل التماس ولا سيما المنحدرين من قبائل  البقارة والدينكا والشلك والنوير في المفاوضات والمحادثات ذات الصلة بتحديد  مصير أراضي تعد جزء من ديارهم وأماكن رعيهم ومعاشهم مهمة للغاية وذلك بغية تسهيل تنفيذ ما قد يتفق بشأنه مفاوضو الحكومة المركزية  والحركة الشعبية عند تنزيله على أرض الواقع .و الأهم مافي الأمر أن مشاركة أفراد من قبائل التماس في لجان تعيين ورسم  الحدود الفاصلة بين جنوب السودان وشماله لأمر حيوي وذلك ليس لكون أن أفراد هذه القبائل أدرى بحدود ديارهم ومصالحهم المشتركة على إمتداد جانبي الحدود الفاصلة بين جنوب السودان وشماله وفقاً لخريطة السودان في1/1/1956م فحسب،وإنما لمعرفة زعماء هذه القبائل بحدود ديارهم بفعل  ماكونوه، منذ مئات السنين، من علاقات جوار وعادات وتقاليد وتزاوج.وهكذا مشاركة  تعد بمثابة المسهل الذي يفرمل غلواء  المتطرفين من هذا الطرف أو ذاك  ضمن وفدي الحكومة المركزية والحركة الشعبية.و هذا  إن لم تكن المشاركة كابحاً لجماح الأصوات المنادية بتبعية بعض مناطق التماس إلى شمال السودان أوجنوبه.

وقد تتأكد أهمية بسط  بساط المشورة لسكان مناطق التماس وذلك بحسبان أن إنفصال جنوب السودان عن شماله قد يلغي  بظلاله على الأعراف والتقاليد والحراك الإجتماعي الذي تكون منذ مئات السنين  بين قبائل التماس الشمالية والجنوبية: تلك القبائل  المستوطنة على إمتداد مناطق التماس.علماً أن إنفراد مفاوضو الحكومة والحركة الشعبية طيلة الفترة التي أعقبت توقيع إتفاق نيفاشا للسلام بإيجاد حلول لإشكاليات بعض المناطق التي تشكل- جغرافياً –جزءاً لايتجزأ من مناطق التماس مع  التغييب الكامل للبعد الشعبي بمناطق التماس قد ترتبت عليه قرارات رفضها بعض سكان مناطق التماس لربما قد يكون  ذلك عقبة كؤود أمام عملية السلام برمتها.

وهنا لابد من لفت النظر لأهمية إضافة ممثلين عن سكان مناطق التماس إلى اللجان ذات الصلة بمعالحة تبعات ما بعد الانفصال .ويعد ذلك مطلباً حيوياً يستمد مشروعيته من إحتمال إنتقال الصراع الشمالي/الجنوبي إلى مناطق التماس مستقبلا.وتزداد أهمية هذه الجزئيات كلما زادت إحتمالات الإنفصال غير السلمي.

وجدير بالإشارة  أن إتفاقية نيفاشا للسلام الشامل/2005م قد أعطت الجنوبيين حق الإنفصال عن شمال السوان ولم تحتوي  هذه الإتفاقية على إي نصوص تفصيلية  واضحة المعالم لمعالجة  تأثير الإنفصال على مناطق التماس.والأدهى ما في الأمر أن الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السوان لم تتخذان -حتى تاريخه- الترتيبات والتدابير الضرورية اللازمة لحفظ الأمن وتحقيق التنمية والإستقرار والسلام المستدام في مناطق التماس إذا إختار الجنوبيين خيار تكوين دولة جنوب السودان.

وما دام ذلك كذلك،فمن غير  المستبعد أن تصبح مناطق التماس –حاضراً و مستقبلاً- مسرحاً لبروز خلافات الحكومة والحركة الشعبية على السطح. ويتعاظم حدوث ذلك قرباً من ملامسة أرض الواقع في ظل عدم وضع  المعالجات الناجعة.وبالتالي فلربما قد تتحول مناطق التماس من كونها صمام أمان وتعايش سلمي بين قبائل التماس لتصبح مرتكزاً  لإعادة إنتاج الأزمة السودانية المتكلسة أصلاً بين جنوب السودان وشماله.

ولا يكتمل حسن التنبؤ بمستقبل الوضع في مناطق التماس بدون تسليط الضوء على  هجرة قبائل التماس الشمالية(الرزيقات) وقبائل التماس الجنوبية(الدينكا) إلى السودان لمعرفة كيفية وصولها إلى مناطق التماس والوقوف على ماكونته من علاقات ومصالح متبادلة في هذه المناطق.ولا يتأتى ذلك إلا بتشريح مخرجات الحراك الإجتماعي الذي صنعته هذه القبائل بالتركيز على منعطفات التطور والإنحدار في منحنى العلاقة التاريخية بين دينكا بحرالغزال وقبيلة الرزيقات.

      وعليه،فإن الجزء المتبقي من هذه الورقة سوف يتناول –تفصيلا- كيفية وصول قبائل التماس الشمالية وقبائل التماس الجنوبية إلى مناطق التماس عبر دراسة حالة  قبيلتي الدينكا والرزيقات بإعتبارهما من أكبر هذه القبائل أفراداً ،ولما لهما من أثر في تحديد مشروطيات الإستقرار في مناطق التماس.ويتم ذلك عبر تسليط الضوء على الحراك الإجتماعي و العلاقة التاريخية  بين القبيلتين.

علماً أن التركيز على قبيلتي الدينكا والرزيقات للتنبؤ بالتعايش السلمي بين قبائل التماس بعد الإنفصال ومستقبل الوضع بمناطق التماس  بعد إنفصال الجنوب يرجع إلى عدة أسباب جوهرية وفي مقدمتها أن العلاقة التاريخية بين القبيلتين قد أتسمت بالسلام والصدام والتوتر الشديد في العقود الأخيرة وإن أفلحت الأعراف والتقاليد المرعية بين القبيلتين في التخفيف من حدة ذلك.بجانب أن الحدود المشتركة بين القبيلتين رغم أنها قد حددت في فترة الحكم الثنائي للسودان بــ 14 ميلاً للجنوب من بحرالعرب بدءاَ من منطقة سفاها(سماحة).ولكن لم يتم إعادة تعليم هذه الحدود على الأرض بواسطة لجنة الحدود.علماً أن هذه الحدود هي جزء لا يتجزأ من الـ20% المتبقية  من الحدود الفاصلة بين جنوب السودان وشماله التي لم تعلم بعد وهي تعد الأكثر حساسية.

وبالإضافة لما سبق سرده من حيثيات،فقد تجدر الإشارة إلى تزييل هذه الورقة بتوصيات يعتقد الكاتب في أهميتها بغية تجذير السلام الإجتماعي  في  مناطق التماس عموماً حتى تقوم قبائل التماس برفد مطلوبات التعايش السلمي بين جنوب السودان وشماله في مرحلة ما بعد الإنفصال.

 

المنهجية:

أصبح تحقيق التعايش السلمي في مناطق التماس يشكل هاجسا يؤرق المراقبين لتطورات  قضايا السلام في السودان.وتزداد هذه الجزئية أهمية في مرحلة ما بعد الإنفصال.وعليه يحاول الكاتب من خلال هذه الورقة تسليط الضوء على دور قبائل التماس في تحقيق التعايش السلمي والسلام الإجتماعي بدراسة حالة قبيلتي الدينكا والرزيقات.

وقد استخدم  الكاتب في هذه الورقة منهج التحليل الوصفي التاريخي لإستشراف الدور الي يمكن أن تلعبه قبائل التماس في تحقيق التعايش السلمي في مرحلة ما بعد إنفصال جنوب السودان عن شماله.حيث تم التعرض إلى شذرات من الحراك الذي خلفته قبيلتي الدينكا والرزيقات تحديداً .فضلا عن تضمين هذه الورقة إفادات بعض أعيان و أفراد  قبائل التماسللتعرف على رؤيتهم حول ماضي وحاضر ومستقبل التعايش السلمي بمناطق التماس.وهذا بالإضافة إلى توثيق آراء بعض المراقبين لتطورات الأحداث في مناطق التماس.

وينبغي التوضيح بأن البحث في المواضيع ذات الصلة بمناطق التماس لأمر شائك وتحيط به العديد من وجهات النظر ،وأن تحقيقه يحتاج إلى عشرات الكتب ومئات الدراسات والأوراق والمقالات.ومع ذلك،فإن الكاتب،في إعداده لهذه الورقة، قد راعى  إحترام الحرمات والإكتفاء بالحدود ذات الصلة،فضلاً عن حرصه على مراعاة دقة المسطور.

مناطق التماس (شرح المدلول وتوضيح الأهمية):-

 قبل توضيح المقصود بمناطق وقبائل التماس،ينبغي المرور على  حقائق ذات صلة بمدلول كلمة التماس.حيث من المعروف  بداهةً  أن كلمة التماس يطلقها الناس على الحدود الفاصلة و/أو الواصلة بين شيئين فأكثر.حيث تم التوافق بين الشعوب على تسمية الخط الفاصل و/أو الواصل بين مساحة ملعب كرة القدم والأرض المحيطة به بخط التماس.ويسمى المستقيم الذي يلامس محيط الدائرة عند نقطة معينة بخط التماس.وبالتالي،يمكن  القول أن كلمة التماس- إصطلاحاً- تطلق على كل منطقة تصل و/أو تفصل بين شيئين متجاورين فأكثر.

وعليه، يمكن تعريف مناطق التماس-موضوع هذه الورقة – بأنها عبارة عن شريط من الأراضي يغطي جانبي الحدود الفاصلة/الواصلة بين جنوب السودان وشماله.وبمعنى أدق تقع مناطق التماس المعنية بين خطي العرض (7) و(13) درجة شمال خط الإستواء وخطي الطول (14) و(34) درجة شرق خط غرينتش[14].حيث يطلق الناس في السودان  على مناطق التماس العديد من الأسماء نذكر منها مناطق التقاطع بين جنوب السودان وشماله[15].وتخوم  الإلتماس بين سكان السودان الشماليين والجنوبيين[16].وتسميها بعض قيادات الحكومة السودانية مناطق التمازج تارةً وتارة أخري مناطق التجاور بين جنوب السودان وشماله[17].

 ويطلق عليها بعض قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان مناطق التمازج الثقافي الحضاري[18].

 و لكن اللافت للنظر هو إشتهار هذه المناطق على خشبة  المسرح  السياسي بمناطق التماس أو مناطق التمازج[19].

وإجمالاً،يمكن تقسيم مناطق التماس عموماً إلى مناطق التماس الشمالية ومناطق التماس الجنوبية.حيث تتطابق الحدود الإدارية الفاصلة بين مناطق التماس الجنوبية ومناطق التماس الشمالية  تماماً  مع الحدود الفاصلة بين جنوب السوان وشماله والتي تمتد لمسافة 2000 كيلومتر تقريباً وذلك  بدءاً من حدود السودان مع دولة أفريقيا الوسطى غرباً وحتى حدوده مع دولة أثيوبيا شرقاً.

وبالرجوع إلى خريطة ولايات السودان الفدرالية للعام1994م[20]،نجد أن مناطق التماس الشمالية تغطي الأراضي الواقعة في أقصى جنوب ولاية جنوب دارفور، ولاية جنوب كردفان، ولاية النيل الأبيض، ولاية سنار وولاية النيل الأزرق.حيث تسكن قبائل السلامات،التعايشة،أولاد راشد ،المهادي،الترجم،بني هلبة،الفلاتة،القمر,أبودرق،كريش، الهبانية,البرقد،البرتي،التنجر،الرزيقات،المعاليا،المسيرية،الحوازمة،الزيود،خزام,النوبة،الداجو،شات،الجكس،الضباب،الدواليب،المسبعات ،الدوالة،الواغداب،النوبة،تقلي،الجمع،الجوامعة،الشوابنة،الشنابلة*،البزعة*،الكواهله*،أولادحميد،سليم،،الأحامدة،السلمية،الصبحة،النبهة،كنانة،نزي،رفاعة الهوي*،البرقو،الصليحاب،الهوسا،البرنو،البرون،الفونج،الأدوك والوطاويط.

وأما مناطق التماس الجنوبية،،فتغطي أقصى شمال ولاية غرب بحرالغزال ،ولاية شمال بحرالغزال، ولاية ورارب وولاية أعالي النيل.حيث تسكن قبائل الفراوقيه،فرتيت،نقولقوليه،بيقو،أندوقو،أندري،توقو،نجانقول،صارا,كارا،شالا،بنقا،قنجا،دابا،كريش،شات،قولو،يولو ،اللوا(الجور) ،بلنده ،الدينكا،النوير، الشلك والأنواك.ومن أهم الحواضر في هذه المناطق نجد كل من:راجا،تمساحة،بورو،ديم زبير،منقايات،مشار،كونديت،جنابولي،جوك،قوق مشار،كولونج،واو،أويل،قوقريال،مجانقباي،مريال باي،مكويج،نيامليل،إكيويج،مانيل،واروار،أقوك،واراب،رومبيك،ربكونا،مانكين،عدارييل،بانتيو،بور،تونجة، فشودة،جلهاك، ملوط والرنك ،التونج ، وانجوك والبونج.

كيفية وصول قبائل البقارة  إلى مناطق التماس

بتشريح الكاتب للمكونات الثقافية ومفردات التاريخ الشفاهي التي ترويها أفراد قبائل البقارة والرزيقات تحديداًً القاطنين منهم في مناطق التماس وجدهم  يصرون على أن نسبهم ينتهي إلى عبدالله الجهني.حيث يفيدون بأن بوادي أسلافهم  قد غادرت أرض اليمن بجنوب الجزيرة العربية إلى الحجاز منذ مئات السنين.ومن ثم ،فقد غادر هؤلاء الاسلاف إلى عمان والعراق وبلاد الشام، فمصر وليبيا والجزائر وتونس ومالي والنيجر وتشاد فالسودان(مناطق التماس).ويزيد بعضهم بأن هذه القبائل هي جزء أصيل من القبائل الهلالية التي هاجرت من الجزيرة العربية إلى قارة أفريقيا لتعبر تشاد إلى السوان(مناطق التماس) في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين[21].

