Strict Standards: Declaration of JParameter::loadSetupFile() should be compatible with JRegistry::loadSetupFile() in /home/gashbark/public_html/libraries/joomla/html/parameter.php on line 512
ابيي ... من الذى قطع الخيط؟ - Gash Barka infomation Center

Please update your Flash Player to view content.

Hanan Maran

Women are half of society

ibrahim idris 20151204 origenal

dr abdulla juma

Idris Awate

 

the gash-barka camera

 

Editorial

ابيي ... من الذى قطع الخيط؟

*دراسة للمرحوم الدكتور اسامة عبدالرحمن النور

قد يقول قائل بعد توقيع الحركة الشعبية والحكومة في السادس والعشرين من مايو 2004 على البروتوكول المتعلق بمنطقة أبيي فلتطوي الصفحة إذ "قُضي الأمر الذى فيه تستفيان". ولكن ثمة أسباباً ذاتية وموضوعية تحملني على القول أن لا تطوى الصفحة قبل استعلان الحقائق المقموعة. أقول هذا لأن أُذني لم تتعرض لتلويث سمعي بقدر ذلك الذى تعرضت له مما كان يردد حول هذه القضية خلال مفاوضات نايفاشا. ولئن تجاوز المرء الغلواء التى شابت مواقف عامة الناس من طرفي النزاع فلربما يفعل ذلك لأن القضية بالنسبة لكليهما قضية وجود. الذى لا يغتفر هو اندفاع بعض المعلقين في أجهزة الإعلام، وبعض السياسيين لإصدار أحكام فاصلة حول القضية اعتماداً على المعرفة السماعية، أو البينات الحكائية (anecdotal evidence). لا تغتفر أيضاً ولا تجوز الانفعالات الجامحة التى صدرت ممن كان للناس فيهم رَجية، وبخاصة محص الأمور واستداد الأحكام. ولا عذر في الحالتين للخطئ، إذ ليس من بين كل القضايا التى دار حولها النقاش في نايفاشا قضية توفرت حولها الدراسات الأكاديمية، والبحوث العلمية، والوثائق الرسمية مثل قضية أبيي، وكلها في متناول اليد في مراكز التوثيق وعلى رأسها جامعة الخرطوم ودار الوثائق المركزية. لقد صورت الروايات المحكية القضية وكأنها واحدة من تاكتيكات الحركة لإعاقة السلام، أو أحبوله من أحابيلها لمد سلطانها للشمال، أو هي طماعية واشتهاء لبترول المنطقة الذى أخذ يتدفق. ولتأكيد تلك الدعاوى استنجد المعلقون ببروتوكول ماشاكوس الذي حسم في ظنهم قضية الجنوب وأقر حدوده فيما كانت عليه حدود المديريات الجنوبية في 1/1/1956، وتلك، في ظنهم أيضاً، لا تشمل أبيي. فما هي حقيقة أبيي؟

أبيي منطقة يختلف الطرفان في مساحتها، وتحدها شمالاً المناطق التى يسكنها المسيرية والنوبا، وجنوباً بحر العرب الذى يطلق عليه الدينكا اسم كيير. وتقع المنطقة، فيما يقول أهلها على بعد مائة ميل من مناطق استقرار المسيرية، وتفصل بين المنطقتين أرض جرداء. عدد السكان أيضاً فيه خلاف كبير، إذ يرفض الطرفان التقديرات التى بنيت على إحصاء 1955/1956 والذي حدد عدد السكان في ذلك التاريخ على الوجه التالي: 63.000 مسيرية حُمًر، 59.000 مسيرية رزق، 30.000 دينكا. ذلك الإحصاء بُني على عينات عشوائية وإن أخذناه معياراً فمن السهل تقدير عدد السكان الحالي على اعتبار أن معدل نمو السكان هو 2.8%. وعلى أي، لا يعني إحصاء السكان كثيراً اليوم بالنسبة للدينكا إذ أن الغالبية العظمى منهم تعيش بسبب الحرب خارج المنطقة (في الشمال والمناطق المجاورة في بحر الغزال كما في بقية الجنوب والملاجئ). وحسب تقديرات يونيسيف (حملات التطعيم ضد شلل الأطفال) لا يزيد الذين بقيوا منهم في المناطق التى تسيطر عليها الحركة عن الخمسين ألفاً. الإحصائيات ليست بذات بال بالنسبة لهذا البحث حيث أن الإحصاء القومي المرتقب والذي سيُجرى بعد عودة أغلب النازحين إلى مناطقهم قد يحسم الأمر.

بيد أن الأمر الذى أقلقني حقاً إبان التفاوض بشأن أبيي كان هو الجدل الساخن الذى التهب بين الطرفين حول آيالة المنطقة وملكيتها، وما كان أي منهما هَزَالاً في ذلك الجدل. يبعث على الاستهزاء في هذا النوع من المماحكة أن كلا الجماعتين (الدينكا والمسيرية) حديثو عهد نسبياً في المنطقة، فإلى حين حلول هاتين المجوعتين ـ أياً كان التاريخ الذى حلوا فيه ـ كان أهل المنطقة الأصليون هم النويا والداجو ومجموعة ثالثة تسمى الشات يقال أن لها نسباً بالنوبا في الجبال وبالجور في بحر الغزال. والداجو أنفسهم وافدون إلى المنطقة هربوا إليها من دارفور بعد أن أجلاهم عنها سلاطين الكيرا، من بعد أن كانوا أهل سلطان في دارفور حتى القرن الخامس عشر. وللإداري البريطاني الباحث ك. د. د هندرسون بحث مستفيض حول تاريخ المسيرية وقصة نزوحهم إلى المنطقة التى يقطنون فيها الآن (السودان مذكرات ومدونات، العدد 23، 1939)، كما للأنثروبولوجي المعروف بول هاول بحث آخر مستفيض عن الدينكا والمسيرية نشره في المصدر نفسه (العدد 32، 1951)، ولهاول خبرة مباشرة بالمنطقة إذ عمل فيها كمفتش مركز.

على أي، يتكون دينكا أبيي من سبع شياخات من قبيلة الدينكا (يطلق على مجموعها دينكا انقوك Ngok) نزحوا إلى المنطقة من الجزء الشمالي في بحر الزراف بعد أن أجلاهم عنها النوير في صراعاتهم العديدة مع الدينكا حول الماشية والمراعي في تاريخ يختلف عليه المؤرخون. فحين يرجعه بعض إلى القرن الثامن عشر (1740) يرده آخرون إلى القرن التاسع عشر (1830). والانقوك فرع من قبيلة الدينكا الكبرى التى تمثل في مجموعها قرابة خمسة وثلاثين بالمائه من سكان الجنوب وتنشطر إلى بطون وأفخاذ مثل الاقار في رمبيك، والمالوال في اويل، والعالياب غرب النيل في بور، والتويج والرييق في بور بأعالي النيل وقوقريال ببحر الغزال. في الجانب الآخر، ينتمي المسيرية إلى جماعة أكبر هي البقارة وينقسمون، هم الآخرون، إلى فرعي الحُمر والزُرق، وينقسم هؤلاء، بدورهم إلى عموديات (الحُمر 7 والزُرق 6). وتقول المصادر التاريخية، بل وروياتهم أنفسهم، أنهم وفدوا إلى المنطقة من وداي عند بحيرة تشاد التى انتقلوا إليها عبر فزان بعد هجرتهم الطويلة من الجزيرة العربية عبر البحر. ولكنهم سرعان ما تركوا المنطقة هرباً من الإتاوات الباهظة التى كان يفرضها سلاطين وداي وانتهوا إلى دارفور في عهد ملوك التُنجر وما زالت منهم مجموعات تعيش في تشاد ودارفور مثل عرب السلامات. مسيرة العرب النازحين غرباً لم توقفها إلا الجبال التى استنجد النوبا بقممها، كما انتهى الداجو إلى سفوح الجبال كرقيق أرض. والداجو ليسوا محاربين كالنوبا، أو رعاة كالعرب ولهذا لازموا الزراعة حتى أصبحوا القوة العاملة الأولى في مزارع القطن.