وبمضاهاة الحيثات سالفة السرد في الفقرة الأخيرة  بمفردات التاريخ الروائي والدراسات الإجتماعية نجدها لحدٍ كبير تتطابق  مع حيثيات وردت في دراسة د.مصطفى احمد على حول  التعليم العربي الاسلامي في جمهورية تشاد التي ترجع  نسب قبائل البقارة التي هاجرت إلى  السودان من دولة تشاد إلى القبائل العربية القحطانية[22].وفوق ذلك تتكافأ مع إفادات د.حسن مكي بمجيء جد البقارة إلى السودان بالهجرة  من بلاد تونس الخضراء[23].وكذلك تتماشى مع مضمون مقال كتبه د.حسن مكي حول مكونات الحراك الإجتماعي بالسودان

تم نشره في مجلة دراسات أفريقية ،العدد رقم(16) تحت عنوان:  مقاصد الهجرة في ظل التوجه الحضاري[24].علما أن إستقرار قبائل البقارة(الرزيقات) في مناطق التماس قد جعلهم وجهاً  لوجه مع بعض التحديات البيئية والأمنية.وقد استجابوا لهذه للتحديات البيئية عبر إمتهانهم لتربية الأبقار والأغنام والأبقار بدلاً عن تربية الجمال كلما توغلوا في ناحية الجنوب.حيث مكنهم ذلك من الإستمرار في حياة البداوة والترحال من مكان لآخر تفادياً لتقلب العومل الطبيعية من جانب وسعياً وراء إشباع البهائم من الجانب الآخر .إذ تسير ظعائن بواديهم بين جنوب وشمال السوان في رحلة سنوية جنوبية–شمالية تعرف بالنشوق تبدأ من مناطق البطحاء  في إقليم بحرالغزال مروراً بدار الرزيقات وحتى مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.وتعود هذه البوادي عقب إنتهاء موسم الأمطار  في رحلة  شمالية- جنوبية تعرف بالمووطاة تنتهي في بطاح إقليم بحرالغزال.علما أن بحر العرب وضفافه تعد المصيف الرئيسي لجل الرزيقات.حيث يتيح ذلك إختلاطهم مع دينكا ملوال.

كيفية وصول قبيلة الدينكا  إلى مناطق التماس:

تتكون قبيلة الدينكا  من أربعة وعشرين فصيلاً. وكل فصيل يتكون من عدة عشائر[25].وكلما كبر حجم العشيرة تنفصل عنها مجموعة من الأفراد مكونةً عشيرةً جديدة[26].وهذا السلوك يفسر  بجلاء إنتشار قبيلة الدينكا في أجزاء واسعة من  مناطق التماس. حيث يكثر الدينكا من الزواج بأكبر عدد من النساء .ويسكنون  في قرى متفرقة على هيئة عشائر صغيرة يربطها النسب والدم.

وينبغي التقرير بأن د.فرانسيس دينق قد أشار - في كتاباته حول قبيلة الدينكا- ألى مجيئ  الدينكا  إلى السودان بالهجرة من أدغال قارة أفريقيا.وقد وصل أسلاف الدينكا إلى جنوب السودان في شكل موجات متتالية من الهجرات المتواصلة وذلك بدءاً  من القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن التاسع عشر الميلاديين.حيث أستقر معظم  الدينكا في الأراضي الواقعة في غرب وشرق نهرالنيل[27].

ومن ثم،فقد  دخل هؤلاء الأسلاف في معارك مع القبائل التي كانت تسكن قبلهم في المنطقة[28].وتمكنوا من هزيمة هذه القبائل   وبسطوا سيطرتهم على معظم الأراضي الواقعة في بحرالغزال وأعالي النيل إلى الغرب من نهرالنيل.وقد دخل أسلاف الدينكا إلى جنوب السودان من ناحية الهضبة الأثيوبية متجهين غرباً.حيث عبروا نهر النيل الأبيض من ضفته الشرقية إلى ضفته الغربية.وبعدئذٍ صاروا  يقيمون في هيئة مجموعات تجمع  بينها علاقات القربي والمصاهرة.حيث أستوطن بعضهم في منطقة بور وعرفوا بدينكا بور.

وسكنت مجموعات من الدينكا في منطقة البحيرات وولاية الوحدة وواراب ورومبيك بجنوب السودان من أشهرها دينكا توت وقوت وتونج ودينكا أقار ودينكا عالياب ودينكا رومبيك.وأستوطنت بعض مجموعاتهم في أعالي النيل وعرفوا بدينكا أعالي النيل(أبيلنق).وهاجرت مجموعة من الدينكا  من جنوب السودان شمالاً ليستقر بها المقام في  إقليم كردفان عرفت بدينكا أبيي(النقوك)[29].وأما أكبر مجموعات الدينكا،فقد عرفت بدينكا بحرالغزال(من أشهر بطونهم أون شان،فليبق،بليت، أون شان،فليبق،بليت،ملوال وتوج وهجير.حيث يشكلون حوالي 75% من قبيلة الدينكا التي يقدر بعض الباحثين عدد أفرادها بحوالي(2) مليون نسمة[30].

والجدير بالذكر ديار قبيلة الدينكا الحالية- بإقليم بحرالغزال - قد آلت  إلى أسلاف الدينكا إما عن طريق وضع اليد على أراضٍ كانت بوراً  أو بإزاحة السكان الأصليين الذين ينحدرون من قبائل نجانقول، اللوا  والجور[31]،  وغيرها من القبائل السودانية ولا سيما تلك التي كانت تسكن حول نهر الجور وفي ديار دينكا أقار بمنطقة رومبيك[32].

  أضواء على الحراك الإجتماعي لقبيلتي الدينكا والرزيقات:

تشكل مناطق التماس مركز إلتقاء لمصالح قبيلتي الدينكا والرزيقات.وقد جعل ذلك الحراك الإجتماعي في ديارهما يتسم بحرص أفرادهما على التعايش والتواصل والتلاقح الثقافي والإثني. علماً أن الفضل في ذلك يرجع إلى توظيف الجانبان للعادات والتقاليد والأعراف في ناحية تقوية السلام الإجتماعي.

 وإجمالاً يمكن القول أن فترة الثورة المهدية قد شكلت نقطة أساسية في ناحية تطوير علاقات قبائل الدينكا والمسيرية والرزيقات[33].حيث تكونت خلالها صداقات بين مادبو زعيم  قبيلة الرزيقات وبعض زعماء دينكا بحرالغزال،مما جعل السلطان وول دور جوك(أحد سلاطين دينكا ملوال) القيام بإهداء إبنته إلى صديقه مادبو[34].وقد لعب التجاور المكاني بين ديار قبيلتي الدينكا والرزيقات-فضلاً  عن إمتهان القبيلتين لرعي الأبقار وتلاقي قواعدهما  صيفاً في بحرالعرب وبطاح إقليم بحرالغزال- دوراً متعاظماً في تقوية الصلات بين الجانبين.

وقد أنعكست علاقات الدينكا والرزيقات في هيئة علاقات ثقافية وإثنية ومنافع متبادلة.حيث يحصل بعض أفراد الدينكا على جذع من البقر كل (6) أشهر نظير رعايتهم للقطيع الواحد(المراح[35]) من أبقار الرزيقات.بجانب حصولهم على أجر عيني أو نقدي مقابل حفر آبار مياه شرب تقليدية أو جمع الحطب ونظافة المزارع وحصاد المحاصيل أو عند أداء أي خدمات أخرى.وفي المقابل يتبادل بعض أفراد قبيلة الرزيقات مع أفراد الدينكا لحوم أبقارهم  وحيوانات الصيد المجففة وذلك  نظير الحصول  على الأسماك المجففة والذرة والمحاصيل الزراعية.

وتعد إستضافة ناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو(والد د.آدم مادبو) للسلطان رينج لوال أحد سلاطين دينكا بحر الغزال الحكماء في دار الرزيقات بجنوب دارفور في ستينيات القرن العشرين البرهان  القوي على قوة العلاقةبين قبيلتي الدينكا الرزيقات.علماً أن هذه الإستضافة حدثت جراء هجرة السلطان "رينج" وبعض أفراد عشيرته  دينكا ملوال بأبقارهم وأسرهم من إقليم بحرالغزال إلى دار  الرزيقات في شمال السودان(جنوب دارفور) وذلك تفادياً لتداعيات خلافات  نشبت بين السلطان رينج  وبعض المتمردين من أبناء جلدته[36].وقد ترتبت على ذلك آثار إيجابية كثيرة[37].

وكما ظل بعض أفراد  الرزيقات - في فترة حرب الجنوب- يقومون بالمتاجرة في السلع الاستهلاكية والبضائع في ما يطلق عليه حينها أسواق السلام  المنتشرة بإقليم بحر الغزال  والتي من أشهرها أسواق "مانيل"و"اروار"و"جنابولي".وقد شكلت منطقة الرزيقات معبراً مهماً للدينكا  يصلهم بشمال السودان ولا سيما عبر منطقة سفاها ببحرالعرب. وتشكل الأسواق الصيفية على إمتداد بحر العرب (سوق سماحة ، سوق كَلَمة، وسوق دحيل الدابي) أماكناً لتكوين العلاقات بين الدينكا والرزيقات[38].وكما يدخل بعض أفراد الرزيقات والدينكا في شراكة زراعية تعود بالنفع على الجانبين.

ولم تنحصر علاقة الدينكا بالرزيقات في  تبادل السلع والخدمات فقط ،بل بلغت هذه العلاقة درجة متقدمة.ويتجسد هذا في ترك بعض أفراد الدينكا لديارهم بإقليم بحر الغزال،طواعيةً،للعيش والاستقرار وسط ديار الرزيقات[39].وقد صار خلف هؤلاء الأفراد جزءاً  أصيلاً من بطون وأفخاذ قبيلة الرزيقات[40].حيث يتولى بعضهم،حالياً،مناصباً متقدمةً في قمة الهرم الإداري لقبيلة الرزيقات[41]. وقد بلغ التمازج بين القبيلتين مرحلة قوية.حيث أن العلاقة بين أفراد قبيلتي الرزيقات ودينكا ملوال تحديداً قد وصلت مرحلة صعوبة الفكاك،إذ أنه مهما يتقاتلوا لن يصلوا مرحلة القطيعة التامة(عليو،2007)[42].ويتعاظم عشم الكاتب في توظيف ذلك لتمتين فرص التعايش السلمي بمناطق التماس في مرحلة  ما بعد الإنفصال.

وبالرغم مما تم سرده من حيثيات،فينبغي التذكير بأن العلاقة ما بين قبيلتي الينكا والرزيقات لم تكن في مجملها "لبن على عسل".حيث تخللتها بعض الفترات والمصاعب والأحداث التي صار بعضها ليس فقط علامة فارقة بين الجانبين بل ألقت بظلالها على التعايش السلمي بمناطق التماس في الماضي.ويخشى الكاتب أن يؤثر إجترار ما ترتب عليها من سلبيات على مستقبل التعايش السلمي بين قبائل التماس في مرحلة ما بعد إنفصال جنوب السودان عن شماله.

وعليه،فإن الكاتب قد حرص على تسليط الضوء على أهم تلك المصاعب والأحداث حتى يسهل فهمها في إطار إعادة قراءتها من زاوية بعدها التاريخي وفهما في إطار علاقة السببية أو مبدأ الفعل ورد الفعل وذلك بغية وضع معالجات ناجعة لمسببات حدوثها ليس حرصاً على عدم تكرارها فحسب ،بل بغية تقوية الدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه قبائل التماس في المستقبل.

 حيث تشكل ديار الدينكا ملاذاً آمناً للرزيقات ليس لحصول مواشيهم على العشب الماء والمرعى في فترة الجفاف(أبريل-يونيو) وتفادي المجاعات فحسب بل ظلت في الماضي ملاذا آمنا لظعائن الرزيقات خلال مناوشاتهم مع سلاطين الفور.ويمكن القول أن أهم الأحداث التي شكلت علامة فارقة في منحنى تطور العلاقة بين قبيلتي الديكا والرزيقات قد حدثت خلال القرن العشرين.

فبعدما تصدى الرزيقات لحملة السلطان علي دينار التي أرسلها لتأديبهم في العام 1913م بقيادة قائد جيوشه رمضان برة في منطقة "أم طيور" جوار مدينة أبومطارق عاصمة محلية بحرالعرب الحالية ، فقد قفلوا راجعين إلى بواديهم وأسرهم الذين خبأوهم في ناحية غابات بحرالعرب ولكنهم تفاجأوا بإغارة الدينكا على هذه البوادي وسبي أفرادها ومواشيهم.وقد تعقب فرسان الرزيقات أثر الدينكا المغيرين على البوادي حتى أشتبكوا معهم منتصرين عليهم في معركة دسوسة(عليو،2007)[43].وقد هز هذا الحادث الثقة بين قبيلتي الدينكا والرزيقات وقاد إلى منازعات لاحقة بينهم متصاعدة  في حدتها وتوترها ولا سيما بين رعاة الجانبين في المنطقة السهلية الواقعة إلى الجنوب من بحرالعرب ووسط ديار دينكا ملوال ببحرالغزال.

وبعد ضم إقليم دارفور بشكل نهائي لخريطة السودان الجيوسياسية في العام1916م،سعت سلطات الحكم الثنائي للحد من منازعات قبيلتي الدينكا والرزيقات .فقد قامت في العام1918 بتحديد خط  مونرو-ويتلي الذي يمتد من سفاهة(سماحة) ببحر العرب ويتجه جنوباً حتى  نيامليل بطول (40) ميلاً  كحد فاصل بين الدينكا والرزيقات :أي تنتهي عنده الحدود الجنوبية لدار الرزيقات.ولكن نسبة لإحتجاجات دينكا ملوال المتكررة على  طول هذا الخط ،فقد تم تعديل هذا الخط  في العام 1924م ليمتد على طول الضفة الجنوبية لبحر العرب.ومنثم يتجه جنوباً لمسافة 14 ميلاً ويسير بعدها موازياً لبحر العرب حتييلتقي بحدود كردفان الجنوبية كما في 1/1/1956م[44].

علماً أن  الجزء الجنوبي من دار الرزيقات يظهر في خريطة السودان في شكل نتوء في ولاية جنوب دارفور ممتداً في ناحية الجنوب.وعليه،فقد سارت الحدود الجنوبية لولاية جنوب دارفور قبالة محلية بحرالعرب على إمتداد خط مورنو-ويتلي المعدل.وقد عمل السكرتير الإداري ماكمايكل على تثبيت هذا الخط بحسبانه حداً فاصلاً ونهائي للفصل بين ديار قبيلتي الدينكا والرزيقات.ولتجذير السلام الإجتماعي بمناطق التماس،فقد أعطى السكرتير الإداري ضوء أخضر  لعقد مؤتمرات سنوية في منطقة سفاهة (سماحة) تحضرها قيادات قبيلتي الدينكا والرزيقات لمناقشة منازعات قواعدهم ووضع حلول مناسبة لها.حيث تم عقد أول هذه المؤتمرات في أبريل1924م.وتم بموجبه منع الرزيقات من الذهاب جنوب الـ)14(ميل المعنية حيث تبدأ ديار دينكا ملوال إلا في حالة ذهابهم لبيع أنعامهم في الأسواق المحلية.وتم السماح للدينكا بصيد الأسماك من بحرالعرب شريطة أن تبقى أبقارهم جنوباً[45].

وقد عملت مؤتمرات سفاهة بنجاح في حل مشاكل الدينكا والرزيقات لمدة تجاوزت نصف قرن من الزمان.حيث عقد آخرها في العام 1976م ولكنه فشل بفعل مناوشات حدثت في سفاهة بين أفراد الدينكا والرزيقات لتجذر عدم الثقة.ويعزي البعض ذلك لتراكم المنازعات العالقة بفعل حل الإدارة الأهلية للرزيقات بموجب قرارات حكومة مايو في العام1971م.وفي العام1979م عقدت القبيلتان مؤتمر ببابنوسة الذي تم بموجبه حل جذري قضى  بدفع الديات وتشكيل محكمة شعبية مقرها سفاهة تتكون عضويتها من الرزيقات والدينكا مناصفة نجحت في حل كثير من المشاكل.

ولكن بعد ظهور معسكرات الحركة الشعبية في قليم بحرالغزال في العام1983م تطورت نزاعات الدينكا والرزيقات من مصادمات تحدث جراء التنازع حول الماء والمراعي لتصبح صراعات مسلحة تأخذ طابع الإنتقام والتشفي والعمل بردود  الفعل.حيث تدخل الجيش الشعبي و الحركة الشعبية لصالح الدينكا ولجأ الرزيقات للإستنصار بفرسانهم والتآزر بالحكومة المركزية.وهذا عين ما أطلق عليه السلطان الدكتور ضيو مطوك في كتابه:الرزيقات والدينكا بالطرف الثالث[46].

ففي العام1984م قتل الدينكا (10 ) من الرزيقات كانوا يتاجرون السلع الإستهلاكية في منطقة أريات.وكرد فعل لذلك قام أقربائهم بالإغارة على بلدات الدينكا ملوال إنتقاماً لقتلاهم في العام1985 في ظل وجود بوادي الرزيقات ببحرالغزال. وقد رد الجيش الشعبي بعنف على ذلك بالإغارة على البوادي في بطحاء جلكو .وتوالت ردود الفعل بقتل(7) من الرزيقات في نيامليل والتمثيل بجثثهم وحرقها[47].وكرد فعل على ذلك هاجم فرسان الرزيقات في 1986م مناطق الدينكا  ومعسكرات الجيش الشعبي  ببحرالغزال حتى منطقة الفونقو نوير إنتقاماً لقتلاهم مستخدمين السلاح الناري.وقد راح ضحية هذه الإغارات نفر عزير من أبناء القبيلتين ،فضلا عن تدمير ممتلكاتهم(عليو2007)[48].

    وقد جاء رد الجيش الشعبي لتحرير السودان على قبيلة الرزيقات في العام 1987م.إذ هاجمت كتائب الجيش الشعبي بوادي الرزيقات في عقر دارها ولا سيما في مناطق بغيلة وهجليجة وسفاهة ببحرالعرب.وقد شكل هذا الهجوم صدمة قوية للرزيقات. حيث هب الرزيقات ،قيادة وقاعدة، إلى منطقة بحر العرب ،تساندهم السلطات المحلية وبعض القوات النظامية بمدينة الضعين ،وذلك دفاعاً عن  النفس والأهل والعشيرة.وتحولت منطقة سفاهة(سماحة) إلى منطقة عمليات حربية بين قبيلة الرزيقات والجيش الشعبي لتحرير السودان المغيرين على المنطقة.ولم يفلحوا من إخراجه من مصايف بواديهم في بحرالعرب إلا بعد خوضهم (3) أيام من المعارك الحامية.وقد تكبدوا جراء ذلك خسائراً  فادحة في المواشي والأرواح،بجانب قتل أفراد الرزيقات بعضوية محكمة سفاهة الشعبية[49].

وبما أن مظاهر الإنتغام والغضب أكثر ما تكون ثوراناً ساعة الحرب[50]،فقد شهدت مدينة الضعين خلال فترة المواجهة بين الجيش الشعبي والرزيقات ببحرالعرب(26-28مارس1987م) نوع آخر من المواجهات كرد فعل على إغارة الجيش الشعبي على بوادي الرزيقات  شبيهة بالمواجهات التي حدثت يوم الإثنين الأسود ويوم الثلاثاء الذي أعقبه عند مصرع الدكتور جون قرنق في العام2005م.حيث تجمع شباب من الرزيقات في باديء الأمر  وذهبوا  إلى كنيسة الضعين في الفترة المسائية لمقابلة المستنيرين من شباب الدينكا لحضهم على التأثير على أهلهم بمعسكرات النازحين بمدينة الضعين لإيقاف مظاهر الفرح والألعاب التي عمت هذه المعسكرات بالتزامن مع الإنتصارات التي حققها الجيش الشعبي على الرزيقات في منطقة بحر العرب لكي لا يتطور الأمر إلى إستفزاز لأهل القتلى لربما قد يعقبها رد فعل غير محسوب العواقب.

ولكن حدثت مشادات بين شباب الرزيقات وشباب الدينكا تحولت إلى عراك ومواجهات.ولما كان آفة الأخبار روايتها،فقد سرى خبر كاذب في المدينة بأن الدينكا بدأوا يقتلون الرزيقات والعكس بالعكس ليتحول ليل المدينة إلى مواجهات وحرائق. وفي هذه الأثناء غادر بعض الدينكا مدينة الضعين هرباً  بجلودهم نحو الأرياف المحيطة. وقد بذل ضابط شرطة من الرزيقات النوايبة يدعى عبدالرحيم الفضيل  مجهودات مقدرة لحماية الدينكا ولا سيما الذين تجمعوا في مراكز الشرطة .وعملت بعض قيادات الرزيقات  وفي مقدمتهم عضو المحكمة الشعبية بالضعين حماد بشار وعلي الرضي والعمدة محمود خالد عمدة الرزيقات النوايبة بالفردوس(أضان الحمار) والعمدة فضل النبي سالم عمدة الرزيقات  الماهرية فخذ  أم احمد في منطقة أبومطارق على حمايتهم[51]..

وقد رأت لجنة الأمن بالمدينة ضرورة ترحيل بعض أفراد  الدينكا تحت جنح الظلام  ليلاً إلى مدينة نيالا بعد وضعهم في عربتين خشبيتين من عربات قطارات السكة حديد.وبالفعل وفي سرية تامة تم الإتصال برئاسة القطاع الغربي بمدينة بابنوسة وتحرك القطار نحو الضعين.ولكن ما لم يكن في حسبان لجنة الأمن هو أن وصول القطار من بابنوسة وحتى الضعين يحتاج لزمن طويل ليقطع عشرة محطات.وكما فات عليها  عدم مقدرتها على توفير قوة الحراسة الكافية للعربتين المعنيتين في ظل إستنفار بعض القوات بالمنطقة في ناحية صد هجوم الجيش الشعبي لبحرالعرب.وفوق ذلك،فقد فات على لجنة الأمن أن تضع يدها على نقطة ومخزن سلاح شرطة سكة حديد الضعين.

حيث تمكن بعض أبناء الدينكا العاملين في شرطة نقطة سكة حديد الضعين (أحدهم يكنى بمرفعين) من التسلل إلى مخزن سلاح هذه النقطة وأخذوا ينتقمون بضرب المارة رمياً بالرصاص في طريق السكة حديد الرئيسى المؤدي إلى سوق المدينة الكبير.وقد أستشهد جراء ذلك (11) فرداً من ضمنهم نساء وطلاب مدارس ومواطنين عاديين وشرطي مطافي رزيقي يدعى طبيق. وقد كان لذلك دوره في هيجان الناس، بما فيهم الرجرجة والدهماء ، مما أدى إلى تجمعهم في محطة السكة حديد.وفي ظل هذه المعمعة أنكشف وجود الدينكا المخبأين في عربتي القطار، وتمت مهاجمتهم.حيث قتل من قتل منهم وشرد من شرد  نجاةً بنفسه وأٌُحرق من أحرق من  بعد إشتعال النيران في العربتين المذكورتين.

 وللتعليق على أحداث الضعين1987م نقول أولا:لابد من الشعور بالأسف لحدوثها وإدانتها. وثانياً: لابد من تأكيد حقيقة جوهرية وهي أن هذه الأحداث جاءت في حقيقة الأمر كرد فعل  على هجوم شنه الجيش الشعبي لتحرير السوان على بوادي الرزيقات خلال نفس الفترة.وثالثا:لابد من توجيه صوت لوم للحكومة الديمقراطية الحاكمة للبلد في تلك الفترة وذلك ليس لعدم تكوينها للجنة تقصي حقائق لكشف الملابسات فحسب ،بل وكذلك لعدم القبض على المشتبه في تورطهم في هذه الأحداث وتعرضهم لمحاكمات عادلة.ومن جانب آخر ينبغي التأكيد بأن ترسيخ التعايش السلمي بمناطق التماس يتطلب تكوين لجنة  تقصي حقائق محايدة بشأنها تتكون من أصحاب الدراية العلمية بعادات وأعراف وتقاليد قبيلتي الدينكا والرزيقات شريطة أن تضم في عضوتها ممثلين للقبيلتين بغية توضيح الحقائق للرأي العام المحلي والعالمي.

 وتنبغي الإشارة إلى أن أعيان الرزيقات عندما عادوا من بحرالعرب  إلى مدينة الضعين بعد صد هجوم الجيش الشعبي قد عملوا على تطييب خاطر الدينكا الموجودين في المدينة.وحذروا رعاياهم من التعرض إليهم.وأعتبروا أن ما حدث من أحداث في الضعين سلوك لا يشبه أعراف القبيلة التي تحمي المقيمين بين ظهرانيها وتجرم الإعتداء عليهم عملاً بقواعد العرف المحلي.حيث يطلق الرزيقات على أفراد القبائل المقيمين وسطهم أوالمتحالفين معهم الحلفاء "التلية". وينص العرف على حمايتهم وفي وزمرتهم الدينكا.وبالتالي ،فقد عاد أفراد الدينكا للسكن من جديد في معسكراتهم المنتشرة في مناطق الضعين،أبومطارق،عسلاية والفردوس والتي تشكل العمق السكاني لأفراد الرزيقات.

وجدير بالإنتباه أن الحركة الشعبية لتحرير قطاع بحرالغزال قد غيرت إستراتيجيتها خلال الفترة:1988-2005م للتعامل مع الرزيقات.فمن جانب سمحت لبوادي الرزيقات بإرتياد إقليم بحرالغزال في رحلتها الجنوبية السنوية شريطة عدم الإعتداء على الدينكا ومعسكرات الجيش الشعبي.وعملت على تقييد حملهم للسلاح الناري إلا بتصديق صادر من قادة قطاعاتها العسكرية في قطاع غرب سكة حديد بابنوسة-واو.والزمت البوادي بدفع ضريبة سنوية مقدارها ثور بقر عن كل قطيع.وسمحت لأفراد البوادي بإرتياد أسواق بحرالغزال للتزود بالمؤن.وأتاحت لأفراد الرزيقات المتاجرة بالسلع الإستهلاكية في بحرالغزال وأسواق مانيل، جنابولي، واروار، ونيام ليل شريطة دفعهم لرسوم مقابل تصريحات صادرة من قادة المناطق العسكرية التابعة للجيش الشعبي.

ومن جانب ثاني عملت الحركة الشعبية قطاع بحرالغزال على التفريق بين سلوكيات الرزيقات العاديين وأفراد البوادي وأفراد الرزيقات الذين يتبعون لقوات الدفاع  الشعبي.حيث ظلت تشدد الخناق على الأخيرين بإعتبارهم جزء من مليشيا المراحيل عدوها اللدود.وقد بذل بعض قادة جيشها الشعبي ببحرالغزال-نذكر منهم الكوماندور بول ملونق(حاكم شمال بحرالغزال) والكوماندور أكوت دينق دينق والكوماندور دود يو وآخرين مجهودات مقدرة تمثلت في إبرام إتفاقيات مانيل للسلام الشعبي بين الدينكا والرزيقات من خلال تكوين لجان سلام شعبية من أفراد الينكا والرزيقات[52]تحتكم للأعراف وحل المشاكل بين الجانبين مما قوى من فرص التعايس السلمي والسلام الإجتماعي بين أفراد قبائل الدينكا والرزيقات على الرغم من هجمات فرسان الرزيقات الذين يشاركون  في حماية متحركات قطار بابنوسة-واو على معسكراتها.

 وقد ساهمت إتفاقيات مانيل للسلام الشعبي على الحد من صراعات قبيلتي الدينكا والرزيقات على الرغم من تعرضها لبعض المطبات.فعند توقيع هذه الإتفاقيات أشيع بأنها ضد توجهات الحكومة المركزية.وبناءا عليه ،فقد أعتقل كل من المؤمن جمعة ودوكية كباشي وأرسلا من دارفور للخرطوم.وفي مقابلة أجراها الكاتب مع المؤمن جمعة بعد إطلاق سراحه أفاد بأنه عرض على الشهيد الفريق الزبير محمد صالح وشرح له أن الهدف النهائي لعقد إتفاق السلام مع الدينكا هو لضمان عدم إعتداء الحركة الشعبية على البوادي.حيث أثنى الفريق الزبير على الفكرة وشجعه على الإستمرار في ذات المنحى.وقد تم رفد ذلك بإجتماع بين أعيان الرزيقات بالخرطوم والفريق الزبير في منزله بضاحية كوبر شرحوا فيه أن الهدف من تعامل أفراد بوادي الرزيقات مع الحركة الشعبية قطاع بحرالغزال هو تحقيق السلام والتعايش السلمي بين قبيلتي الدينكا والرزيقات .وقد أعطى الفريق الزبير الضوء الأخضر للإستمرار في هذا الإتجاة .وقد تم ذلك بالتزامن مع إتجاه الدولة لتحقيق السلام من الداخل.

ولكن بعد إنهيار إتفاقية الخرطوم للسلام ورجوع اللواء كاربينو كوانين للحركة الشعبية قطاع بحرالغزال تعرضت إتفاقيات مانيل للسلام الشعبي لمطب آخر.إذ تسببت إغارة بعض فرسان الرزيقات المشركين في حماية متحركات قطار بابنوسة-واو على معسكرات الحركة الشعبية في العام 1998م إلى صدامات حادة بين الجابين أستشهد على أثرها العديد من الفرسان ولا سيما أولئك الذين أغاروا على معسكرات الحركة في منطقة مانيل.حيث عثرت الحركة على البطاقات العسكرية لبعضهم معروفين لديها بالإسم نذكر منهم "أحمد إزيرق" مما ضاعف من شكوك الحركة تجاه الرزيقات.