هذا هو التاريخ الذى لا يختلف كثيراً عن تاريخ نزوح أغلب القبائل العربية للسودان واستقرارها حيث استقرت. ولكن الذى كان يقلق في الأمر هو تمادي الطرفين في اللجاجة حول أيهما سبق الآخر إلى المنطقة، حتى يصلا عبر الرد على ذلك السؤال إلى استنتاج يؤكد به كل واحد منهما حقه في الأرض أكثر من الآخر. ولو كانت مصائر الشعوب تقرر بمثل هذا التبسيط للأمور لتغيرت خريطة العالم، بل لو طبقنا نفس المعيار على القضية موضع البحث، وأدخلنا القبائل الأخرى في المعادلة، لاجلى النوبا والداجو كلا الجماعتين عن تلك الأرض. فالشعوب ـ في السودان وغيره ـ تهاجر من مكان إلى مكان وحيثما بقعة من بقاع الله ألقت فيها عصا التسيار ثم استقرت وعَمَرت وتناسلت في رحابها أصبحت تلك البقعة وطناً لها. فالذي وفد في القرن السابع عشر إلى سفوح جبال النوبا، كالذي جاء إليها في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر ليستقر فيها ويقيم يصبح بالتقادم وطول الأمد صاحب حق فيها.

لم تكن العلاقة بين المجموعتين في بداهة الأمر، خاصة في فترة الحكم التركي، علاقة مريحة، إذ كان العرب يَستَرِّقون الدينكا إما لحسابهم (كرقيق أرض)، أو لحساب سلاطين الفور الذين كانوا يؤدون للحكم التركي ما عليهم من ضرائب وجبايات باهظة بالعبيد بدلاً عن المال. وكانت مناطق استقرار القبائل العربية في مبدئها نقاط الارتكاز لغزوات الرقيق. ولكن، لما يَمضِ زمان حتى أدرك الطرفان حاجتهما لبعضهما البعض، وبفضل ذلك الإدراك وحكمة قيادتيهما نمت بينهما علائق جديدة أساسها المصالح المشتركة. تلك العلاقة أنشأها في البدء الناظر اروب بيونق، كبير الدينكا مع كبير المسيرية، الناظر عزوزه حيث قررا التساند لإيقاف الحملات ضد بعضهما البعض. ويروي فرانسيس دينق كيف أدمى عزوزه واروب بيونق يديهما ومزجا دمهما تأكيداً للعلاقة التى أضحت، في تقديرهما، علاقة دم. وبعد عزل الإدارة البريطانية لعزوزه وايلاء السلطة لأحد ملازمي الخليفة، الشيخ علي الجلة، استمرت العلاقة. هذا أيضاً جزء من التاريخ.

بارتحال المسيرية، وهم رعاة إبل، إلى تلك المنطقة تأقلموا على طبيعتها واستجابوا لظروفها فاستبدلوا الإبل بالأبقار لتصبح عماد الثراء ورمز القوة والجاهة. وكان لطبيعة الأرض أثر في تنسيل قطعان الماشية التى اقتنوها، وحسب ما روى ايان كينيسون العالم الاجتماعي وواحد من أهم الباحثين في شأن البقارة تتميز أبقار المسيرية بالقوة والقدرة على السير في أراضي القوز ولكنها لا تتحمل الأراضي الطينية مثل أبقار الدينكا (السودان مذكرات ومدونات فبراير 1954). لهذا أصبحت المنطقة التى تلتقي فيها الأراضي الطينية بالرملية هي المنطقة الطبيعية الفاصلة بين المجموعتين وهي أرض منبسطة رتيبة لا تحد من رتابتها إلا أشجار من الفصيلة السنطية. وكانت الإدارة البريطانية، بسبب ذلك التقسيم الطبيعي تلزم المسيرية بتعبيد الطريق عبر القوز شمالاً حتى مناطق إقامتهم الدائمة، في حين تلزم الدينكا بالعناية بالطريق إلى نهاية الأرض الطينية عند البحر أو الجرف كما يسميه المسيرية.

في سعيهم وراء المرعى يرتحل المسيرية جنوباً في بداية فترة الجفاف (أكتوبر / نوفمبر) بعد قضاء فترة الخريف في بابنوسة ليلتقوا مع جموع الدينكا في بحر العرب (الكير). وبذلك يتنقل المسيرية في العام الواحد في أربع مناطق مختلفة المناخ والتربة والنبات: بابنوسة، والمجلد، والقوز. والبحر (بحر العرب). من جانبهم يرتحل الدينكا شمالاً بعد موسم الحصاد في يناير ثم يقفلون راجعين جنوباً لينتهوا في مناطق الدينكا تويج وريك في (منطقة قوقريال) حتى شهر مايو. ورغم تنوع ضروب الترحال وتعددها كانت مسارات الرعي معروفة، كما كانت المداخل والمخارج إلى المنطقتين محددة ومتفق عليها. ولم يكن التحرك الموسمي في تلك المسارات طولياً بل دائرياً لا يشارك فيه كل السكان، فالنساء والأطفال والمسنون من الرجال يمكثون في تجمعات شبه مستقره في حين يرتحل الشباب والرجال القادرون مع قطعان الماشية. وفي نهاية كل رحلة كان الزعماء وكبار القبيلتين يعقدون الندوات لمعالجة المشاكل التى تقع خلال الترحال، ما تعلق منها بأذى للحيوان أو اعتداء على البشر. في تلك الندوات تتم مجالس الصلح لتسوية الخلافات وفق أعراف سائدة مثل الدية في القتل، والتعويض عن الخسائر، ورد المسروق.

من الجلي، إذن، أن المجموعتين ظلتا تتعايشان في وئام لم تكدره التجارب الأليمة في عهود غزوات الرق، وهي غزوات تعرضت لها كل القبائل غير العربية من القبائل المحادة لها في الشمال، فمن أين إذن جاء المشكل؟ أجاد الأكاديمي محمد عبد الرحيم محمد صالح، وهو أحد أبناء المنطقة، عندما كتب يقول "الصراعات بين دينكا انقوك والمسيرية ليست حالة منعزلة لصراع اثني ولكنها ذات علاقة أوسع بطبيعة الدولة السودانية، وهياكل السلطة القومية، والتفاوت بين الأقاليم، وهيمنة مستعربة الشمال على القوميات الأخرى غير العربية. كما أن الصراع بين الانقوك والحُمر هو جزء من صراع الجنوبيين من أجل البقاء كمواطنين ذوي حقوق متساوية. لا يمكن أيضاً عزل الصراعات عن الذكريات القبيحة لحملات الخيالة الحُمر ضد قرى الدينكا ومعسكرات ماشيتهم في عهود الاسترقاق، أو عن سياسات الاستعمار في الثلاثينيات حينما قُسِّم القطر إلى شمال وجنوب، أو فقدان الأنظمة الحاكمة في الخرطوم للحساسية" (فصل عن الصراع بين دينكا أنقوك والحُمر في كتاب الصراع والانهيار: الرعوية في القرن الأفريقي، تحرير جون ماراكاكيس). هذا تلخيص جيد للمشكل، ويعنينا منه في هذا الفصل الجانب المعاصر: الصراع بين الفريقين كرد فعل على التفاوت الإقليمي، وكنتيجة للضغوط على الموارد الطبيعية، ثم كمُحصل للسياسات القومية نحو المنطقة، بل ربما لفقدان أنظمة الحكم المتعاقبة في الخرطوم لأية حساسية سياسية تجاهها، إن لم يكن إسهامها في تعميق الأزمة. من جانب آخر نمكث قليلاً عند السياسات الاستعمارية تجاه المنطقة، خاصة تلك التى تتعلق بتبعيتها الإدارية. ومن الطريف أن المتفاوضين من الجانبين لم يجدوا مراجع يلجأون إليها أو يستدلون بها لإفحام الطرف الآخر غير تقارير الإدارة الاستعمارية.

تقول تقارير الإدارة الاستعمارية أن منطقة أبيي وكل منطقة بحر العرب كانتا حتى عام 1905 جزءاً من بحر الغزال رغم أن المنطقة كانت منطقة رعي مشترك بين الدينكا والقبائل العربية. والمعروف أن الحكم الاستعماري بدأ الهجوم على بحر الغزال فور استيلائه على فاشودة حين تحركت الكتيبة (الفوج) الرابع عشر بقيادة الكولونيل سباركس باشا من مشرع الرق في يوم 12/12/1900 وانتهى بالسيطرة عليها بعد أربع سنوات بإقامة مركز كافيا كنجي والتمكن من "دار فرتيت".

أياً كان الأمر، في عام 1905 ضُمت المنطقة التى يسكنها دينكا انقوك ومنطقة قوقريال (دينكا تويج وروينق) إلى كردفان وظل ذلك هو الحال حتى عام 1931 حين أجرى تعديل إداري أبقى أبيي (دينكا انقوك) في كردفان، وأعاد قوقريال (دينكا تويج) إلى بحر الغزال، كما ضم دينكا روينق إلى أعالي النيل. ما هي الدوافع لتلك الإجراءات؟ الأسباب إدارية بحته حسبما أوردت التقارير الرسمية، فمثلاً، جاء في واحد من التقارير إن رحلة سلاطين الدينكا في منطقة أبيي أو قوقريال لاقرب مركز في بحر الغزال للشكاة ضد جيرانهم العرب كانت تستغرق ثلاثة وعشرين يوماً ولهذا رؤى ضمهم إلى كردفان (تقرير المخابرات رقم 127، فبراير 1905). وفي تقرير آخر جاء أن السلطان اروب الذى تقع منطقته على نهر كير (سلطان الانقوك) والسلطان ريحان (سلطان التويج) اشتكيا من غزوات عرب جنوب كردفان على منطقتيهما ولذلك أصبح من الحكمة وضع المنطقتين تحت سلطة مدير المديرية نفسه الذى يمتد إشرافه على هؤلاء العرب (تقرير المخابرات 128، مارس 1905).