وعليه،فقد قامت كتائب من قوات اللواء كاربينو كوانين بمهاجمة بوادي قبيلة الرزيقات ببحرالغزال .وقد ترتب على ذلك قتل العديد من أفراد البوادي من أشهرهم أبناء العمدة كبور شقرة عمدة فرع الرزيقات المعروف بالمحاميد. وقد تم نهب العشرات من قطعان ماشية الرزيقات بواسطة جنود الجيش الشعبي.ولما كانت بوادي الرزيقات جزء من الثروة القومية،و أن العمدة كبور شقرة رمز من رموز الرزيقات،فقد هب نفر كبير من قبيلة الرزيقات –في معيتهم  بعض الجنود- واحتلوا معسكرات الحركة الشعبية في مناطق مانيل ونيامليل ببحرالغزال.

وقد كان رد بعض أفراد الدينكا قاسياً ،حيث قامت مليشاتهم المتفلتة بقتل دوكية كباشي الذي أرسله ناظر الرزيقات  حينها لمقابلة سلاطين دينكا بحرالغزال بغية التحضير لعقد إتفاق سلام بين قبيلتي الدينكا والرزيقات.وكاد مقتل دوكية أن يجدد الحرب بين الدينكا والرزيقات لولا إنقسام الرزيقات بين معارض ومؤيد للحرب.حيث كانت غالبية الرزيقات  ترى ضرورة تحقيق التعايش السلمي مع الدينكا.وقد شجع هذا الموقف على إحياء إتفاقيات مانيل للسلام الشعبي بين الدينكا ممثلين في الحركة الشعبية وبعض السلاطين وأفراد قبيلة الرزيقات  ممثلين في عضويتهم في لجان ما نيل السلام.و قد أستمرت هذه اللجان  في حلها للمشاكل الناجمة عن سوء الفهم بين أفراد الدينكا والرزيقات ،فضلا عن معالجة السرقات وعمليات القتل الفردية التي تتحدث في جانبي الدينكا والرزيقات إلى أن تم توقيع إتفاقية نيفاشا للسلام في العام2005م.

وأما بخصوص المستوى العام للتعايش السلمي بين قبائل التماس بعد توقيع إتفاقية نيفاشا للسلام الشامل،فقد تحسن كثيراً. ويعزى ذلك لعدة أسباب.فبعد السلام إنتفت الحاجة لمشاركة فرسان قبائل البقارة في حراسة قطار بابنوسة-واو.وبالتالي لم يعد للجيش الشعبي مبرراً لمهاجمة بوادي قبائل البقارة ولا سيما الرزيقات.وقد حد ذلك من دخول الرزيقات والدينكا في حروبات.وكما بذل الكماندور بول مالونق -حاكم ولاية شمال بحرالغزال الحالي-مجهودات قيمة في ناحية إحياء التعايش السلمي بين قبائل التماس تكللت بتبادل الزيارات بين الوفود الرسمية والشعبية (قبائل التماس).وقد دفع ذلك الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتشجيع التعايش السلمي بين قبائل التماس.

وقد تم عقد مؤتمرات بين قبائل التماس في مديني أويل وأبيي خرجت بتوصيات في مجملها تدعم ترسيخ التعايش السلمي بولايات التماس في الحاضر وبعد الإنفصال[53].ومن جانب آخر،عملت الحركة الشعبية على زيادة فرص السلام عبر إستقطاب الكثير من أفراد قبائل التماس ولا سيما من قبيلتي المسيرية والرزيقات إلى صفوفها.وأفلحت في تجنيد بعض مسرحي الدفاع الشعبي من أبناء قبائل التماس في صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان بما في ذلك الفرسان البقارة الذين كانت تطلق عليهم في الماضي مليشيا المراحيل وذلك بالإغداق عليهم بالمال والرتب[54].ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل شمل الأستقطاب الشباب والشيوخ والنساء ولا سيما في محلية بحرالعرب بولاية جنوب دارفور  ومحلية أبيي بولاية جنوب كردفان.

 وعليه،فقد صار سكان مناطق التماس عموماً وأفراد قبائل البقارة وفي مقدمتهم الرزيقات تحديداً ينظرون إلى علاقتهم المستقبلية  مع قبائل التماس الجنوبية(الدينكا) بعد الإنفصال بمنظور الحفاظ على المصالح المشتركة وتعظيم فرص التعايش السلمي.و من الجانب الآخر ظلت قيادات الحركة الشعبية حريصةً على عدم تطور الخلافات التي تحدث -من حين لآخر- بين أفراد الجيش الشعبي وأفراد بوادي الرزيقات إلى صدامات عسكرية  متصاعدة.وقد تم جني ثمرة سياسة مراعاة المصالح المشتركة هذه بنجاح .فعلى سبيل الثال لم يتطور بفعلها صدام الجيش الشعبي وأفراد بوادي الرزيقات الذي حدث أخيراً  في منطقة "بلبلا" بجنوب بحرالعرب إلى حرب قبلية شاملة.وكما لم تحدث صدامات بين أفراد قبيلتي الرزيقات والدينكا على الرغم من إنتشار الجيش الشعبي بكثافة في الوقت الراهن في مناطق التماس الجنوبية  وتحديداً بالقرب من بحرالعرب ودار الرزيقات.

مهددات التعايش السلمي  بين الدينكا والرزيقات  في مرحلة ما بعد الإنفصال:

1-عدم تعيين الحدود بين ولايات جنوب دارفوروبحرالغزال

عدم ترسيم الحدود بين ولاية جنوب دارفور وولايتي غرب وشمال بحرالغزال يشكل تهديد للسلام الإجتماعي في مناطق التماس عموما ولربما بين قبيلتي الدينكا والرزيقات تحديدا إذا حدث الإنفصال.حيث ظلت تشكل الأجزاء الجنوبية من دارالرزيقات ولا سيما في وحول منطقة بلبلة  مكاناً للصدام بين أفراد بوادي الرزيقات والجيش الشعبي لتحرير السودان مما يهدد السلام الإجتماعي بعد الإنفصال.

وعلى الرغم من أن الثابت هو أن الحد الفاصل بين دار الرزيقات وجنوب السودان يقع على بعد 14 ميل لجنوب بحرالعرب حسب خط مونرو-ويتلي/1924م إلا أن بعض قيادات الحركة الشعبية أشارت لحدوث إشكالات حول ترسيمه في المستقبل[55].وكما أن السلطان ضيو مطوك في كتابه عن الدينكا والرزيقات قد ألمح إلى أن الدينكا لم يكونوا طرف في إتفاق مونرو-وتلي بحسبان رسمه المستعمر(عليو،2007).ولكن هذه المزاعم لا يعتد بها ،حيث أنه وحتى العام1991م ظلت اتفاقية مونرو* ويتلي يُرجع إليها في المكاتبات الإدارية بين شرق بحر الغزال وجنوب دارفور(مستند محافظة شرق بحر الغزال ـ أويل. المسارات القبلية * الحدودوالنزاعات،1991، ولاية شمال بحر الغزال، أويل، EBGP 66/A/2 )[56].وأن تطبيق تلك البنود قد عزز في الاجتماعات القبلية الأخيرة.

وإذا فتح هذا الباب لربما يزعم الرزيقات ومن ورائهم وولاية جنوب دارفورلأن يدفع الحد أكثر إلى الجنوب حتى يعاد لطوله الأصلي(40) ميل كما في العام1918م.وبالتالي من الأنسب أن يتم الإعتراف بالحدود الفاصلة بين ديار قبيلتي الدينكا والرزيقات كما هي في1/1/1956م لتصبح حدود فاصلة بين ولايتي شمال بحرالغزال وجنوب دارفور.ولمزيد من تحقيق فرص السلام ،يفضل أن تظل هذه  الحدود مفتوحة لأفراد القبيلتين وبقية السودانين ترسيخاً للتعايش السلمي في مناطق التماس في مرحلة ما بعد الإنفصال.

2- تداعيات الإنفصال

بلاشك أن للإنفصال تداعيات سلبية على التعايش السلمي بين قبائل التماس إذا لم تتوفر الشروط الموضوعية لتحقيق السلام الإجتماعي بمناطق التماس. وتتعاظم هذه التداعيات كلما كان الإنفصال عدائيا أو لم تسبقة الترتيبات الضرورية لمستقبل الوضع في مناطق التماس.ومما رشح من تصريحات بعض المتنفذين الحكوميين: أن الإنفصال إذا حدث "الشمالي شمالي والجنوبي جنوبي".وبما أنه لم تبدو في الأفق إمكانية لمنح الجنسية المزدوجة حتى تاريخه.وعليه‘فإن الإنفصال يشكل تهديداً للسلام الإجتماعي بمناطق التماس ولقبيلتي الدينكا والرزيقات تحديداً.

ومادامت رحلة الرزيقات للجنوب مستمرة وليس بإمكان الدولة في الوقت الراهن العمل على توطين الرحل من الرزيقات لكي لا يتعدون حدود دولة الشمال نحو الجنوب،فينبقي وضع ترتيبات إستثنائية تضمن التعايش السلمي في مناطق التماس.حيث بإمكان الحركة الشعبية منح بطاقات أو تصاريح دخول لأفراد البوادي تمكنهم من الدخول القانوني لدولة جنوب السودان شريطة حمايتهم نظير التصريح لهم بحمل السلاح الشخصي الخفيف لحماية مواشيهم من اللِصوص.وفي ذلك مصلحتين:جني فوائد إقتصادية والحفاظ على الماشية في ظل تحقيق السلام الإجتماعي عملا بمقولة البعض أن "البقرة ما بتعرف الجنسية لعبور الحدود".والتجارب المماثلة كثيرة نذكر منها تجوال الفلاتة أمبررو بين تشاد ومالي والكمرون وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان ودخول التعايشة والسلامات بمواشيهم صيفا لأفريقيا الوسطى وهلمجرا. ولكن الحل السليم في منح سكان مناطق التماس الجنسية المزدوجة.

3- التخلف التنموي

تحفل مناطق التماس بالتخلف التنموي في أبعاده الإقتصادية والإجتماعية على الرغم من ذخرها بالموارد والثروات الطبيعية.حيث تنعدم فيها المشاريع التنموية التي تستوعب سكان مناطق التماس الذين يزداد في وسطهم الجهل والأمية.كل ذلك يشكل مهدد رئيسي للسلام الإجتماعي.ولربما قد بشير شخص ما لوجود حقول البترول بمناطق التماس.وهذا صحيح ولكن كيف لأمي قيادة الطيارة.وعليه،فإن العشم يتواصل أن توجه حكومتي  الشمال والجنوب جزء من عائدات البترول المستخرج من هذه المناطق لنشر التعليم والصحة ومحاربة الفقر والعوز وتأهيل الفاقد التربوي.

والأهم ما في الأمر،فإن السلام الإجتماعي والتعايش السلمي بمناطق التماس يمكن تحقيقه بتوطين الرحل وتوفير الخدمات التنموية لهم.ويمكن للحركة الشعبية والحكومة بشمال السودان أن تستعين بالإدارة الأهلية لقبائل التماس،حيث من المأمول أن تلعب قبيلتي الرزيقات والدينكا دورا مفصليا بعدئذٍ في ترسيخ التعايش السلمي بمناطق التماس في حالة الإنفصال.

4- المليشيات والمجموعات المسلحة:

ظلت مناطق التماس قبل توقيع إتفاقية نيفاشا للسلام تشهد تفلتات أمنية بفعل المليشيات والمجموعات المسلحة القبلية مما تسبب في إضعاف التعايش السلمي وأبطأ من تطور الحراك الإجتماعي بين قبائل التماس.وقد تأثرت علاقات قبيلتي الدينكا والرزيقات كثيراً من ذلك.وفي مرحلة ما بعد الإنفصال من المتوقع إن تستمر التوترات في مناطق التماس جراء إتخاذ حركات دارفور المسلحة من مناطق التداخل بين الدينكا والرزيقات مسرحاً لتواجدها.ولربما قد تكون لذلك تداعياته السلبية التي ستضعف السلام الإجتماعي بين قبائل التماس التي تعيش في الشريط الحدودي في مرحلة مابعد الإنفصال.

محفزات لتعزيز التعايش السلمي بين الدينكا والرزيقات في حالة الإنفصال

1-تطوير الأعراف والتقاليد

طور أفراد قبيلتي الرزيقات والدينكا بعض الأعراف والتقاليد  المرعية لإدارة خلافاتهم ولضمان إستمرار المصالح المشتركة بين القبيلتين.حيث يأتي الدينكا من ديارهم بإقليم بحرالغزال صيفاً إلى بحرالعرب لإصطياد الأسماك وللتزود بالسلع الإستهلاكية في الأسواق الموسمية التي يقيمها الرزيقات على ضفاف بحر العرب والتي من أشهرها سوق سماحة(سفاهة) وسوق دحيل الدابي والنكاتة والسكارة على سبيل المثال.وفي هذه الأثناء يحدث تنافس ومخاشنات بين صائدو الأسماك من الدينكا والرزيقات للفوز بأماكن ثقل تواجد الأسماك  أو قد يحدث سوء تفاهم بين أفراد الدينكا والرزيقات يؤدي لمواجهات ومصادمات.وجراء ذلك تعمل قيادات القبيلتين على تكوين لجان ومحكمة شعبية مشتركة بسفاهة للحد من المصادمات وجبر ضرر الضحايا بالديات والتعويضات والغرامات النقدية.

ومن ناحية أخرى تتعرض منطقة بحرالعرب لضغط المرعى الشديد والمحل في شهري يناير و فبراير.وعليه، تتحرك  جراء ذلك بوادي الرزيقات في شهر مارس من بحرالعرب جنوبا صوب بطاح بحرالغزال وديار الدينكا التي يمكثون فيها حتى شهر يونيو.وكثيرا ما يتسبب ذلك في تنافس حول المراعي بين رعاة القبيلتين مما يقود للحرب بين أفرادهما.ولكن يعمل سلاطين الدينكا وأعيان الرزيقات على حل الإشكالات عبر عقد مؤتمرات الصلح ودفع الديات.ومع مرور الوقت وضعت القبيلتان جداول زمنية للتخفيف من المنازعات.حيث أتفق على أن يخطر عمد الرزيقات سلاطين الدينكا قبل (20) يوماً من تحرك البوادي لبطاح بحرالغزال لتمكينهم من وضع الترتيبات اللازمة حتى لا تحدث إحتكاكات عند وصول البوادي.وعندما كثر الصدام بين رعاة الرزيقات والدينكا الذين يسكنون إلى الشرق من مدينة نيامليل ،إتفقت قيادات القبيلتين على عدم ذهاب بوادي الرزيقات شرقاً من نيامليل بل تتجه غربا. وكما تم الإتفاق على أن يحضر صائدو الأسماك من الدينكا إلى بحر العرب بعد(15) يوما من وصول بوادي  الرزيقات إليه.وتم تحديد أماكن معينة سواء لأفراد الدينكا أو للرزيقات ليمارسوا فيها الصيد  على إمتداد بحرالعرب تقليلا للصدام.وقد سرت هذه الأعراف والتقاليد لعشرات السنين.حيث تم التراخي في تطبيقها ما عدا الدية  وذلك جراء وقوع المنطقة تحت ظل التمرد.

ويعتقد الكاتب جازماً في أهمية إحياء هذه الأعراف والتقاليد وتطويرها لترسيخ السلام الإجتماعي ليس بين الرزيقات والدينكا فحسيب بل على إمتداد مناطق التماس بعد الإنفصال.

 2- تطوير مواثيق السلام الشعبية

كما تم سرد إيجابيات مواثيق السلام الشعبي سابقا في هذه الورقة ، يمكن القول أن مواثيق  ما نيل للسلام الشعبي على الرغم من عقدها بواسطة أفراد عاديين من الرزيقات وبعض سلاطين الدينكا والقائمين على أمر الجيش الشعبي بقطاع غرب السكة حديد(أكوت دينق دينق وآخرين) إلا أنها قد حققت قدر من السلام الإجتماعي بين الدينكا والرزيقات.حيث ضمنت للحركة الشعبية سيطرتها على البوادي ببحرالغزال.وفوق ذلك شجعت بعض أفراد الرزيقات على تجارة السلع الإستهلاكية  في أسواق مانيل،واروار، ونيامليل وغيرها مما عاد بالمنفعة على الدينكا والرزيقات.وعليه،فإن تطوير مقررات مواثيق السلام الشعبية هذه يساعد على تعضيد السلام الإجتماعي في المنطقة حول وفي وجنوب بحرالعرب وولايات شمال وغرب بحرالغزال.

3- مراعاة علاقات حسن الجوار

إذا أنفصل جنوب السودان،فإن الحدود بين جنوب السودان وشماله تجعل ديار الدينكا والرزيقات وبقية قبائل التماس في حالة جوار بين سكان دولتين مختلفتين.ولكن ما ينبغي تأكيده أن هذه الحدود سوف لا ولن تكون خصما على علاقات الجوار والدم التي تكونت بين هذه القبائل.وفي هذا الجانب ينبغي على الحركة الشعبية والحكومة السودانية تشجيع سلاطين الدينكا والإدارة الأهلية للرزيقات على مراعاة حسن الجوار والتعايش السلمي.مع الحرص على أن تستمر العلاقات الطيبة ليس فقط بين الرزيقات والدينكا بل بينهم وقبائل التماس الأخرى بغض النظر عن وجود الحدود الدولية بين الدولة الوليدة والقديمة لأن الجنوب لن يكون جنوب البرازيل بل جنوب السودان.

4-إستمرارالحوارات واللقاءات والمؤتمرات الشعبية

من المعلوم أن سلطات الحكم الثنائي حاولت تقنين مبدأ عقد الحوارات واللقاءات الشعبية المباشرة بين قبائل التماس ولا سيما الدينكا والمسيرية والرزيقات لحل الخلافات التي تطرأ من وقت لآخر.ويعد عقد مؤتمرات سفاهة خير شاهد على ذلك.وقد سارت على هذا النهج الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان.وقد فطنت الحركة الشعبية لذلك بعقدها للقاءات مماثلة مع بوادي الرزيقات وسلاطين الدينكا دفعاً للسلام الإجتماعي بمناطق التماس.وفي العام2004م عقدت بعض المنظمات بتمويل من بعض الدول الغربية مؤتمر بأثيوبيا  تم فيه الحوار بين أعيان الدينكا والرزيقات لتهيئة المسرح لتنفيذ مقررات إتفاق الإيقاد للسلام بين الحركة الشعبية والحكومة ولإحياء العلاقات الأزلية ولفض النزاعات القائمة بين الجانبين(عليو،2007).وعليه،يمكن القول بأهمية إستمرار هذه الحوارات واللقاءات الشعبية في مرحلة ما بعد الإنفصال.وينبغي توسيعها بحيث تشمل المثقفين من أبناء القبيلتين وقبائل التماس الأخرى تعميما للفائدة وتعميم مخرجاتها القابلة للتطبيق على إمتداد مناطق التجاور بين الجنوب والشمال.

5- توفير الحماية للمواطنين وأفراد البوادي وتقنين حمل السلاح

وقوع مناطق التماس تحت إسقاطات الحرب الأهلية خلف المرارات وسط المجتمع بمناطق التماس.وصحيح أن تحقيق السلام يجب ما قبله ولكن نزع هذه المرارات يحتاج لوعي ولفترة زمنية طويلة.وحتى لا يلجأ مجتمع قبائل التماس بعد الإنفصال لفش الغبائن وتصفية حسابات الماضي،فلابد من توفير الحركة الشعبية الحماية الكافية للبوادي والأفراد الذين يرتادون جنوب السودان وبالمثل كذلك هذا واجب حكومة الشمال.ولترسيخ السلام الإجتماعي وتمتينه لابد من تقنين حمل السلاح سواء لأفراد البوادي لحماية قطعانهم من اللصوص أو للمواطنين بمناطق التماس.

نظرة  سكان مناطق التماس الشمالية لمستقبل السلام الإجتماعي بمناطق التماس في حالة حدوث  الإنفصال:

في العام 1997م رفع  نواب مناطق التماس الشمالية بالمجلس الوطني وبعض المثقفين من أبناء قبائل التماس الشمالية مذكرة (عرفت بمذكرة  نواب التماس)[57]إلى رئاسة المجلس الوطني  وذلك إعتراضاً على تضمين إتفاقية الخرطوم للسلام مبدأ حق تقرير المصير الذي يتيح للجنوبيين فصل جنوب السودان عن شماله  بدون وجود ضمانات كافية تحفظ  لسكان مناطق التماس الشمالية ،الذين تتجاور ديارهم وتتداخل مصالحهم مع جنوب السودان، حقوقهم  المكتسبة تاريخياً والتي تتمثل في حرية الحركة والإستفادة من المياه و المراعي على إمتداد  مناطق التماس الجنوبية[58].

وعند إعادة قراءة حيثيات الإعتراض المذكورة في الفقرة السابقة في إطار تداعيات وصول قطار تنفيذ مقررات إتفاقية نيفاشا للسلام/2005م إلى محطة الإستفتاء في9/يناير/2011م لربما قد  يساعد ذلك على إستشراف مستقبل السلام الإجتماعي  بمناطق التماس في حالة حدوث الإنفصال. ولبلوغ هذا المبتغى،فقد إستطلع الكاتب  آراء عينة مكونة  (60) فرداً من سكان مناطق التماس الشمالية (أعيان قبائل،  عمد ،مثقفين،نواب، مزارعين،بدو ، تجار بضائع  في أسواق السلام ببحرالغزال) وذلك للوقوف على الآتي:-

أولا:معرفةالدوافع  الحقيقة وراء توجس سكان مناطق التماس الشمالية  من  إنفصال جنوب السودان

ثانيا: تلمس رؤى  أفراد قبائل التماس  حول مستقبل السلام الإجتماعي بمناطق التماس.

حيث تم توجيه الأسئلة الآتية للمستطلعين:-

1- هل يتضرر سكان مناطق التماس من تنفيذ إتفاقية السلام المبرمة بين الحكومة السودانية  والحركة الشعبية لتحرير السودان ؟.

2-إذا أنفصل  جنوب السودان بفعل إستفتاء الجنوبيين وممارستهم لمبدأحق تقرير المصير ما أثر ذلك على مستقبل الوضع بمناطق التماس؟.

3-ما مصير العلاقة بين سكان مناطق التماس الشمالية(البقارة) وسكان مناطق التماس الجنوبية في حالة الإنفصال؟.

و بتحليل الباحث لإجابات وإتجاهات آراء المستطلعين،فقد أتضح أن 50% من المستطلعين(30 فرداً) يجزمون بعدم  تضرر سكان مناطق التماس الشمالية إذا  ما إنفصل جنوب السودان. حيث يستدلون على ذلك بوجود أعراف قبلية وعلاقات دم ونسب ومصالح إقتصادية مشتركة بين سكان مناطق  التماس الجنوبية وسكان مناطق الشمالية تدفعهم نحو مراعاة متطلبات حسن الجوار  التعايش السلمي.ويعتقدون في إمكانية تواصل الرحلة الصيفية لبوادي قبائل التماس الشمالية(قبائل البقارة) نحو جنوب السودان بدون أي عقبات تذكر.ويستدلون على ذلك  بتجربة تواصل التماذج الإثني والثقافي وتبادل المصالح الإقتصادية بين  أفراد قبائل البقارة والدينكا والفراتيت وباقي القبائل النيلية(الشلك والنوير) طيلة الثلاثة عقود الأخيرة بالرغم من حدة تداعيات الصدامات المسلحة بين قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان/SPLAوفرسان البقارة"المراحيل".وترى هذه الفئة في أبرام مواثيق السلام الشعبي  بين أفراد الرزيقات والحركة الشعبية قطاع بحرالغزال مؤشراً  آخرعلى إمكانية إحترام الجيش الشعبي لتحرير السودان وأفراد قبائل التماس للأعراف والتقاليد السلمية إذا ما أنفصل الجنوب.وتعد هذه الفئة من المستطلعين  ثبات مواثيق السلام الشعبية أمام خروقات  الملائش المسلحة وتداعيات الصراعات  القبلية  في زمن الحرب لتجربة كافية تدفع قبائل التماس الشمالية و قبائل التماس الجنوبية نحو إنجاز تحالفات  وإتفاقيات ومعاهدات سلام إجتماعي بمناطق التماس في حالة تأكيد  حدوث الإنفصال.

ويرى حوالي 30% من المستطلعين(18 فرداً) بأنه حتى وإن حدثت إحتكاكات بين قبائل مناطق التماس الشمالية(البقارة) وقبائل التماس الجنوبية (الدينكا،الشلك،النوير) ،عند إنفصال جنوب السودان ، فإن زعماء قبائل التماس وحكومتي شمال و جنوب السودان  قادرون  على تجاوزها عبر التقاليد والأعراف. حيث ترى هذه الفئة بأن مصلحة الدولتين الوليدتين تكمن في حصولهما على حصيلة نقدية من الصادر الزراعي و الحيواني والضرائب والجمارك والرسوم المفروضة على ماشية ومحاصيل قبائل التماس.حيث يعز على السلطات في الجنوب والشمال رؤية هذه الحصيلة تتبخر أمام أعينها بفعل إستمرار صراعات قبائل التماس.

ويفيد المثقفون المنضوون في هذه المجموعة بإمكانية تجاوز منازعات رعاة مناطق التماس عند حدوث الإنفصال بالطريقة والكيفية التي  تتجاوز من خلالها حكومة السودان و دولة أفريقيا الوسطى وغيرهما من دول الجوار الصدامات القبلية التي  تحدث بين  الرعاة السودانيين وسكان  هذه الدول.ويتخذون من تجربة تنقل الرعاة الماشية من قبائل التعايشة والسلامات بين السودان وأفريقيا الوسطى وتجوال الفلاتة "أم بررو"  بين العديد من دول القارة الأفريقية مثالاً لحل  المشاكل المتنوعة بمناطق التماس في حالة الإنفصال.وذلك بحسبان أن هذه تجارب ترسي سابقة عملية لا يمكن لأي دولة أفريقية -بما في ذلك الدولة الجنوبية إن تكونت- أن تتجاوزها بسهولة.

وترى الفئة الثانية أن حل ما يستجد من مشاكل بين رعاة قبائل التماس  الشمالية ونظرائهم في دولة الجنوب المتوقعة   يكمن في عقد حكومتي دولتي الشمال والجنوب لمؤتمرات لتسوية حقوق الرعاة العابرين للدول بالإهتداء بتحرية آلية منظمة الإيقاد  لفض منازعاة الرعاة،فضلاً عن السعي لإتخاذ الإجراءات اللازمة التي تمكن من منح رعاة  التماس الجنسية المذدوجة وشارة دولية صادرة من الأمم المتحدة تتيح لهم التنقل بين دول الجوار  لينالوا حقوقاً متساوية مع رعايا الدول التي يضطرهم الترحال للوصول إليها. و تضيف  هذه الفئة بأن إعتراض نواب التماس الشماليين على تداعيات الإنفصال يعتبر سليماً  من حيث المبدأ ومتماشياً مع المنطق بحسبان أن سكان مناطق الشمالية هم أول من يدفع فاتورة أي توترات قد تنشأ - في حالة الإنفصال - مستقبلاً بين دولتي الشمال والجنوب.ونسبةً لأن هنالك ضبابية  تكتنف مصير وحدة  الأراضي السودانية.

وأما باقي الـ 20% من المستطلعين(12 فرداً من المثقفين) ، فينظرون إلى توجس سكان مناطق التماس الشمالية من تداعيات إنفصال جنوب السودان على السلام الإجتماعي بمناطق التماس من عدة زاويا.فمن ناحية يرون  أن الإنفصال مهدد رئيسي للتعايش السلمي بمناطق التماس ما دام  ليس بإمكان أحد ،أياً كان موقعه في السودان ،الجزم بعدم إنفصال جنوب السودان عن شماله.ويجزم  هؤلاء المستطلعون من جانب آخر  بإمكانية منع الدولة الجنوبية-إذا حدث الإنفصال-  لقبائل البقارة من التنقل بين دولتي جنوب السودان وشماله بحسبان أن إستفتاءٍ الجنوبيين غير مضمون العواقب وغير مأمون السلبيان على مناطق التماس وإن كانت  إحتمالات إنفصال  جنوب السودان لا يتعدى الـ 1%.وفوق ذلك يعزز هؤلاء المستطلعون  نظرتهم لتداعيات الإنفصال بإعتقادهم  الجازم بأن حدوث هكذا إنفصال  بدون ترتيبات كافية  من غير المستبعد  معه قيام الدولة الجنوبية الوليدة  بحرمان بوادي قبائل التماس الشمالية من التواجد صيفاً في بطاح جنوب السودان. حيث ترى هذه المجموعة بناءاً على ما تقدم  بأن توجسات سكان مناطق التماس الشمالية على منح الجنوبيين خيار الإنفصال تعتبر منطقية  مادام إتفاقية نيفاشا للسلام لم تشتمل على مقررات وخطة  موضوعية تراعي وضعية ومستقبل التعايش السلمي بمناطق التماس في حالة حدوث الإنفصال.

والجدير بالذكر أن صدق حدس وبعد نظر نواب مناطق  التماس الشمالية بالمجلس الوطني عند إعتراضهم على تضمين مبدأ تقرير المصير للجنوب بإتفاقية الخرطوم للسلام في العام 1997م من دون ضمانات لإستمرار منافع ومصالح سكان مناطق التماس الشمالية بجنوب السودان قد تم تأكيده من خلال إغفال الإتفاقيات المبرمة بين بعض الأحزاب الشمالية والحكومة السودانية من جهة والفصائل الجنوبية والحركة الشعبية لتحرير السودان لضمان حقوق قبائل التماس الشمالية بعد الإنفصال.حيث ساوت هذه الإتفاقيات بين خياري الإنفصال والوحدة بدون أي ضمانات كافية لحفظ  الأمن والسلام بمناطق التماس.