وعندما قررت الإدارة الاستعمارية إعادة دينكا قوقريال في عام 1930 إلى بحر الغزال كان من رأي مدير كردفان، المستر بروك، أن يعود معهم إخوتهم دينكا انقوك (تقرير المخابرات 1927) إلا أن شيخهم السلطان كوال اروب آثر البقاء في كردفان. نتيجة لهذا الإصرار أصدر السكرتير الإداري، السير هارولد ماكمايكل قراراً بوضع حد إداري فاصل بين القبيلتين (من الشرق إلى الغرب) يتمثل في طريق نيامليل / سفاهة. ويدعي خصوم السلطان كوال من أهله الدينكا أنه لم يؤثر البقاء في الشمال إلا ليصبح كبيراً للسلاطين (paramount chief) في منطقة يسيطر عليها بمفرده بدلاً من أن يذوب في مجموعات الدينكا الأخرى فيذوي سلطانه. خلال هذه الفترة منح ناظر الدينكا سلطة واسعة ولم يكن يخضع لكبير نظار المنطقة (ناظر عموم المسيرية عندما أنشئ ذلك المنصب). كما كانت المنطقة كلها تدار بواسطة مفتش غرب كردفان (النهود) وكان له مساعدان في دار مسيرية أحدهما في لقاوة والثاني في رجل الفوله في حين ظل ناظر الدينكا خاضعاً للإشراف المباشر لمفتش المركز، لا لهذين المساعدين. استمرت تلك الترتيبات حتى قبيل خروج الاستعمار حين تقرر إنشاء مجلس ريفي للمنطقة (باعتبارها منطقة قبائل رحل تدار عن طريق مجلس ريفي لا مفتش مركز مثل المراكز الحضرية). أول مجلس ريفي للمنطقة أنشئ في مطلع عام 1954، وافتتحه الحاكم العام، السير روبرت هاو في يوم 14/1/1954. خطاب الحاكم العام الافتتاحي احتشد بالرموز إذ جاء فيه: "أن هذا المجلس، في وجه ما، يشبه السودان بأعراقه المختلفة التى تتعايش جنباً إلى جنب: العرب، والدينكا، والنوبا، والداجو. حتى عهد قريب كان كل جزء يسير على طريقته أما الآن فعلى اختلاف أصواتكم وأعراقكم وأديانكم وتقاليدكم يضمكم مجلس واحد يعمل لأجل خيركم المشترك". "إن التسامح والصبر واحترام وجهة نظر الآخرين صفات هامه وأنني لكبير الثقة إنكم ستحرصون على هذه الصفات".

قبل افتتاح المجلس توفي السلطان كوال اروب وتولى الحكم بعده ابنه دينق ماجوك (والد فرانسيس دينق)، وكان له فضل كبير في تطوير المنطقة خاصة في ميدان التعليم وإدخال المنطقة في الاقتصادي النقدي. وقبيل الاستقلال (1952) عرض عليه مدير كردفان إعادة منطقته إلى بحر الغزال فرفض الرجل ظاناً أن بقاءه في الشمال سيوفر فرصاً أفضل لأبناء المنطقة من أجل التعليم والترقي الاجتماعي. ولكنه قبل اتخاذ القرار قام بجولة في بحر الغزال للتشاور مع إخوته السلاطين، وحسبما روى فرانسيس دينق كان هناك شبه إجماع من سلاطين بحر الغزال على أن يعود أهل أبيي إلى إخوتهم في بحر الغزال، بل أن بعضهم حذر من الاطمئنان المفرط في "الجلابة". رغم ذلك عقد الرجل العزم على البقاء في الشمال، ولعل للعلاقات الحميمة التى نشأت بينه وبين الناظر بابو نمر أثر في ذلك. وكان البابو رجلاً عميق الغور، كثيف الحضور، حاضر البديهة. قرار الناظر لم يقابل بالرضا من شباب أبيي فأرسلوا وفداً منهم يضم اثنين من المتعلمين هما جستن دينق بيونق وعثمان كوج لينقلا نيابة عنهم عريضة إلى مركز رجل الفوله تطالب بعودة ابيي لبحر الغزال فالقي القبض على الشابين. قضية الشابين أصبحت مثار اهتمام الرأي العام الكردفاني لدرجة أنها شغلت جريدة كردفان لبضع أيام إذ حسبوا العريضة بداية لـ "تمرد انفصالي". ولم يتم الإفراج عن الشابين إلا بعد توسط الناظر دينق ماجوك.

ترى ما الذى صنعناه بعد الاستقلال لنولي الرعاية لهذه المنطقة التى كان من الممكن أن تصبح نموذجاً بديعاً للتفاعل بين الشمال والجنوب. فأبيي هي المنطقة الوحيدة في الشمال التى قررت مجموعة مقدرة من أهل الجنوب، بل ومن أكبر قبائله، البقاء فيها طوعاً والانصهار وسط أهلها. هي أيضاً منطقة حبى الله قياداتها الطبيعية بقدر كبير من الحكمة وظفتها للحد من التناشز وتكثيف التعاون. نعم، ما الذى فعلناه بعد الاستقلال في تطوير ما أسماه السير روبرت هاو عند افتتاح مجلس ريفي المسيرية "العمل من أجل الخير المشترك" بين العرب والدينكا والنوبا والداجو؟ هنا كانت بدايات المأساة والتي لا أجد وصفاً لها أدق مما قاله، مرة أخرى، الدكتور محمد عبد الرحيم. قال في الكتاب الذى سلفت الإشارة إليه: "لو كان مسلك الأحزاب السياسية مسلكاً مسئولاً ووجد دينكا انقوك طريقهم إلى مسرح السياسة القومية لهلل الناس للناظر دينق ماجوك باعتباره أب التكامل القومي بين الشمال والجنوب. فبفلسفته السياسية كزعيم جنوبي آثر البقاء في الشمال كان أبعد نظراً من كل قيادات الشمال والجنوب في ذلك الوقت". كان الناظر دينق يقول: "أبيي هي الخيط الذى يربط بين الشمال والجنوب". هل انقطع الخيط؟ وإن حدث هذا فمن الذى قطعه؟

منذ الاستقلال توالت الأخطاء، فبالرغم من أن دينكا أبيي كانوا يمثلون مجموعة متجانسة وكان من الممكن أن يصبحوا دائرة انتخابية واحدة وزعت جموعهم على دائرتين بالشكل الذى حرمهم من التمثيل في البرلمان. ومنذ أول برلمان (مثل فيه الدائرة المشتركة السيد الفاضل محمود) حتى آخر انتخابات عام 1986 لم يمثل المنطقة أي واحد من أبنائها، علماً أن أغلب الرعيل الأول من مثقفي الدينكا كانوا إما من بور أو أبيي. هذا الإقصاء (حتى وإن جاء بصورة غير مقصودة) كان له أثره النفسي على أبناء المنطقة، خاصة بعد أن رأوا من هم دونهم تعليماً من دينكا الجنوب يشقون طريقهم إلى مسرح السياسة القومية. المرة الأولى التى أصبح فيها للمنطقة نائب من أبنائها كانت في عام 1968 عندما استقال احمد دينق ماجوك، ابن الناظر، من وظيفته كضابط مجلس ليترشح في الدائرة نائباً عن حزب الأمة.