وقد تستبين خطورة عدم معالجات لوضعية السلام الإجتماعي بمناطق التماس بعد الإنفصال والدور الذي ينبغي أن تلعبه قبائل التماس في ذلك  إذا ما تم الأخذ في الحسبان بأن  تطبيق مبدأ  حق تقرير المصير في بعض دول العالم –كسابقة- قد قاد لإنفصال معظم الأقاليم التي أستفتي سكانها عن الدولة الأم .وفوق ذلك فقد تلاحظ بأن هكذا  إنفصال غالباً ما  نجم تبعه نشوب حرب بين الدولة الوليدة والدولة الأم.

ولربما قد تتضح الصورة  أكثر  فأكثر  إذا تم الأخذ  في الحسبان بأن بعض التنظيمات السياسية الشمالية ومعظم القوى الجنوبية قد بدأت تطلق آراء وترسم تصورات لا يتماشى فحواها مع مطالب الحركة الشعبية بالإنفصال وتبعية  بعض مناطق  التماس الشمالية إلى حدود جنوب السودان[59]فحسب، بل يتطابق مضمونها مع وروح توصيات مؤتمرات "كاودة" و"ديم منصور" و"أقوك" الداعية إلى ضم بعض مناطق التماس الشمالية إلى جنوب السودان[60].وفوق  هذا وذاك ، فلربما قد يتم تفهم  تخوف أفراد قبائل التماس الشمالية من تداعيات إنفصال جنوب السودان على السلام الإجتماعي بمناطق التماس  إذا تم الأخذ في الحسبان بأن الإدارة الأمريكية و متنفذو الحركة الشعبية وبعض أحزاب جنوب السودان ما فتأوا ينادون بإتخاذ الحكومة السودانية لقرار سياسي أو إداري بتتبيع  بعض مناطق التماس الشمالية لإقليم بحرالغزال في ظل وجود نفوذ عسكري و إداري وسياسي للحركة الشعبية لتحرير السودان في هذه المناطق[61].

وقد تبدو هواجس قبائل التماس موضوعية إذا تم الأخذ في الحسبان أن إنفصال الجنوب عن الشمال بدون تأمين مصالح سكان قبائل التماس الشمالية (البقارة)بجنوب السودان سيكون له أثره السالب على السلام الإجتماعي بمناطق التماس.وهذه الجزئيات قد تتضح مراميها إذا تم العلم بأن حدوث الإنفصال سوف يؤدي إلى  توزيع سكان مناطق التماس بين دولتي الجنوب والشمال.وعندئذٍ سيكون هؤلاء السكان تحت نفوذ دولتين لربما  قد تتسم علاقتهما بقدر ٍ تضارب المصالح مما يقود إلى المنازعات والإضطرابات .وقد ينعكس ذلك في هيئة صراعات وعدم إستقرار في مناطق التماس يدفع تكلفتها سكان مناطق التماس نقصاً في أنفسهم وأموالهم.

وإذا لم تعر السلطات –في دولتي الجنوب والشمال- تنظيم المراعي وتوطين الرحل إهتماماً.فلربما قد تحد  الدولة الجنوبية الوليدة  في الحد من رحلة بوادي قبائل التماس الشمالية الصيفية إلى جنوب السودان.وبما أن الماشية  في مجتمع قبائل التماس تشكل مركز حياة الفرد الإجتماعية[62]، فإن الأمر يصبح لأفراد بوادي قبائل التماس الشمالية مسألة حياة أو موت.وبالتالي فمن غير المستبعد أن تعبر هذه البوادي الحدود الفاصلة بين جنوب وشمال السودان،بحثاً عن الماء والكلأ ،حتى بدون موافقة دولة الجنوب.وإذا  ما كان ذلك كذلك، فمن غير المستبد أن لا يسمح جيشSPLAللبوداي بالتواجد بالجنوب ، مالم  تحصل هذه البوادي على تصاريح أو تأشيرات تسمح بالدخول.وحالما كان ذلك كذلك ،فقد يقع صدام  عنيف بين فرسان  البقارة وجيش دولة جنوب  السودان.وهذا أمر من باب المؤكد عند حدوثه هنالك إمكانية لتحول منازعات مناطق التماس من كونها منازعات قبلية تحدث جراء تنافس الرعاة على  موارد بيئية متناقصة[63] لتصير منازعات ذات أبعاد وإسقاطات سياسية ودولية.وإذا ما كان ذلك كذلك،فإن إنفصال جنوب السودان-وإن تم دستورياً- سوف يؤدي في خاتمة المطاف إلى إهتزاز السلام الإجتماعي.ولربما قد تذداد حدة الصراعات القبلية بمناطق التماس بفعل لجوء سكان مناطق التماس الجنوبية لتصفية حسابات الماضي أو جراء طمع سلطات الدولة الجنوبية الوليدة  في  التشفي والتمتع بفتوحات ومغانم الإنفصال.

وبالعودة إلى مواقف المتنفذين  الحكوميين والحزبيين من مذكرة نواب مناطق التماس الشمالية المرفوعة للمجلس الوطني في العام 1997م،فيتضح بأن معظمهم لم يتعامل مع الحيثيات الواردة في هذه المذكرة بجدية. وذلك في تجاهل تام لما أثارته هذه المذكرة من تنبيه لخطورة ما قد  يطرأ على مناطق التماس من تداعيات تهدد السلام الإجتماعي جراء تعريض وحدة السودان للإنفصال الإختياري.وعليه،فإذا ما نظرنا لمواقف سكان مناطق التماس الشمالية ونوابهم بالمجالس النيابية وتخوفهم من  إنعكاسات ممارسة سكان جنوب السودان لمبدأ حق تقرير مصير على السلام الإجتماعي بين قبائل التماس، فقد تبدو متسمةً بقدر من الموضوعية خاصةً إذا ما أخذ نا في الإعتبار أن عواقب إنفصال الجنوب عن الشمال لربما قد تكون وخيمة.حيث أنه إذا ما قدر  لخيار الإنفصال بدون التحوط لتداعياته– سلبيةً كانت أم إيجابية- فمن المتوقع أن تنتقل بؤر الصراعات والحروبات إلى مناطق التماس الشمالية بدلاً عن جنوب السودان. وهذا ما يلقي على عاتق المهتمين بملف السلام السوداني،في الجنوب والشمال، مسئولية رسم سياسات موضوعية وإنتهاج  تدابير إدارية وسياسية إقتصادية وإجتماعية محسوبة النتائج  لتجذير السلام الإجتماعي بمناطق التماس في مرحلة قبل/ وبعد الإستفتاء .

و يتعين كذلك التوضيح بأنه توجد هواجس تنتاب سكان مناطق التماس الشمالية من إسقاطات إنفصال جنوب السودان على السلام الإجتماعي بمناطقهم مستقبلاً.وإن الكثير  من هذه الهواجس يبدو  موضوعياً إذا ما أخذنا في الحسبان" إستعداد بعض الدول لبذل مجهودات ،تنموية وسياسية،جبارة في الجنوب لإستمالة الجنوبيين من خلال الخدمات للقبول بالإنفصال"[64].وأن أغلبية الصفوة الجنوبية  صارت تسوق خيار الإنفصال بإعتباره الخيار المفضل والمرغوب فيه[65].وقد تتضح الصورة أكثر فأكثر إذا علمنا بأن بعض قيادات الحركة الشعبية  ظلت تؤكد بأن غالبية الجنوبيين مع خيار الإنفصال.بالإضافة إلى أن معظم التنظيمات السياسية وبعض الصفوة السودانية ظلت تتعامل  مع ملف الجنوب بطريقة تنطوي على قدرٍ من المزايدات السياسية التي  قد تصل أحياناً لدرجة المطالبة بفصل جنوب السودان عن شماله حتى بدون إستفتاء[66].ويجدر بالتدقيق أنه في ظل مقاصد الحراك الإجتماعي بمناطق التماس وإعتراض بعض سكان مناطق التماس على  مطالبة الحركة الشعبية بضم منطقة أبيي إلى إقليم بحرالغزال، يمكن الإستشراف بأن السلام الإجتماعي بين قبائل التماس سيظل مهدداً بالإنهيار خاصةً  إذا ما  تمت تسوية للمسائل الحدودية العالقة من خلال مقايضة السلام  بضم  بعض مناطق التماس الشمالية إلى جنوب السودان(أبيي وحفرة النحاس ومناطق جنوب بحرالعرب مثلاً).حيث من غير المستبعد أن  يعارض ذلك سكان مناطق التماس الشمالية.وبناءاً عليه، فإذا ما قامت الحكومة السودانية أو الحركة الشعبية لتحرير السودان بإستبدال أو تجاوز الأعراف والتقاليد والموروثات والآليات المحلية لإدارة الصراعات القبلية حول تبعية الأرض[67]-في ظل التغييرات العامة في أنماط الحياة بالسودان عموماً وفي بؤتر التوتر والصراعات بما في مناطق التماس تحديداً- فإن ذلك سوف يقود إلي حدة الصراعات بمناطق التماس.وسيصحب ذلك تفشي وتيرة العنف التدميري[68]إذا ما تجاوزت القوى السياسية السودانية،بشقيها الشمالي والجنوبي،مبادرات الفاعلين من أعضاء مجتمع التماس والهوامش ،بما في ذلك مبادرات منظمات المجتمع المدني ورجالات الإدارة الأهلية. أو في حالة قيام القائمون على الأمر في مختلف مستويات سلطات الحكومة الشمالية  والحركة الشعبية بإزدراء الأعراف والتقاليد والآليات الشعبية لإدارة وتنظيم الصراعات القبلية.

وحالما كان ذلك كذلك، فلربما قدتتعاظم  ردود فعل قبائل التماس الشمالية "البقارة " تجاه القيود والإجراءات الجديدة التي تفرضها الدولة الجنوبية الوليدة. وعندئذٍ فمن المتوقع أن تحدث مناوشات قبلية قد لا تقتصر آثارها على جانبي الحدود الفاصلة بين مناطق التماس الشمالية ومناطق التماس الجنوبية.وما يجدر ذكره لربما قد تصل إسقاطات هذه المناوشات إلى بقية أجزاء شمال السودان[69].وهذه الجزئية تستمد وجودها من حقائق تاريخية ملموسة يجسدها حدوث مناوشات وحروبات بسبب التنافس على المراعي والمياه بين أفراد قبيلة الدينكا من جهة وأفراد قبائل البقارة والنوير من جهة أخرى.

وإذا ما أخذنا في الحسبان أن إنفصال جنوب السودان،وبالتالي تكوين الدولة الجنوبية،قد أصبح مسألة وقت ليس إلا ،وإذا ما قرأنا ذلك مع حقيقة جوهلاية وهي أن أهم واجبات أي جيش الدفاع عن رعايا دولته[70]، فإنه من غير المستبعد أن يتدخل جيش الدولة الجنوبية في حالة نشوب صراعات -لأي سبب من الأسباب- بين قبائل التماس الجنوبية (الدينكا) والبقارة حسماً لهذه الصراعات لصالح رعاياه الجنوبيين.وإذا ما كان ذلك كذلك ،فإن القوات المسلحة السودانية لشمال السودان ستتدخل هي الأخرى لصالح رعاياها من أفراد بوادي قبائل التماس الشمالية(البقارة).وعندئذٍ سيكون الوضع  بمناطق التماس أكثر خطورة على جميع الأطراف في جنوب وشمال السودان. وإن ما يجعل تحليل مستقبل الوضع بمناطق التماس ينحى المناحى السالفة  هو أن تطورات الصراع وتسارع الأحداث في السودان  قد برهن على أن مسببات الصراعات القبلية في السودان تكون ذات أبعاد سياسية وإسقاطات إجتماعية خطيرة.

ومادام ذلك كذلك ،فيمكن القول أن الصراعات بين قبائل التماس  قد لا تحدث تحدث بسبب تنافس الرعاة على موارد متناقصة[71]فحسب ،بل هي في الأساس صراعات قبلية ناجمة عن تأثر مناطق التماس السودانية،بشقيها الشمالي والجنوبي،  بتداعيات الحرب الأهلية بجنوب السودان[72].علماً أن  هذه الجزئيات  تتجلى  بوضوح في دفع المدنيين بمناطق التماس-جنوبيين وشماليين- ثمن هذه الصراعات حرقاً للبيوت ونقصاً في الأبقار والأنفس والثمرات.

وعليه، تجيء أهمية مواثيق وإتفاقات السلام الشعبية بمناطق التماس وغيرها من مجهودات الشعبية والفردية لتحسين سبل التعايش السلمي بين مكونات مجمع التماس الجنوبية والشمالية تعبيراً عن أشواق سكان التماس تجاه الرغبة في  إحلال السلام  بديلاً للحرب والإصطراع[73].ولجندلة وتجذير السلام بمناطق التماس ينبغي على الجيش القومي لشمال السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان التعاون  والتضامن مع قيادات الإدارة الأهلية بمناطق التماس وتأييد اتفاقيات السلام الشعبية التي يفرزها الحراك الإجتماعي والتعايش السلمي بين قبائل التماس الشمالية والجنوبية.وفوق هذا وذاك يتعين على حكومة ضمان تنفيذ الحميد من مقررات مواثيق السلام الشعبية  ومراعاة  متطلبات مقررات إتفاقيات السلام  الشعبية بمناطق التماس.وإن كانت شاكلة مقررات إتفاق مانيل للسلام بين أفراد قبيلي الدينكا والرزيقات ومؤتمر  أونليت للتصالح بين قبيلتي الدينكا والنوير/1999م[74].

  متطلبات ضرورية لجنزرة السلام بمناطق التماس عند  ترجيح الجنوبيون  لخيار الإنفصال:-

إذا قاد إستفتاء الجنوبيين وفقاً لممارسة مبدأ تقرير المصير إلى ترجيح خيار الإنفصال، فإن على الحكومة في شمال السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان مطلوب منهما،بإعجل ما تيسر، عمل الآتي:-

ا- التحديد القاطع للحدود السياسية والإدارية التي تفصل بين جنوب وشمال السودان.

2-التحديد القاطع لنظم ودوائر إختصاصات الإدارة الأهلية لقبائل التماس الشمالية والجنوبية.

3-إتخاذ التدابير والإجراءات الدبلوماسية اللازمة لتنظيم علاقة ومصالح سكان مناطق التماس الشمالية ولاسيما قبائل البقارة بجنوب السودان.

 4-بما أن قبائل التماس الشمالية قد تظل تترحل بين جنوب وشمال السودان على الأقل في المستقبل المنظور، وبما أن الترحال نمط  حياة  تفرضه الظروف الطبيعية و التقاليد الإجتماعية على قبائل التماس  ،ينبغي على حكومة السودان والحركة الشعبية –في حالة الإنفصال- إتخاذ التدابير والترتيبات اللازمة تأميناً لإستمرارية رحلة بوادي البقارة الصيفية إلى الجنوب بحيث  يكون ذلك جزء لا يتجزأ من مقررات إتفاقيات التسوية النهائية لمشكلة جنوب السودان.

5-تطوير مواثيق السلام الشعبي بمناطق التماس لإتفاقيات سلام دائم

6-على الحكومة السودانية والحركة الشعبية حل صراعات التماس بالإحتكام إلى مقررات مؤتمرات الصلح والتعايش السلمي

7-على الحكومة السودانية والحركة الشعبية الإستفادة من التدابير والإجراءات الدولية في تنظيم أطر وآليات تدعم معالجة الصراعات التي تنشأ مستقبلا بين قبائل التماس الشمالية وقبائل التماس الجنوبية.

8-عمل آليات مشتركة بين الجنوب والشمال وتكوين لجان دائمة لمعالجة إفرازات  صراعات قبائل التماس الشمالية و قبائل التماس الجنوبية.

9-تنظيم وتحديث نمط الرعي و حياة الرعاة  على إمتداد مناطق التماس .

10-إنشاء مشاريع ومزارع مختلطة على إمتداد السهول التي  تقع جنوب  بحرالعرب.وجعل هذه المشاريع  أماكن  للتمازج والتكامل والتبادل التجاري الذي يعود بالنفع على سكان مناطق التماس.

11-إنشاء المسالخ والمحاجر البيطرية بمناطق التماس.

12-إنشاء أسواق ومناطق حرة  ومصانع لتعليب اللحوم والخضر والفاكهة بمناطق التماس

13- أي معالجات أو تدابير ترى حكومة السودان والحركة الشعبية  بأنها مفيدة ومتوافقة مع مجتمع مناطق التماس.

*متطلبات إجرائية لجنزرة السلام بمناطق التماس:-

لتحقيق أعلى معدل من السلام وثقافته بمناطق  التماس،ينبغي أن تستند  السياسة التنموية والإعلامية التي تستهدف بها الدولة في الشمال والجنوب ومنظمات المجتمع المدني  مناطق التماس معايير وآليات واضحة المعالم تمكن من تشخيص  وتقويم وتقييم حاجيات مجتمع التماس السياسية والإجتماعية والإقتصادية.بجانب تحديد مواضع الضعف والقوة وتحديد جيوب  المقاومة للسياسيات للسياسسات المستهدفة لمناطق التماس.

و ينبغي ،فضلاً عن ذلك، الوقوف على مميزات وخصائص أي مجموعة إثنية من مجموعات التماس بقية تصميم برامج تنموية وإجتماعية وإقتصادية تنقل هذه المجموعاة/المجموعات من إطار الفهم المحلي إلى مصاف الفهم القومي والإقليمي والعالمي.ولا يتأتى ذلك إلا برفع معلات التعليم والصحة وتغيير الأعراف والتقاليد في إتجاه تقبل وتفعيل السلام الإجتماعي.

وبلبوغ الغايات السالفة الذكر،فإن الأمر  يتطلب تغييرات جوهرية في  مستوى النظرة الإجتماعية السائدة بمناطق التماس تجاه الآخر الدخيل على المنطقة.وأن ذلك لا يتحقق إلا بإتخاذ التنظيمات المحلية –وسط مجتمع التماس- محوراً للتعبير ،بحيث يتم تكوين التنظيمات المحلية ديمقراطياً  ومن ثم تمول ويخضع قادتها  وقواعدها لبرامج تدريبية  ترفع من فهمهم بما يجعلهم يتجاوزون  مرارات الماضي ، ويرتقون لمتطلبات ثقافة السلام والتنمية التي تتميز بالتعايش السلمي وخاصةً مع الآخر.علماً أن هذا يتطلب من الدولة على وجه التعيين ومنظمات المجتمع المدني على وجه الدقة تقديم حوافز تشجيعية-عينية ومعنوية- ترغب أفراد التماس في تبني السلوك الإجتماعي القومي جنباً إلى جنب مع السلوك الجمعي.

وقد لا يأتي ماسلف بالفائدة المرجوة  بدون زيادة الإستثمار في رأس المال البشري(تعليم، صحة، توعية...الخ).بحيث يتم التفاعل بينها و متطلبات السلام وثقافته بمناطق التماس.و ينبغي في هذه الحالة تبني معايير إجرائية إجرائية قياسية تربط بين معدلات تغيير السلوك الإجتماعي في مناطق التماس تجاه تدعيم جنزرة السلام السلام .

ومع ذلك ينبغي تبني استراتيجيات-من قبل الدولة  في الجنوب والشمال والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية ذات الصلة- للإستثمار في رأس المال البشري بمناطق التماس.وشريطة أن يكون هذا الإستثمار قائماً على شبكة من العلاقات البينية التي تدفع بالمستوي الثقافي والإقتصادي والإجتماعي بمناطق التماس نحو الأعلى.ويتمظهر ذلك في زيادة الإستثمارات في البنية التحتية  جنباًً إلى جنب مع زيادة معدلات التنمية المتوازنة.

وينبغي أن ترتكز برامج السلام المستهدف بها  مناطق التماس على الموجهات العامة للدولة.بحيث تطور من تجذير ثقافة السلام والفهم المستهدف لتطوير العتامل مع الآخر.وذلك يتطلب تطوير الحميد من عادات وتقاليد التماس وقولبته بحيث ينتج عنه مفاهيم جديدة تحافظ على الأسس والطابع العام للتقاليد المحلية الحميدة .ولا يتأتي  تنفيذ ما قد سلف  إلا بالتعرف على الجزئيات المحيطة بالتجربة التاريخية لمناطق التماس.وأن ذلك  كذلك يتطلب التعرف على حجم المشكلات القائمة دون تجاوز للواقع والوقائع الإجتماعية بمناطق التماس.بحيث يتم التخلص من العوائق بسلاسة تراعي البعد الإجتماعي .ومن الأفضل أن تتاح لمجتمع التماس الخيارات التي تجعله يبادر بمبادرات لتجاوز المعوقات.وفوق كل ذلك ينبغي أن تتاح لمجتمع التماس كل الخيارات والوسائل التي تمكنه من تبني التغيير من مفاهيم العنف إلى مقدرات ومفاهيم ومتطلبات السلام.بحيث يصل هذا المجتمع تلقائياً لهذه الدرجة.وحتى يتم ذلك، ينبغي  على الدولة في الجنوب والشمال ،بمساعدة المجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني القيام بالآتي:-

1-عقد مؤتمرات للصلح القبلي بين قبائل التماس،مع مراعاة إتاحة الفرصة لأكبر قدر من قواعد التماس للمشاركة في هذه المؤتمرات، شريطة أن توفر الحكومة والحركة تقديم كل الضمانات والتسهيلات المالية والتأمينية لعقد  هذه المؤتمرات بمناطق التماس.بجانب حرص الحكومة والحركة على  تكوين لجان  دائمة تتكون من ممثلين للقبائل ذات الصلة والحكومة والحركة ومنظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية والدولية وذلك لمتابعة تنفيذ مقررات وتوصيات مؤتمرات للصلح القبلي.

 2-على الدولة أن تحرص على  أن تشمل برامجها و سياساتها السكانية والإعلامية  تبني آليات وبرامج تمكن من تجذير ثقافة السلام وإزالة آثار وإفرازات الحرب بمناطق التماس.

3-حل المليشيات القبلية وجمع السلاح من أيدي سكان التماس بإنتهاج الطرق الودية وتقوية أجهزة الدولة والإدارات المحلية.

4-بما أن رأس المال البشري هو أساس نجاح أي نهضة، فينبغي على الدولة (حكومة وحركة) تبني برامج لزيادة الإستثمار في رأس المال البشري بمناطق التماس،  شريطة أن يشارك سكان التماس في إعداد وتنفيذ هذه الإستثمارات سواء  تعهدت بتنفيذها الدولة أوالحركة الشعبية أو المانحون مباشرةً أو عهد بتنفذها إلى وزارات المالية والصناديق ذات الصلة بإعادة التعمير والتنمية و إزالة الفوارق التنموية بين الجنوب والشمال.

5-تطوير التعليم بمناطق التماس وتوسيع فرصه ،مع مراعاة أن تحوي برامج تعليم الأساس فقرات تدعم السلام ونشر ثقافته.

6-أن يكون  الهدف الإستراتيجي لأية سياسة تستهدف مناطق التماس زيادة معدلات التنمية ورفع الوعي بأهمية السلام  وتغيير سلوكيات مجتمع التماس نحو التكامل والتعايش السلمي(السلام الإجتماعي).وذلك بتنمية المفاهيم الحميدة ونبذ ثقافة الحرب وكل ما يدعو للتفرق والشتات.مع مراعاة توفير الخدمات وتثقيف الفاد التربوي وتشغيله بعد إكسابه المهارات .بالإضافة إلى الحرص –من قبل الجهات ذات الصلة- بأن تتماشى التغييرات السياسات المستهدفة مع تطوير عادات وتقاليد مجتمع التماس،ثقافياً وتنموياً وإجتماعياً.بجانب تجذير آليات تساعد على التفاعل مع مرامي وغايات هذه السياسات على مستوى الفرقان والقرى والحلال والمدن والمجالس والمحليات بمناطق التماس.

الخاتمة

مما تقدم من حيثيات،يمكن أن نخلص إلى أن التداخل الثقافي والإثني بين قبائل التماس الشمالية والجنوبية قد أحدث نوع من التعايش الإجتماعي في هذه المناطق ولا سيما بين قبيلتي الدينكا والرزيقات ينبغي تطويره لتعزيز فرص السلام الإجتماعي في مرحلة مابعد الإنفصال.ويتعين التأكيد –بالإبتعاد عن تسييس القضايا- على أن صراعات قبائل التماس الشمالية (الرزيقات) قبائل التماس الجنوبية(الدينكا) سببها الأساسي  هو تنافس هذه القبائل على إقتسام موارد طبيعية محدودة(الماء والمراعي).

علماً أن المسببات الفعلية  للمنازعات القبلية  بمناطق التماس لا تخرج عن كونها مسببات شأنها شأن مسببات الصراعات القبلية التي ظلت تشهدها قارة أفريقيا.حيث ظلت العديد من الجهات تسعى لتكوين آليات رسمية وشعبية لمعالجة تداعيات الصراعات القبليةالتي ظلت تشهدها القارة الأفريقية[75].

ولكن يمكننا القول أن تدخل الحكومات المركزية والحركة الشعبية لتحرالسودان قد ساعد على  تأجيج هذه الصراعات ولكن لم يفلح في الحد من تطور إتجاهات الحراك والسلام الإجتماعي وسط مجتمع التماس.وبما أن أي تغيير اجتماعي سلمي  يحتاج إلى فاعلين إجتماعيين وفعل إجتماعي فعال[76].وبما أن تحقيق  السلام في السودان عملية متدرجة تحيط  بها مصاعب شتى وشكوك وأن تداعيات أي حرب لا تتلاشى آثارها بين عشية وضحاها بل يحتاج ذلك إلى التعرف على  العقبات والمصاعب وتقديم مختلف الحلول ووجهات النظر[77]،فإنه يأتي دور الحكومات المركزية بشمال السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في مرحلة مابعد الإنفصال لجعل مناطق التماس مناطق تكامل إجتماعي وإقتصادي بين قبائل التماس غير متأثرة بترتيبات الإنفصال الدولية  في مجال تقييد حركة الأفراد .فضلا عن سعيهما نحو تشجيع قبائل التماس لنبذ العنف والإستمرار في عقد لقاءات مباشرة و مؤتمرات صلح بين هذه القبائل تجاوزاً لمرارات الماضي وإقراراً لإعمال الآليات  الشعبية في جنزرة السلام والتعايش السلمي بمناطق التماس.

والله المستعان

المراجع والمصادر:

[1] – لتحديد موقع المناطق المذكورة : أنظر خرائط  آبار البترول بالسودان، وزارة الطاقة والتعدين-السودان

[2]- محمد هرون كافي، ماذا بعد إتفاقية جبال النوبة، المجلد"12"، منشورات مركز دراسات الشرق الأوط وأفريقيا.

[3]- د.عوض السيد الكرسني،دراسات في تجربة السودان الفدرالية،ص100.

[4]- محجوب محمد صالح مقال بعنوان: ظاهرة الإختطاف ومشروع السلام ، عمود أضواء وأصداء، صحيفة الأيام العدد(7529) بتاريخ24/11/2002

[5]- راحع:تصريحات الأستاذ علي عثمان محمد طه  نائب رئيس الجمهورية  في مؤتمرات التعايس السلمي بين ولايات التمازج. وكذلك راجع لقاءات  كمال حسن بخيت مع د.منصور خالد ،صيفة الرأي العام السودانية .ولقءات صحفية مع ياسر سعيد عرمان تم نشرها في صحيفة سوانال\2010م.

[6]-راجع بحث أعده تكنة حول أثثر الإنفصال على حزام السافنا ،مايو2010 بموقعwww.sudanone.net

[7]- أشار عبدالعزيز الحلو وإدوارد لينو،عند مخاطبتهم لجماهير الأنصار بدار حزب الأمة بالخرطوم/ديسمبر/2003م إلى تسمية مناطق التماس بمناطق التماذج الثقافي الحضاري.

[8]-محمد إبراهيم عبد الحفيظ(مدير مديرية سابق عمل بمناطق التماس)، مقال:مفاوضات كارن الثالثة، العدد(1988) من صحيفة الرأي العام السودانية،بتاريخ 28/2/2002م،ص7.

[9]- محجوب محمد صالح، مقال بعنوان:ظاهرة الإختطاف ومشروع السلام،عمود أصوات وأصداء، صحيفة الأيام العدد(7529) بتاريخ24/11/2002

[10]- هذه الإفادات هي مقتطفات من تحقيق ميداني أجراه  الصحفي/ صديق عبالله بعنوان: ألوان تتجول في مناطق التماس، جريدة ألوان العدد(2705)  والعدد(2706) ،ص3.

[11]- هذه الإفادات هي مقتطفات من تحقيق ميداني أجراه  الصحفي/ صديق عبالله بعنوان: ألوان تتجول في مناطق التماس، جريدة ألوان العدد(2705)  والعدد(2706) ،ص3.

[12]- راجع:لقاء مهدي العذين مع السلطان ضل دينق ضل ، قناة الشروق،ديسمبر2010م.

[13]-خطابالسيد/رئيس الجمهورية المشير عمر حسن احمد البشير عند مخاطبته للجلسة الختامية لمجلس شورى المؤتمر الوطني ،الخرطوم/ديسمبر2010م.*لمزيد من التفاصيل راجع صحيفة الرائد العدد رقم(832)،بتاريخ 4/12/2010م.