وفي عهد عبود بدأت الأمور تأخذ منحنى آخر، خاصة بعد أن بدأ ذلك العهد حملات الإكراه الديني في الجنوب. فمن بين القرارات التى أصدرها النظام قراره بإغلاق مركز التبشير المسيحي (مركز مادينق) وإغلاق الكنيسة الوحيدة في المنطقة. ومن الغريب أن الدين لم يكن يشكل أي عقبة في التعامل بين العرب المسلمين والدينكا، ولا حتى بين الدينكا أنفسهم إذ كانت جموعهم تضم المسلم وغير المسلم، ويشمل هذا حتى أبناء الناظر دينق ماجوك إذ كان فيهم المسلم، وفيهم المسيحي، وفيهم من بقى على دياناته التقليدية. ومن المفارقات أن احمد دينق ماجوك، ابن الناظر لم يجد بين التنظيمات الشبابية تنظيماً يتجه طوعاً إليه غير الأخوان المسلمين. أو ترى ما تقود إليه رعونات السياسة؟ فما الذى كسبه الإسلام من إغلاق كنيسة في أبيي في الوقت الذى ما انفكت فيه نواقيس الكنائس تدق في العاصمة؟ منذ تلك اللحظة لم تعد النظرة لدينكا أبيي هي نظرة لمواطنين سودانيين ذوي أصل جنوبي وديانات مختلفة أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لمنطقة سودانية تقع في الشمال، وإنما كجنوبيين غير مسلمين ينبغي أن يتمسلموا، ومن لم يقبل الإكراه منهم ينظر إليه بعين الشك في "دولة الشمال المسلمة"، ثم امتدت الريب حتى للمسلم منهم.

الأمر تجاوز الريب إلى الاستحقار عند ما رفضت حكومة عبود اعتماد ناظر الدينكا كعضو في مجلس المديرية ممثلاً عن المنطقة. جاء هذا بعد واقعة غريبة هي انتخاب دينق ماجوك رئيساً لمجلس ريفي المسيرية، ربما لأسباب تتعلق بصراعات المسيرية الداخلية التى دفعت بعض شيوخها لاختيار ناظر الدينكا رئيساً للمجلس بدلاً من ناظر عموم المسيرية، الشيخ بابو. ورغم أن موقعه كرئيس للمجلس يؤهله لعضوية مجلس المديرية إلا أن الحاكم العسكري في الأبيض رفض اعتماد دينق ماجوك وأصر على أن لا يمثل المنطقة غير الشيخ بابو. موقف الحاكم العسكري دفع دينق ماجوك للانتقال بشكاته إلى الخرطوم يطالب بالنصفة. تلك الأزمة لم يعالجها إلا إداري قديم عمل دينق ماجوك تحت إمرته هو المرحوم احمد حسن الضو الذى أفلح، من موقعه كرئيس لديوان الرئاسة، في إقناع عبود باعتماد دينق ماجوك ممثلاً للمنطقة، وتعيين بابو نمر عضواً في المجلس بموجب السلطات التى تخول له ذلك التعيين.

اتفاقية أديس أبابا 1972 كانت إيذاناً ببداية مرحلة جديدة لأبيي، وإن كان هناك من يظن أن الاتفاق على حدود جنوب السودان في ذلك الاتفاق قد أنهى المشكلة فعليه أن يعيد قراءة الاتفاق. وكما ذكرنا في فصل سابق فإن النص على حدود الإقليم الجنوبي يشير إلى الحدود التى كانت عليها المديريات الثلاث (أعالي النيل، وبحر الغزال، والاستوائية) في يناير 1956 ويضيف إلى ذلك "وأي مناطق أخرى تُعتبر ثقافياً أو جغرافياً جزءاً من الجنوب بموجب استفتاء عام. وإن كانت هناك مناطق ينطبق عليها ذلك الوصف فأبيي على رأسها. ولكن، دون إخلال بما جاء به الاتفاق، حرصنا منذ الوهلة الأولى على أن نجعل من أبيي مثالاً للتمازج بين الشمال والجنوب، وليس فقط منطقة تماس كما درجنا على القول. وهنا يجئ ما أسميته الدوافع الذاتية للاهتمام بقضية أبيي.

لتحقيق الهدف الذى كنا نرمي إليه ابتدع الدكتور جعفر بخيت صيغاً ومؤسسات لتطوير المنطقة فكَوَن في البدء لجنة لإعداد برنامج لتطوير المنطقة ضمت كل الوزراء ذوي الشأن وانتدب لعضويتها الدكتور فرانسيس دينق، وكان وقتها سفيراً للسودان بالسويد. وكان من بين القرارات الأولى التى أصدرها تعيين تسعة إداريين تم انتدابهم من الجنوب للعمل في منطقة أبيي بموافقة ابيل الير، كما قام بتسمية أحد أبناء المنطقة، جستن دينق، نائباً للمحافظ، تلك القرارات لم تُرضِ الإداريين الشماليين فأطلقوا عليها وصف جنوبة أبيي، كما أثار الاهتمام الكبير بالمنطقة غيرة القبائل العربية، خاصة وقد تزامن ذلك الاهتمام مع برنامج تحديث مشروعات زراعة القطن في جبال النوبا والذي تمثل في إنشاء جمعيات زراعية تعاونية، وتوفير البذور المجانية للمزارعين، وإعادة تأهيل المحالج، وكان النوبا والداجو هم وحدهم المنتفعون.

وفي إطار تحديث منطقة أبيي تبنى الدكتور فرانسيس دينق عقب اتفاق أديس أبابا مشروعاً للتنمية الشاملة للمنطقة بالتعاون مع معهد هارفارد للتنمية الدولية بدأ بإرسال بعثة استكشافية تضم مدير المعهد بروفسور ليستر قوردون، ورئيس قسم الصحة بالمعهد، الدكتور ستيفن جوزيف. الخبيران الزائران قاما برحلة للمنطقة تبعها إرسال فريق متكامل ضم خبراء في الصحة العامة، والتعليم، والزراعة، والأنثروبولوجيا، كما تأسست لجنة وزارية لمتابعة المشروع تحت إشراف وزير الدولة للزراعة، الدكتور حسين إدريس. ذلك المشروع الرائد لم يُكتب له النجاح بصورة رئيسة للأسباب السياسية التى سنورد. ولكن ثمة أسباباً أخرى أعاقت المشروع مثل غياب المعلومات، وصعوبة الاتصالات، واختناقات النقل، وتضارب الاختصاصات في نظام للسلطة المركزية فيه رأي، وللحكم الشعبي المحلي رأي، وللاتحاد الاشتراكي آراء، وقلما تتطابق تلك الآراء مع ما يريده أهل المنطقة. ثم هناك أهل المنطقة أنفسهم (العنصر الثقافي)، فقد كان من أكبر المصاعب التى قاسى منها فريق هارفارد إقناع الدينكا باستخدام الأبقار في جر المحاريث، فما لمثل هذا خلق الله البقر في عُرف الدينكا. وحول تضارب الاختصاصات أذكر اتفاقي مع د. فرانسيس دينق (وكنت وقتها برئاسة الجمهورية) على إضافة فقرة إلى خطاب الرئيس نميري في عيد الاستقلال بمدينة كادقلي يوجه فيها الأجهزة بالتنسيق فيما بينها في تنفيذ مشروعات التنمية بجنوب كردفان حتى تصبح التنمية في تلك المنطقة نموذجاً للتكامل القطاعي والإداري والإنساني والثقافي. وما يجعلني استعيد تلك الفقرة الإشارة الخاصة فيها لأبيي على هذا النحو: "أبيي للسودان كالسودان لأفريقيا" هذه العبارة تلخص نظرتنا للموضوع كله. أياً كان الأمر، انهار المشروع وصار أثراً بعد عين لهذا لم يجانف رتشارد كول مدير معهد هارفارد، وزميله رتشارد هنتنقتون الحقيقة عندما قالا إن مشكلة أبيي "ليست مشكلة محلية ذات تداعيات قومية بل مشكلة قومية تُركت لتتقيح على المستوى المحلي". وقد ألف الأستاذان كتاباً ضخماً حول تلك التجربة أصدره معهد هارفارد للتنمية الدولية في عام 1985 بالعنوان التاليAfrican Rural Development: Lessons from Abyei, 1985) .

من بين المشاكل ذات الطابع الإداري والتي لم يكن يستحيل علاجها لو توفرت الإرادة السياسية الصادقة، تلك المتعلقة بإدارة النزاعات حول الموارد. هذه الصراعات زادت حدة في أواخر السبعينيات لأسباب عدة منها تقلص المراعي بسبب الجفاف، مضاعفة قطعان الماشية نتيجة لتحسن الخدمات البيطرية إذ ارتفع عدد الماشية من مليون في نهاية الخمسينيات إلى اثنين مليون ونصف المليون في نهاية السبعينيات، زحف الزراعة الآلية مما أدى إلى انتزاع بعض المراعي لتصبح مناطق زراعة، خاصة في المناطق شمال أبيي (لقاوة مثلاً). وكما أبنا في أكثر من موقع فإن الدولة، لا القبائل وزعاماتها، تتحمل النصيب الأكبر من المسئولية عن النزاعات لأنها إما شجعت التوسع الزراعي بأسلوب غير مخطط، أو عجزت عن إدارة ألازمة عند وقوعها لضعف آليات الإدارة التى استحدثتها كبديل لآليات التوسط التقليدية (traditional mediation mechanisms). الآليات التقليدية هي الحكم الأهلي والذي ألغى بصدور قانون الحكم المحلي 1971 واستبدل بمجالس الحكم الشعبي المحلي. وفي الوقت الذى انتهت فيه الإدارة المحلية في الشمال بما في ذلك جنوب كردفان، ظلت باقية في جنوب السودان مما خلق حالة من عدم التوازي الإداري ليس فقط في المؤسسات، بل أيضاً في لغة التخاطب. وإن كان بين كل أقاليم السودان إقليماً واحداً لعبت فيه الإدارة المحلية الدور المركزي في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والوئام بين القبائل لكان هو إقليم كردفان. صحيح أن الاستعمار جَهِد في الحفاظ على الهُويَّات القبلية في ذلك الإقليم كأداة للتحكم الإداري فيها وذهب في ذلك مذهباً بعيداً (احمد إبراهيم أبو شوك: كردفان من القبائل للنظارات في كتاب Kordofan Invaded, Brill, 1990). إلا أن ذلك الإقليم بتنوع قبائله، وتضارب مصالح أهلها، واختلاف تضاريسه الجغرافية ما كان ليبقى متماسكاً لولا دور قياداته الطبيعية. وفي بحث الدكتور أبو شوك المشار إليه أعلاه تفصيل دقيق لما لحق بأداء الدولة نتيجة لإلغاء النخب الحاكمة في الخرطوم للإدارة الأهلية منذ أول قرار اتخذته حكومة أكتوبر بإلغاء الإدارة الأهلية، ثم تردد حكومة الديمقراطية الثانية في هذا الموضوع حيث كانت بين الكفر والإيمان، هي مع الإدارة الأهلية في الاجتماعات المغلقة مع زعماء القبائل، وضدها في الليالي السياسية، ثم جاءت قوانين نظام مايو التى أجهزت على المؤسسة تماماً. ففي كردفان، مثلاً، أبان كيف انخفض حجم الضرائب المُحَصلة (العشور والقطعان) عن طريق الإدارة الأهلية من 240.000 و 338.000 جنيهاً في سنتي 1963، 1964 على التوالي إلى 104.251 في عام 1965 بعد إلغائها. ولا يقل أهميةً عن التدهور الذى لحق بتحصيل الضرائب موضوعُ إدارة النزاعات، ففي تقرير لحاكم كردفان، الفاتح بشارة (1984) زادت تلك النزاعات بعشرة أضعاف في الفترة 1971–1981 عما كانت عليه في الفترة التى سبقت منذ الاستقلال، مما حمل الحاكم على المطالبة بإعادة الإدارة الأهلية.

الإدارة الأهلية كانت توفر آليه ناجعة لحل النزاعات ولكنها، بالطبع، لا تغني عن الحل الجذري للمشاكل وهو الحل السياسي / الاقتصادي. وقد أوضحنا كيف عمق نظام عبود من الأزمة باضافة بُعد ديني لها، وكيف ضاعفت الأنظمة المتعاقبة منها إما بتجاهلها أن هناك مشكلاً جديراً بالاهتمام، أو لقلة وعيها بأن منطقة أبيي تمثل تجربة تكاملية فريدة قمينة بالرعاية. خطأنا في مايو كان بالغ الشُنعة، أولاً لأننا أدركنا منذ البداية بما لا يدع مجالاً لأي شك معقول أن هناك مشكلة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الجنوب (إثارة الموضوع في محادثات أديس أبابا) وتَعَهدنا بعلاجها. ثانياً لأن رأينا استقر على أن علاج المشكلة يكمن في واحد من شيئين: إما تطوير المنطقة برضا أهلها حتى تصبح منطقة تمازج حقيقي بين الشمال والجنوب، أو ـ إن عجزنا عن ذلك ـ منحهم حق تقرير مصيرهم بأنفسهم، كما يقول اتفاق أديس أبابا. لم تفلح مايو في الأولى، ولا في الثانية ثم منذ نهاية السبعينيات اتجه نميري بالنظام كله اتجاهاً آخر.

حتى عام 1977 كان نميري مدركاً لما يلزم فعله بموجب اتفاق أديس أبابا. ففي عام 1974 أعلن أبيي منطقة ذات طبيعة خاصة تتبع في إدارتها لرئاسة الجمهورية، وكانت تلك خطوة طيبة في سبيل تحقيق النموذج الذى توهمناه، وبقى وهماً لأن الإعلان لم يلحق به عمل. وفي خطاب له في المجلد في عام 1977 أعلن أن لأهل المنطقة الخيار بين أن يبقوا في كردفان أو ينضموا إلى بحر الغزال، وكان نميري قد تسلم قبيل ذلك عريضة من أبناء المنطقة يطالبون فيها بضم منطقتهم إلى بحر الغزال. هذا الإعلان لم َيُرق لبعض المسئولين فسعوا إلى وضع العصى في دولاب الإدارة حتى يحولوا دون تطبيقه. وبخروج أو رحيل جميع الوزراء الشماليين الذين شاركوا في اتفاق أديس أبابا، أو أسهموا في تطوير السياسات حول أبيي، وكانوا بذلك أكثر إدراكاً من غيرهم للنتائج التى قد تترتب على أي نكوص عن الاتفاق أو السياسات، خلا الجو لواضعي العصي. نذكر من هؤلاء محمد الباقر أحمد، وجعفر بخيت، وعبد الرحمن عبد الله، وفرانسيس دينق.

مهما كان من أمر، لما يمضِ زمن طويل حتى بدأ نميري انزلاقه الذى انتهى به إلى إلغاء اتفاقية أديس أبابا نفسها، في حين بدأت القوى السياسية الجنوبية، من الجانب الآخر، تأخذ زمام المبادرة. ففي عام 1978 أصدر مجلس الشعب الإقليمي بجوبا قراراً يطالب فيه بتنفيذ النص حول منطقة أبيي كما ورد في اتفاقية أديس أبابا (إجراء استفتاء). هذا القرار أكده مجلس الشعب الإقليمي الذى انتخب في عام 1981. ولكن نميري لم يكن في عجلة من أمره، ففي محاولة منه للتنصل مما ألزمه به اتفاق أديس أبابا، أو للالتفاف عليه أقدم على أمرين، وفي الحالتين جاءت الريح بما لا يشتهي سفينه. كون نميري لجنة موسعة برئاسة الإداري الشيخ بشير الشيخ وكان وقتها وزيراً للحكم المحلي لتتقدم له بتوصيات حول أبيي. وضمت اللجنة نائب رئيس القضاء دفع الله الرضي وبعض زعماء القبائل وعلى رأسهم الناظر بابو نمر والناظر سرور محمد رملي. اقترحت اللجنة بدائل منها أن تدار المنطقة على الوجه الذى كانت تدار به يوم ذاك، أو تصبح مجلساً محلياً مستقلاً، أو تعلن كولاية، أو يمنح أهلها الحق في اختيار ما يريدون، والخيار الأخير ابتنى على ما نص عليه اتفاق أديس أبابا وأصر عليه العضو الجنوبي في اللجنة، مارتن ماجير. وحرصت اللجنة على توضيح الايجابيات والسلبيات بالنسبة لكل مقترح، ويبدو أن جميع الخيارات لم تصادف هوى في نفس نميري.

محاولة الالتفاف الثانية كانت هي تكوين لجنة لتقصي الحقائق برئاسة قاضٍ. تلك كانت هي اللجنة التى ترأسها القاضي خلف الله الرشيد، وأصدرت في 7/1/1981 قراراً حاسماً. يقول القرار:

 (أ) "تَبَني حدود المديريات الجنوبية كما كانت في اليوم الأول من يناير 1956 وهذا يعني إعادة منطقة حفرة النحاس وكافيا كنجي إلى مديرية بحر الغزال وهى المنطقة التى سبق أن أضيفت إلى مديرية دارفور وفقاً لوصف الحدود المعدلة المنشور في غازيته جمهورية السودان رقم (947) بتاريخ 15 يوليو 1960. وهذا يتفق تماماً واتفاقية أديس أبابا وقانون الحكم الذاتي الإقليمي 1972".

 (ب) "تخضع منطقة بحر العرب لترتيبات إدارية تأخذ في الاعتبار التكوين الاجتماعي بما في ذلك الحقوق التقليدية للمرعى والصيد وصيد الأسماك والتى نظمت بترتيبات إدارية قبل وبعد 1956". (ج) إجراء استفتاء في عموديات الدينكا نقوك منطقة أبيي التى تدار الآن من مديرية جنوب كردفان وتلاحظ اللجنة الحاجة لتحديد هذه المنطقة قبل إجراء الاستفتاء. هذا الترتيب هو تطبيق للمادة 32 من قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لعام 1972 واستجابة لرغبة سكان المنطقة".

 (د) "بالرغم من أن المادة 32 من قانون الحكم الذاتي الإقليمي تنسحب على منطقة شال الفيل التابعة لمديرية النيل الأزرق إلا أن هذه المنطقة لا تمثل مشكلة في حد ذاتها وأن حدودها معروفة وأن سكانها لم يطالبوا بإجراء استفتاء".

خلف الله أمسك الوعل من قرنيه وفجر قضايا لم تكن مطروحة، فجميع المناطق التى أشار إليها، وهى مناطق شاسعة، كانت جزءً من الجنوب في 1/1/1956 ونقلت للشمال في عهد عبود. مع ذلك لم يثر الجنوبيون لا في عهد الحكم الذاتي الإقليمي، ولا في مفاوضات الإيقاد أمر هذه المناطق الشاسعة في حين ثابروا على إثارة قضية منطقة أبيي الصغيرة نسبياً مما يعني أن هناك مشكلة حقيقية في هذه المنطقة.

أراد مثقفو الجنوب تأكيداً لموقفهم حول أبيي أن يبعثوا برسالة واضحة للحكومة بعد رفضها التجاوب مع قرارات المجلس الإقليمي. وكانت الرسالة اختيار أحد أبناء أبيي (الدكتور زكريا بول دينق) نائباً في المجلس الإقليمي عن دوائر الخريجين، مع أن أبيي ليست رسمياً جزءاً من الجنوب. وبتوجه نميري نهائياً لإلغاء الاتفاقية، وتجدد الحرب في الجنوب لم يكن غريباً أن ينحاز أبناء أبيي إلى "التمرد" الجديد. ولكن قبل أن يقع هذا قام نميري باعتقال ابن أبيي الذى انتخبه الخريجون وأغلب متعلمي أبيي، كما اغتيل الناظر عبد الله مونياق الذى خلف أباه دينق ماجوك حتى تؤول النظارة إلى أخيه آدم الأكثر طواعية، فيما تردد. أصابع الاتهام حول ذلك الحدث امتدت لمسئولين في بعض الأجهزة الأمنية في المنطقة. مع ذلك أدى ارتفاع حدة التوتر وانفجار الحرب في الجنوب بنميري للقيام بواحد من انقلاباته البهلوانية (somersault)، وفي هذا الانقلاب تفوق على نفسه. الانقلاب هو الموافقة على فتوى خلف الله الرشيد وإعلان أبيي منطقة خاصة. ولكن فات الأوان إذ لم يصدقه أحد بعد أن أعلن الشيء نفسه في عام 1974 ثم نكص عنه.

تلك هي المرحلة التى بدأت فيها الحكومة الاستعانة برجال القبائل لرد هجمات انانيا الثانية، وبوجه خاص الاستعانة بما يعرف بالمرحلين. المرحلون عند المسيرية (ويطلق عليهم الفرسان عند البقارة في دارفور) ليسوا أكثر من مجموعات استطلاعية تسبق الرعاة في مسيرتهم لأجل حمايتهم من الاعتداءات من جانب قاطعي الطرق أو الحيوانات غير الأليفة. وعند نشوب الحرب من جديد في عام 1982 أخذت أنظمة الحكم المتعاقبة تستعين بهذه الجماعات، إما كمجموعات استكشافية أو كفرق مقدمة للاشتباك مع "المتمردين" بهدف تحييدهم أو بث الرعب في مناطق عملياتهم. فعل هذا نميري، وفعله المجلس العسكري الانتقالي بعد الانتفاضة، واستمرت عليه حكومة الصادق المهدي إلى حين تولى الفريق عبد الماجد حامد خليل وزارة الدفاع ومطالبته بإيقاف أي نشاط للمليشيات. وعلى نهج عبد الماجد سار القائد العام الفريق فتحي أحمد علي، وكما هو معروف تضمنت المذكرة التى رفعتها قيادات الجيش في عهده لرئيس الوزراء الصادق المهدي بنداً يطالب بحل المليشيات. ذلك لم يحدث إلى حين استيلاء الجبهة القومية على الحكم والتى لم تقرر دعم المرحلين فحسب، بل أكسبتهم شرعية بدمجهم في القوات النظامية وإيكال مهام جديدة لهم في دعم المجهود الحربي مثل حماية القطارات التى تنقل الجند والعتاد من بابنوسة إلى واو. ولعل الذى أطلع على تقارير مندوبي لجنة حقوق الإنسان والفريق الدولي للتحقيق حول الرق يجد الكثير حول الأذى الذى ألحقته هذه المجموعات بالدينكا. هذا هو السبب الذى دفع الدكتور توبي مادوت في 1/2/1995 باسم حزب جنوبي مسجل بالخرطوم (سانو) إلى دق نواقيس الخطر والتنبيه إلى الأضرار التى ألحقها المرحلون، ليس فقط بالدينكا، وإنما أيضاً بالسلام الاجتماعي في المنطقة كلها.

طوال المفاوضات بين الحكومة والحركة في إطار مبادرة الإيقاد ظل موضوع أبيي مطروحاً. وفي المرة الأولى التى اتفق فيها الطرفان على تحديد ما يعنيان بجنوب السودان (قبول صيغة اتفاقية أديس أبابا 1972) ثبتت الحركة عند موقفها باعتبار ابيي جزءاً من الجنوب، وكان ذلك في دورة انعقاد المفاوضات في أديس أبابا (أغسطس 1998). بسبب هذا الموقف المبدئي من قضية ابيي كان من الطبيعي أن تثيرها الحركة في لقاءات التجمع إلى أن استقر التجمع على رأي محدد حولها ضَمنه قراراته بشأن القضايا المصيرية. يقول القرار: "إن التعرف على آراء أهل منطقة ابيي فيما يتعلق برغباتهم أما بالبقاء داخل الحدود الإدارية لإقليم جنوب كردفان، أو بالانضمام إلى إقليم بحر الغزال سيتم عبر استفتاء ينظم خلال الفترة الانتقالية ولكن قبل ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير. وإذا ما أظهرت نتيجة الاستفتاء رغبة أكثرية أهل المنطقة في الانضمام إلى إقليم بحر الغزال فإنهم سيمارسون حق تقرير المصير كجزء من شعب جنوب السودان".

هذا التاريخ المأساوي يؤكد بضع حقائق: أولاً أن موضوع أبيي ليس موضوعاً مفتعلاً من جانب الحركة الشعبية بل هو قضية ذات جذور عميقة تعود في جانب منها لما قبل الاستقلال، وفي جوانب أخرى للفترات التى أعقبته. ثانياً إن عدة عوامل طبيعية وإدارية وسياسية تضافرت على تعميق المشكل إزاء عجز كامل، أو استهانة مفرطة، من جانب السلطة المركزية. ثالثاً أن المشكل ليس هو مشكل محلي ذو تداعيات قومية بل نموذج لمشاكل محلية عديدة تفاقمت بسبب السياسات القومية الخاطئة. رابعاً بالرغم من جهود الحكماء المحليين للتقليل من حدة المشاكل المحلية ودرء مخاطرها سعت الحكومات المركزية لإقحام الجماعات المحلية في الحرب الأهلية بصورة لا تمزق نسيج المجتمعات فحسب بل كادت تقضي على الوئام الوطني. خامساً كغيره من القضايا ذات الصلة بعلاقات الشمال والجنوب، بل أكثر من أي منها، ما حدث في أبيي نموذج صارخ للإخلال بالعهود، وإهدار الفرص لتحقيق الوحدة الطوعية. بسبب من كل هذا فإن تبني المواقف المتشددة التى لا يسندها منطق، أو إطلاق الشعارات الاستفزازية التى تضر بأكثر مما تفيد ـ كما حدث أخيراً ـ لا يقود إلا إلى تمزيق القطر، وربما قاد لنتائج تعسر منها نجاة المتشددين أنفسهم.

ففي خلال المفاوضات حول أبيي تبين أن هناك موقفين لأبناء المنطقة، موقف لا ينازع في حقوق الجماعات المتساكنة ويقول أن الدينكا والمسيرية تساكنوا في المنطقة بحدود معروفة وفي مناطق معروفة، ولكنه في ذات الوقت يؤكد حقوق المسيرية المشروعة في المرعى التى لا يمكن الإخلال لها بصرف النظر عن التابعية الإدارية للدينكا. ويسعد المرء كثيراً أن يكون أمير المسيرية مختار بابو نمر في هذا الجانب الراشد مما يثبت أنه صاحب عِزوة يلجأ له الناس عند الملمات. رأيه ذلك أدلى به في الندوة التى عقدت بضاحية كارين في العام الماضي للتشاور حول أبيي. موقف آخر عبرت عنه مذكرة وزعت على العالمين ونسبت إلى مجلس شورى المسيرية. لست من الذين يقولون أن المذكرة جاءت بإيعاز من الحكومة رغم أنها اختتمت بالقول: "نشكر للحكومة عدم استجابتها لضغوط بعض الفئات ذات الأغراض الخاصة ونحن من جانبنا سوف ندعمها في عدم الاستجابة لمثل هذه الضغوط". المذكرة تحدثت بالأسلوب الذى وصفناه في بدايات هذا الفصل بالاندفاع وعدم التروي، خاصة عند إشارتنا للجدل العقيم حول من سبق الآخر إلى تلك الأرض. انتهت المذكرة إلى أن "دار المسيرية جزء من السودان الموحد منذ أن نشأ السودان الحديث وهي تاريخياً وإدارياً وبيئياً تابعة لكردفان الكبرى. وقد تعايشت القبائل والأعراق فيها بهذا المفهوم، المسيرية والدينكا والنوير والبرقو والفلاتة والنوبا. وتمازجت ثقافياً وعرقياً مما جعل إمكانية تقسيمها أمراً مستحيلاً. ولكن من أراد أن يهاجر من أبناء هذه المنطقة أو ينزح لبقعة أخرى فليفعل ويرحل بماله وأسرته". الجزء الأول من الفقرة يعبر عن قراءة وتفسير للتاريخ ومن حق أي شخص طالما ملك الأسانيد أن يعبر عن رؤاه ويقدم أسانيده مقطوعة كانت أم موصولة. ولكن ما الذى يعنيه: من شاء فليرحل بماله وأسرته. أضافت المذكرة الغاضبة "لقد وقفت قبيلة المسيرية بجميع فروعها سداً منيعاً أغلق على التمرد العبور شمالاً وفقد المسيرية في الدفاع عن السودان آلاف الشهداء منذ عام 1964 حتى اليوم، وما وهنوا ولا استكانوا وهذا ديدنهم منذ المهدية". ما شأن الحرب والشهداء ودحر التمرد بحقوق الرعي والتى نفترض أنها قضية المسيرية، كما هي قضية غيرهم من الرعاة. ثم خُتمت المذكرة بالاتي:

(أ) نؤمن أن قضيتي أبيي وجبال النوبا لا علاقة لها بقضية جنوب السودان ونرى أنهما قضيتان محليتان لا سبيل إلى تدويلهما ونتمسك بحدود 1956؛

(ب) لا نقر ولا نرضى أن يجري استفتاء حول تقرير المصير في هاتين المنطقتين، سواء كان ذلك لكل السودان أم لفئة.

ما كنت لأعير البيان اهتماماً لولا أنه تضمن على رأس الموقعين أسماء حريكة عز الدين، وفريق مهدي بابو نمر، واللواء فضل الله برمه ناصر، وعبد الرسول النور إسماعيل. أثارت اهتمامي هذه الأسماء بوجه خاص، وللحد الذى ظننت معه أن الوثيقة دست عليهم رغم وجود توقيعات عليها منسوبة إليهم. ولكن ظني تبدد عندما التقي ثلاثة من تلك المجموعة الكريمة في نايفاشا زعيم الحركة في اجتماع كانوا حريصين عليه، وكان هو أشد حرصاً منهم على الاجتماع. بدأ الاجتماع بكلمات للفريق مهدي بابو تنذر بذات الصهيل ألا وهي الحرب. قال: "موقف الحركة في أبيي إشهار للحرب ضد المسيرية". كان من الممكن أن تنتهي تلك الكلمات بالنقاش إلى طريق مسدود لولا أن زعيم الحركة صب ماءً بارداً على الموقف. قال كل هذا الصراع الدائر لا شأن له بمصالح الدينكا أو المسيرية، فالقبيلتان حكمت عليهما الطبيعة، كما قضت الجغرافيا والتاريخ، أن يعيشا مع بعضهما البعض شأن قبائل عديدة تعيش في خطوط التماس بين الجنوب والشمال. قال أيضاً أن الحرب بالوكالة (proxy war) التى تدور اليوم هي حرب مفروضة على الطرفين ولهذا فمن الخير للطرفين أن يجلسا مع بعضهما البعض للبحث عن أفضل السبل لحماية الحقوق المشروعة لأهليهما في الموارد المشتركة، والبحث عن وسائل للتعايش السلمي بينهما ومع غيرهما من القبائل المجاورة كما فعل دينكا مالوال مع البقارة. والطرفان اللذان عناهما زعيم الحركة هما دينكا أبيي والمسيرية وليس الحركة والحكومة.

الذى أومأ إليه زعيم الحركة، وكان ينبغي أن يكون هو غاية أصحاب المذكرة الغاضبة، هو الحيلولة دون خروج القضية من حدودها حتى تصبح ذريعة لصراع أشمل. فلا معنى، مثلاً، لإقحام قضية جبال النوبا في موضوع ابيي، أو الحديث عن حق أهل الجبال في تقرير مصيرهم لأن أبناء الجبال لم يجعلوا ذلك مطلباً في المفاوضات. كما لا معنى للتجاهل الغريب في المذكرة لتاريخ قضية هي قطعاً ليست بنت اليوم، وما نايفاشا إلا محطتها الأخيرة. قد نقول أن أصحاب المذكرة ليسوا على دراية باتفاق أديس أبابا، رغم أن هذا شئ مؤسف إن حدث. وقد نقول أنهم ليسوا على دراية بقرارات مجلس الشعب الإقليمي بشأن أبيي، أو باعتبار نميري لها منطقة ذات وضع خاص في عام 1974 ثم في عام 1983، أو بإعلانه حق أهل أبيي في تقرير مصيرهم بأنفسهم في المجلد وليس في أي مكان آخر في عام 1977، أو بقرار لجنة خلف الله الرشيد في عام 1981، أو بمقررات لجنة الشيخ بشير الشيخ والتي كان الناظر بابو نمر عضواً فيها في مطلع الثمانينيات. ولكن يصعب علينا كثيراً أن نصدق أن قياديين هامين في حزب الأمة لم يطلعوا على قرارات التجمع بشأن أبيي والتي كان لحزب الأمة (المرحوم عمر نور الدائم ومبارك المهدي) دور كبير في صياغتها. ولا أظن حزب الأمة من "ذوي المصالح الخاصة" في عرف مجلس الشورى، حتى وإن افترضنا أن كل فصائل التجمع الأخرى كانت من ذلك الصنف الردئ.

أشد وعورة من ذلك التغافل أمران، الأول هو الدعوة لأن تقوم بين الشمال والجنوب حدوداً قاطعة مبنية على الملكية التاريخية للأرض. تلك سابقة خطيرة لأن رسم هذه الحدود القاطعة لن يقف عند المنطقة المجاورة لبحر العرب حتى وإن تنازل عنها الدينكا وارتحلوا جنوباً بأسرهم كما طالبهم مجلس الشورى. فالحدود تمتد من أفريقيا الوسطي إلى إثيوبيا، ويوم أن يقام ذلك الخط الفاصل نتيجة لمواقف غاضبة أو استفزاز غير مبرر فسيلحق الأذى كل القبائل الرعوية التى ظلت تنتقل جنوباً وراء حدود 1956 بحثا عن المرعى في وئام تام مع القبائل الجنوبية المتاخمة، وهو وئام لا تكدره إلا المشاكل التى تنجم من حين لآخر بين القبائل وتحل عبر آليات التوسط التقليدية. مثال ذلك ترحال البقارة بين دارفور وبحر الغزال (مناطق دينكا مالوال)، وترحال أولاد حميد ورفاعة الهوى في منطقة يابوس بأعالي النيل، وترحال عرب سليم والشينخاب ودار محارب في مناطق الدينكا والشلك والنوير بأعالي النيل، وترحال الحوازمة في مناطق الدينكا باريانق.

الأمر الثاني هو لماذا يريد أي واحد منا ـ أياً كان موقعه ـ أن يثقل كاهل أهله بصخور مرمرية، مثل تحميلهم المسئولية عن حروب السودان الأهلية، حتى وإن استدرجوا إليها وخاضوها بالوكالة. عامة الناس في السودان لا يطربون أبداً للفتنة، فالفتن يؤججها، عن علم أو جهل، من لا يتدبر عاقبة الأمور. لهذا يعجب المرء أن ينسب هؤلاء الكبار لأهلهم ما أسموه "دحر التمرد". أي تمرد هذا بعد اتفاق ماشاكوس الذى أبان جذور المشكلة وكان في جوهره اعتذاراً متبادلاً عن الحرب. وأي نظام ذلك الذى حموه في الشمال؟ أهو نظام عبود الذى استنكر أهل الشمال سياسته في الجنوب ولهذا، مع أسباب أخريات، انقضوا عليه في أكتوبر 1964؟ أم هو نظام نميري الأول الذى اعترف بحق ابيي الذى ينكرون؟ أو نميري الثاني الذى أجج نيران الحرب من جديد في 1983 وكان أول مسعى له لإيقافها هو الاعتراف بحق أبيي؟ أم هو نظام الجهاد ضد الشرك في الجنوب بعون من الله تعالى ومن "المرحلين" من بعد؟ أو لعله مع نفس النظام الذى وفقه الله لسلام مع المشركين؟ لماذا يريد أي شخص عاقل أن يُحَمِّل أهله المسئولية عن سياسات حكومات الخرطوم التى تتأرجح سياساتها كما يتأرجح بندول الساعة وتلحق الأذى بالناس أني اتجهت عقارب الساعة. ليت أهل الشورى اصطحبوا معهم عند وفودهم إلى نايفاشا نصيحة غالية من رجل من ديارهم عركته التجارب، الفريق شرطة عوض سلاطين دارفور (ألوان مارس 2004). كان الرجل نصيحاً في مقاله.

البروتوكول الذى وقع بين الحركة والحكومة في السادس والعشرين من مايو 2004 حول أبيي قام على أساس مبادئ تقرب بين وجهتي النظر اقترحتها الولايات المتحدة (قدمها السناتور جون دانفورث) واستُهل بالنص على مبادئ هادية، وقواعد ضابطة هي:

أبيي جسر بين الشمال والجنوب يربط شعب السودان؛

إقليم أبيي هو المنطقة التى تقطنها مشيخات دينكا انقوك التسع التى ضمت لكردفان في عام 1905

يحتفظ المسيرية والجماعات الرعوية الأخرى بحقوقهم التقليدية في الرعي والتحرك عبر أراضي أبيي.

قررت الاتفاقية منح منطقة أبيي وضعاً إدارياً خاصاً بحيث يصبح أهلها مواطنين في كل من غرب كردفان وبحر الغزال ويكون لهم ممثلوهم في المجالس التشريعية في الولايتين، وهذه عودة للوضع الذى كان يجب أن تكون عليه في عام 1974 عندما أعلن نميري ذلك القرار، مع فارق هام هذه المرة. الفارق هو التحديد الواضح لمعالم ذلك الوضع الخاص: أن يدير المنطقة مجلس تنفيذي ينتخبه مواطنو أبيي، والى حين إجراء الانتخابات (بعد ثلاث سنوات) تُعين رئاسة الجمهورية أعضاء المجلس على أن يكون مجلساً واسع القاعدة (أي لا تقتصر عضويته على مجموعة معينة من أبناء المنطقة). ويكون للمجلس رئيس ونائب رئيس تعينهم رئاسة الجمهورية بناء على توصيات المجلس. ويشرف المجلس على أمن المنطقة وتنميتها وتقديم الخدمات الأساسية لها. وستقرر رئاسة الجمهورية، آخذه في الاعتبار طبيعة الوضع الخاص للمنطقة، الاختصاصات التنفيذية والتشريعية والمالية والقضائية لسلطات أبيي. كما سيكون للمنطقة مجلس تشريعي يضم ما لا يزيد عن العشرين عضواً تعينهم الرئاسة في فترة الثلاث سنوات الأولى، ويتم انتخابهم مباشرة من جانب أهل المنطقة في الفترة التالية. ويباشر ذلك المجلس سلطة إقرار الميزانية وخطط التنمية والتعمير وسن التشريعات المحلية والمساهمة في جهود المصالحة بالمنطقة والاقتراح لرئاسة الجمهورية بإعفاء الرئيس التنفيذي.

وكما حدث بالنسبة للجنوب ولكل ولايات السودان أبان الاتفاق مصادر التمويل لحكومة المنطقة حتى لا يترك أمرها للظروف أو لتقدير ـ سؤ تقدير ـ سلطة أخرى. وبما أن أبيي واحدة من مناطق إنتاج البترول فقد نص الاتفاق على أن يوزع صافي عوائد إنتاج النفط فيها على الوجه التالي: 50% للحكومة القومية، 42% لحكومة جنوب السودان، 2% لإقليم بحر الغزال، 2% لإقليم غرب كردفان، 2% لدينكا انقوك، 2% لباقي قبائل المديرية. كما ستحصل المنطقة على: (1) نصيبها المقرر من الدخل القومي حسب بروتوكول اقتسام الثروة؛ (2) العائدات من الضرائب المحلية، التى يقررها مجلسها؛ (3) حصتها من الصندوق القومي للتعمير والتنمية وصندوق تعمير وتنمية الجنوب؛ (4) المخصصات القومية لإنشاء الإدارة الجديدة وتسييرها. جميع هذه المبالغ ستودع في حسابات خاصة بموافقة الرئاسة. على أن النص على تخصيص أنصبة من عائد النفط لقبائل بعينها فيه إجحاف بغيرهم ولربما كان الأوفق أن تذهب الأنصبة للإقليم لا لجماعة في الإقليم.

تقرر أيضاً أن تنشئ رئاسة الجمهورية لجنة للحدود لتتولى رسم حدود أبيي (المنطقة التى تحولت إلى كردفان في عام 1905) على أن تفرغ اللجنة من أداء واجبها في العامين الأولين من الفترة الانتقالية، كما سيحدد الإحصاء القومي العدد الفعلي لسكان المنطقة. هاتان العمليتان ستنهيان الجدل حول حدود المنطقة وعدد سكانها. وفي نهاية الفترة الانتقالية يجري استفتاء منفصل عن، ومتزامن مع، استفتاء جنوب السودان. وبصرف النظر عن نتائج استفتاء جنوب السودان يُطرح على أهل أبيي الخيارين التاليين: الاحتفاظ بوضعهم الإداري الخاص في الشمال، أو أن يكونوا جزءاً من بحر الغزال.

أياً كان الخيار تبقى قائمة قضية حقوق الرعي، ليس فقط في هذه المنطقة بل على طول الشريط الحدودي بين الشمال والجنوب. وإن كان البروتوكول في ديباجته قد قضى في هذا الموضوع فيما يتعلق بالدينكا والمسيرية.

يفيد أيضاً أن تتجه الحكومة الانتقالية إلى خلق الآليات المناسبة، ووضع الضوابط اللازمة لمعالجة مشاكل المرعى في كل السودان، بين الشمال والجنوب وفي داخل الشمال وداخل الجنوب أيضاً. وقبل بضع أشهر من توقيع البروتوكول استضافت إثيوبيا (18/2/2004)، بالتشاور مع حكومة السودان والحركة الشعبية، وبدعم مالي وتجهيزي من برنامج الأمم المتحدة للتنمية ووكالة المعونة الأمريكية، منتدى شارك فيه ممثلون لقبائل الدينكا والمسيرية والرزيقات ولذلك أطلق عليه اسم DMR، الأحرف الأولى بالإنجليزية من أسماء القبائل الثلاث. الاجتماع الذى شارك فيه بعض أعضاء مجلس الشورى دون أن يحسبوه "تدويلاً" كان تجربة موفقة لكيف يمكن للناس أن يعالجوا مشاكلهم بالحكمة إن تركوا لأنفسهم وركزوا اهتمامهم في وسائل حماية المصالح الحيوية لأهلهم. وسبق الندوة إعداد فني جيد تمثل في عديد المذكرات حول قضايا الوجود، لا خزعبلات السياسة: البني التحتية، والمراعي ومصادر المياه، ومراكز تجمع الماشية، والأسواق، ومسارات الرعي، وآليات التوسط التقليدية بما فيها الزعامات القبلية والقيادات الدينية. ولعل درجة الحرية التى توفرت لأعضاء المنتدى مكنت المشاركين من النقاش الصريح حتى في الأمور ذات الحساسية مثل دور الأحزاب في تأجيج الصراع، ودور المثقفين في تلويث القضايا الوجودية بإقحام خلافاتهم المذهبية أو طموحاتهم الشخصية. هذه تجربة جيدة وجديرة بالاحتذاء في المناطق الأخرى، كما أن مثل هذا المسار أنبه وأجدى في علاج المشاكل من تبني الثوابت العدوانية، أو الاندفاع في الاستفزازات الإستعدائية.

*المصدر- مجلة اركمانى

masarat 20150520

Itlalat Dr Jalal

abu usama almuallim

mahmoud barh origenal

mahmod taher

Fathi Osman 1

mahmod osman elos 300

ibrahim dini

Historical memory1

Screaming

Martyrdom of Dr