[14]- راجع خريطة السودان السياسية،  أطلس السودان، وأطلس العالم.

[15]- هذه التسمية وردت على لسان السيد/علي عثمان محمد طه(النائب الأول لرئيس جمهورية السودان) في إفاداته لأجهزة الإعلام شرحاً  لمضامين  ومقررات بروتكولات السلام الخاصة بالمناطق الثلاث.

[16]- هذه التسمية منسوبة للدكتور عبدالوهاب الأفندي حسب إفادات د.عبدالله علي إبراهيم في عموده "ومع ذلك".

[17]- راجع كتاب رسائل تاريخية بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق.

[18]-  في حديث وفد الحركة الشعبية للحضور بدار حزب الأمة أطلق  السيد/ إدوارد لينو (مسئول إستخبارات الحركة الشعبية) والسيد/ عبدالعزيز الحلو (مسئول جبال النوبة) على مناطق التماس  مناطق التماذج الثقافي الحضاري.لمزيد من المعلومات راجع العدد(3787)، من جريدة الصحافة ص3.

[19]- في التقرير الذي قدمه دكتور نافع على نافع  حول أداء ديوان الحكم الإتحادي وردت كلمة التماذج القبلي كدلالة على مناطق التماس، لمزيد من التفاصيل راجع:مضابط المجلس الوطني السوداني ليوم 17/6/2003م .راجع: وصحيفة الرأي العام ،العدد(2097)،بتاريخ18/6/2003م..راجع: كلمة التماذج القبلي التي وردت  في  تصريحات ألدو أجو دينق بنيروبي دلالة على مناطق التماس،حيث أفاد بأن تحركه في نيروبي –أثناء مفاوضات نيفاشا-  يهدف الترتيب لعقد مؤتمر لمناطق التماذج بين عرب البقارة والقبائل الجنوبية،راجع جريدة ألوان ،العدد(2618)، بتاريخ26/10/2003م ،ص1.

[20] - راجع: خريطة ولايات السودان، منشورات ديوان الحكم الإتحادي بالسودان ، 1994م.راجع أطلس العالم،طبعة بيروت-لبنان،ص30-35.

*أفراد  هذه القبائل في الغالب يربون الجمال وبعضهم  يرعي الجمال والأيقار معاً.

[21]-محمد عيسى عليو،بحث لنيل درجة  الماجستير بعنوان:العلاقات بين الرزيقات ودينكا ملوال،جامعة أم درمان الاسلامية،2007م.

[22]- راجع: د.مصطفى احمد على، دراسة: التعليم العربي الاسلامي في جمهورية تشاد تاريخه وآفاقه ،، مجلة دراسات أفريقية العدد(16) ، 1997.

*د. حسن مكي ، مقال: مقاصد الهجرة في ظل التوجه الحضاري، مجلة دراسات أفريقيةالعدد(16) ، 1997،ص44.           

[23] - ورقة  الدكتور حسن مكي :كتاب الإسلام في أفريقيا، تحرير بروفسور مدثر عبد الرحيم و د. التجاني عبد القادر، دار الحكمة للنشر/1996م.

[24]- احمد عبدالله آدم ، العلاقات الأزلية بين الدينكا والمسيرية، مرجع سابق.*خاطر عبدالله ، أضواء على محافظة الضعين، مطبعة الحدربي1993م . 

* جابر محمد جابر، دراسة:حول قبيلة الحوازمة في جنوب كردفان، مجلة دراسات أفريقية العدد(16)،منشورات جامعة أفريقيا العالمية/1997م ، ص143. *راجع:على احمد حقار، البعد السياسي للصراع القبلي في دارفور/2003م.

[25]- اندرى ستيانسن ومايكل كيفان،غزو كردفان، ترجمة ركز الدراسات السودانية،2003م

[26]- غزو كردفان ،المرجع نفسه.

[27]- د.فرانسيس دينق، رجل يدعى دينق مجوك ، ومقال د. فرانسيس حول :الأرض لدى النيليين ، كتاب ملكية الأرض الزراعية في السودان ،مرجع سايق.

[28]- يرى المستر ريموند كيليبأن الدينكا وصلوا إلى ديارهم الحالية بعد معارك دارت بيتهم والنوير في القرنين السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين،التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان، مرجع سابق،ص75-ص7.

[29]-اندرى ستيانسن ومايكل كيفان،تحرير كتاب:غزو كردفان، ترجمة مركز الدراسات السودانية،ص113-ص126.،2003م

[29]-غزو كردفان، مرجع سابق.

[30]- اندرى ستيانسن ومايكل كيفان،غزو كردفان، ترجمة ركز الدراسات السودانية،2003م.

[31]- كانت قبائل لويل اللوا (الجور) والنجانقول هي التي تقطن في  بحر الغزال قبل مجيء  الدينكا للمنطقة لمزيد من المعلومات .راجع :مقال  فرانسيس دينق، الأرض عند النيليي كما ورد في ، كتاب ملكية الأرض الزراعية في السودان لمؤلفه هنرى رياض.

[32]-د.محجوب الباشا،التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان،منشورات مركز الدراسات الإستراتيجية(السودان)/1998م.

[33]- إخلاص مهدي، رسائل تاريخية بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق، مرجع سابق,ص41.

[34]- احمد عبدالله آدم، العلاقات الأزلية بين الدينكا والمسيرية، ص33- ص34، مرجع سابق.

[35]- المراح أوالهدبة يتكون من(50-100) رأس من البقر ، والجذع من الأبقار هو العجل الذي يبلغ من العمر (3)سنوات .

[36]- راجع كتاب الضعين أحداث وحقائق .، مرجع سابق*راجع لقاء أجرته  صحيفة ألوان معتصريحات العمدة قجة دودو(عمدة الرزيقات بمدينة راجا )ا، صحيفة ألوان العدد (2139) بتاريخ16/5/2002،ص7.*راجع تصريحات د. كوستيلو قرنق ( ممثل الحركة الشعبية بأوربا الغربية) في مؤتمرات ولقاءات مع الإذاعة والتلفزيون السوداني بخصوص ترتيبات عقد مؤتمر للصلح بين قبائل التماس وذلك بمعاونة من  منظمة الدعوة الإسلامية ، مكتبة وأشيف إذاعة أم درمان و تلفزيون السودان.

[37]- أفاد د.كوستيلو قرنق(مسئول التنمية بالحركة الشعبية) في لقاءات صحفية وتلفزيونة  بأنه قد أستفاد من تواجد عشيرته مع عشائر  السلطان رينج لوال بالضعين في ستينيات اقلقرن العشرين،حيث تعلم اللغة العربية وتعرف على ثقافة الشمال عن قرب وخاصةً وسط الرزيقات وعائلة مادبو.

[38]- احمد محمد حامد وآخرون، الضعين أحداث وحقائق، دار الثقافة للطباعة والنشر،1987م.

[39]- يعد الدينكاوي أبو عرقوب(كان يؤجر اللواري السفرية)  والشيخ/صباح الخير من أشهر هؤلاء الدينكا.

[40]-أحمد محمد حامد  وآخرون ،كتاب الضعين أحداث وحقائق،المرجع السابق

[41]- المرجع السابق.

[42]-العلاقة بين الرزيقات ودينكا ملوال،مرجع سابق

[43]المرجع السابق

[44]-تقرير دوغلاس هـ .جزنسون لحكومة جنوب السودان،الملحق(1.1)،27/8/2007م

[45]- العلاقة بين الرزيقات ودينكا ملوال، مرجع سابق.

[46]-ضيو مطوك،كتاب الرزيقات والدينكا

[47]- من أشهر هؤلاء القتلى إحيمر على  بليكو من منطقة الحفيرة أم دبان بمحلية بحرالعرب

[48]- عليو،مرجع سابق

[49]-الضعين أحداث وحقائق ، احمد محمد حامد وآخرون، ص23-ص24

[50]-مقتطف من إحدى رساائل د.جونق قرنق ، راجع كتاب رسائل تاريخية بينالسيد/ الصادق المهدي ود.جون قرنق ديمبيور

[51]-د.عشاري ود.بلدو،مجزرة الضعين:عودة الرق في السودان،1987م

[52]-من أشهر الرزيقات المشاركين في هذه اللجان المؤمن جمعة،دوكية كباشي وعلى الطالب الشهير بعلي ماتنقيل.

[53]-لمزيد من التفاصيل راجع  توصيات مؤتمري أويل وأبيي بموقع مجلس الوزراء على الأنترنت.

[54]- توجد منهم مجموعات في حامية الجيش الشعبي في منطقة  قوق مشار ببحرالغزال تحت قيادة العميد عبدالحميد أبوحجيل وآخرين.

[55]- راجع تصريحات د.لوكا بيونق في لقائه مع صحيفة الأهرام اليوم29/9/2010.

[56]-د.دوغلاس .هـ.جونسون, مرجع سابق

[57]- راجع :نصوص  إتفاقية الخرطوم للسلام ومضابط المجلس الوطني.

[58]- عقب توقيع إتفاقية الخرطوم للسلام  تقدم نواب مناطق التماس الشمالية وعلى رأسهم المهندس إيدام أبوبكر والخير الفهيم المكي ،  بمذكرة لرئيس المجلس الوطني السوداني تضمنت أوجه القصور ومسببات  إعتراض  سكان مناطق التماس على تضمين مبدأ  حق تقرير المصير بإتفاقية الخرطوم للسلام/1997م.حيث أوضحت هذه المذكرة مدى الضرر الذي سيترتب على بوادي وسكان التماس في حالةإنفصال الجنوب.

-[59]راجع : تصريحات الناطق الرسمي للحزب القومي السوداني بتبعية سكان جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق لجنوب السودان، صحيفة الصحافة،العدد رقم   (3353)،ص1

[60]- مؤتمر "أقوك" عقدته الحركة الشعبية بإقليم بحرالغزال في شهر يونيو/2003م وخرجت توصياته بتبعية أبيي لبحرالغزال.

[61]-راجع أطروحات الحركة الشعبية بشأن المناطق الثلاث عند ميثاق أسمرا/1995م ومفاوضات نيفاشا//2003م.

[62]- بوفسور عبد الغفار محمد أحمد ، المجتمع الريفي السوداني ، لسودان الوحدة في التنوع، مرجع سابق

[63]- يقصد الكاتب بالموارد البيئية المتناقصة الماء والكلأ. المتوفريت ببطاح ولاية بحر الغزال الكبرى صيفاً  ، والمنازعات المعنية تدور حول المراعيالتي تتقاسمها بوادي البقارة وقطعان الرعاة من أفراد دينكا بحر الغزال.

[64]- راجع :تصريحات د.قطبي المهدي في مؤتمره الصحفي بسفارة السودان في عمان ، صحيفة الوطن السودانية، العدد610) بتاريخ29/7/2002م،ص4.

[65]- يشير الكاتب لإحتفال الطلبة الجنوبيين بجامعة النيليين بمناسبة العيد التاسع عشر لتأسيس ا لحركة الشعبية لتحرير السودان  حيث تم رفع علم الدولة الجنوبية .

* الرسائل المتبادلة ما بين السيد/احمد المهدي والسيناتور دانفوث،مبعوث الأمريكي للسلام بالسودان، صحيفة الرأي العام العدد(1768)

[66]- راجع:كتابات الأستاذ/الطيب مصطفى الداعية لفصل جنوب السودان بالصحف السودانية(صحيفة الوفاق، الرأي العام).*راجع: محمد لطيف، سودان موحد أم إنفصال الآن!!( تفاصيل نتيجة الإستفتاء الذي أجراه  موقع النيلينالإلكتروني على الأنترنيت)، جريدة الرأي العام،العدد(2310)،بتاريخ21/1/2004م،ص1..

[67]-لمزيد من المعلومات حول الآليات الأهلية لإدارة النزاعات بمناطق التماس راجع:كتاب ذكريات  بابو نمر ،لمؤلفه د.فرانسيس دينق مجوك،  ترجمة مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية ، طبعة القاهرة/2001 م.

[68]-  لعنف المقصود عنف تدميري يقضي على جميع مصادر القوة. ولمزيد من المعلومات  حول كنه هذا النوع من العنف راجع:سالم إبراهيم بن عامر ، العنف والإرهاب، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر،ط2 1988م ، ص21.

[69]- فريق(م) محمد زين العابدين محمد، حدود جنوب السودان والمناطق المجاورة لها، صحيفة الرأي العام العدد(1802) بتاريخ21/أغسطس/2002م

[70]- عثمان إبراهيم الطويل، مقال بعنوان:الجنوب بين الوحدة والانفصال، صحيفة الرأي الآخر عدد يوم الثلاثاء    الموافق 29/مارس/1999م ،ص5

[71]- في حديثه عند حضوره لعقد ميثاق سلام بين قبيلتي الدينكا والمسيرية بتاريخ 31/يناير/2002م بمنطقة أبيي ،أرجع  زافيير مارشال (رئيس بعثة المفوضية الأوربية بالسودان) زيادة حدة الصراع في السنوات الماضية للتنافس بين المجموعات القبيلية بمناطق التماس على موارد متناقصة، صحيفة الرأي العام العددرقم(1617) ، عددالخمبس14/فبراير/2002م،ص1.

[72]-NOT ASLAVERYThe British-Sudanese Public AffairsCouncil,Slavery in The Sudan ,Where is A SLAVERY

[73]-الإشارة هنا لمجهودات د.كوستيلو قرنق(مسئول التعاون الدولي بالحركة الشعبية) وألدو أجو دينق، ومثقفو البقارة والدينكا والناشطين من سكان التماس بغية  بناء أطر السلام الإجتماعي من خلال التراث والأحلاف ومؤتمرات الصلح القبلي.

[74]-NOT ASLAVERYThe British-Sudanese Public AffairsCouncil,Slavery in The Sudan ,Where is A SLAVERY

[75]- نسبةً  لحدة تداعيات  الصراعاتالقبلية بالقارة الأفريقية وتشابه مسبباتها ،وضعت  منظمة الإيقاد  آلية لفض النزاعات القبلية، وهنا نشير لتجسد هذه الصراعات في الصراعات بين الرعاة في كل من كينينيا والسودان وأفرييا الوسطى ،فضلا عن صراعات الهوتو والتوتسي وصراعات القبائل النيجيرية كشواهد على الصراعات الأفريقية.

[76]- د.إبراهيم الأمين، مقال بعنوان:المبعدون،صحيفة الرأي العام،العدد(2120)،بتاريخ10/يوليو/2003م،ص11.

[77]- تصريحات ألن قولتي(المبعوث البريطاني للسلام بالسودان) في مؤتمر للأطباء السودانين ببريطانيا، راجع:د.خالد المبارك،مفكرة سودانية-بريطانية، صحيفة الرأي العام،العدد(2117)،بتاريخ:7/7/2003م،ص9..

Musa Eldoud [This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.]

المصدر: سودانايل

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr